-
-
من معالم سيح العافية إلى ذكريات الطفولة – ٤٢٣
من معالم سيح العافية إلى ذكريات الطفولة ورحلة العودة إلى إفريقيا
ومن بينها المسجد العلوي، الواقع شمال (علوي) الدروازة العلوية، وهو مبني من الجص، ويقع على مرتفع أسفل بيت عامر بن نصير، ويُعرف بالمسجد العلوي. ولعل عامر بن نصير هو من بناه، والله أعلم.
ولكن، بحسب ما علمت، فإن الذي كان يؤم المصلين فيه هو الجد خالد بن سعيد، زوج الجدة نصرى بنت حمود بن جندب، وذلك لقرب المسجد من بيته الذي يقع خلف الدروازة على بُعد خطوات قليلة.
ومن أبناء الجد خالد: العم علي، والعم سيف، والعم سعيد. إلا أن الأخير لم تكن والدته الجدة نصرى، بل لعلها إحدى بنات عامر بن نصير. وهو أخٌ من الأم لراشد بن خلفان السناوي (ولد السودي)، كما تربطه صلة قرابة بفاطمة بنت عبد الله بن عامر بن نصير، التي كانت تسكن بجوار بيت الوالد راشد بن عمار.
أما المسجد الآخر، فهو مسجد الحدري، أو مسجد ميانين، الذي سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى الضواحي المحيطة به. ولا أدري مَن كان يؤم المصلين فيه، ولعلّه الجد منصور بن حمود بن جندب، بعد عودته من أفريقيا؛ إذ كان بيته بجوار المسجد، وكان وكيلاً على أموال البكّار من السناويين وأفلاجهم، بما فيها فلج ميانين.
وهذا المسجد، إلى جانب المسجدين الآخرين اللذين يليانه بمحاذاة فلج ميانين، داخل ضاحية ميانين من الناحية الجنوبية، بُنيت جميعها على يد البراونة.
ولا أدري ما سبب تعدد المساجد في قرية صغيرة كسيح العافية، التي لم يكن عدد سكانها في السابق يتجاوز بضع مئات، كانت غالبيتهم من الأقارب.
وهناك مسجد آخر يقع شرقي الحارة، يُعرف باسم مسجد رشيد، لكنه اشتهر باسم مسجد الغافة، لوجود شجرة غاف في صرحه. وكان طلبة تعليم القرآن الكريم يستظلون تحت هذه الشجرة أثناء تلقيهم دروسهم بعد صلاة العصر. وقد عاصرتُ تلك الفترة مع أبناء جيلي، عندما كان معلمنا عبد الله بن سليمان البراشدي يتولى تعليمنا القرآن الكريم.
وعلى كل حال، فإن شكل المباني الحالية للمساجد التي ذكرتها قد تغيّر، ولم تعد تحتفظ بطابعها التراثي السابق، وإن كانت قد تظل ذات قيمة تاريخية. ويعود ذلك إلى أعمال التحديث التي طرأت عليها، حيث استُبدلت بمواد البناء القديمة، المتمثلة في الجص والحصى، موادُ الإسمنت والخرسانة. كما جرى توسيع بعض المساجد من الداخل، وتغيّرت معالمها الخارجية، فلم تعد على الهيئة التي كانت عليها في الماضي.
وأثناء تعلّمنا القرآن الكريم، أنا وإخوتي، كنا نسكن في البيت الحدري، وهو بيت جدي صالح، معا؛ (جدّي وجدتي والدي ووالدتي). وكان ذلك قبل أن يشيد أبي مسكنًا له في امتداد الأرض التابعة لبيت جدي، وهي أرض اشتُريت من أحد أبناء الجماعة في الحارة (حارة سيح العافية). وفي الحقيقة، لا أدري من اشترى هذا الامتداد، أبي أم جدي، ولكن، من باب الأمانة، لا بد من قول الحق.
كان منزل جدي يمتد من سكة السبلة العلوية حتى مدخل البيت الحالي من الجهة الحدرية. ثم اشتُريت أرضان متلاصقتان، فامتدت أرض البيت حتى السكة الحدرية، المعروفة بسكة العبيد، ومن الجهة الشرقية حتى السكة المقابلة لبيت بابا حسن، لتشكّل بذلك حرف «L» اللاتيني.
والمقصود بكلمتي «علوى» الشمال، و«حدرى» الجنوب، وهما مصطلحان عمانيان يُقصد بهما العلو والانحدار.
وقبل ذلك، عندما عدنا من إفريقيا، سكنا في البيت الشرقي، بيت جدنا الأكبر حمود بن جندب، إلى أن أصبح مسكن أبي في البيت الحدري جاهزًا للسكن.
وأتذكر أن الأستاذ البنّاء، أو «الوستاد» كما كنا نسميه، كان سيف بن حمد بن حبيب، يعاونه عدد من أهل الحارة، وكان أبي يشاركهم في خلط الطين الذي استُخدم في البناء.
وأذكر أنه عند اكتمال البناء، أُحضرت إلى البيت الأبواب والنوافذ المصنوعة من الخشب، والتي جُلبت من مسقط. وكانت طريقة البناء فريدة من نوعها في ذلك الوقت؛ إذ استُخدمت «قِعَت» الطين في عملية "التشطيب" مسح بالإسمنت ، وكانت الغرفتان متقابلتين، وأمامهما مجلس تتوسط جدرانه رفوف مستطيلة.
وكانت الغرف صغيرة المساحة، ربما ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، أو أقل. إحداهما لوالدي ووالدتي، والأخرى لنا نحن الأبناء.
بعد أن استقر سكننا في بيت الحدري بفترة، عزم جدي صالح على العودة إلى إفريقيا، لعدم وجود مصدر دخل له في إبراء. فاستأجر عددًا من النوق - الجمال (وسائل النقل المتوفرة في تلك الفترة) له ولعمي علي بن خالد وعمي سيف بن خالد، ليرافقاه في رحلته إلى إفريقيا، وكانت تلك أول زيارة لعمي سيف إليها.
غادر جدي إبراء، ومن معه، متوجهين إلى مسقط، ومنها ركبوا سفينة بحرية إلى ممباسا، ثم واصلوا رحلتهم إلى بوروندي. واستقر جدي في بلدة مكينكا، حيث أسس تجارته في الدكان نفسه الذي كان يعمل فيه عمي علي بن خالد سابقًا. وربما كان اختياره مكينكا بسبب عدم وجود جيران من العرب في موينجا، أو لأنه لم يعد يملك شيئًا في موينجا، بعد أن باع بيته عند مغادرته منها عائدًا إلى عُمان.
أما في إبراء، فقد واصل والدي زراعة «القت»، وهو علف للأغنام، في مزارع النجادي، ثم بيعه في السوق بواسطة شاب استأجره لنقل القت على حمارة والمناداة عليه في السوق. وكان هذا الشاب يُدعى عبيد بن سالم بن سليمان، الملقب والده بـ«ولد خير»، وهو ابن بنت عمة والدي، زيانة بنت رشيد. وقد كان هذا الشاب من ضمن الشباب الذين التحقوا بالجيش مع والدي لاحقًا.
وبسبب ظروفنا المادية الصعبة، بعد أن نفد ما كان لدينا من المال الذي أحضرناه من إفريقيا، لم تعد عائدات بيع القت تكفي لتلبية احتياجات الأسرة. لذلك اشترى والدي لوالدتي ماكينة لخياطة الملابس من صديقه راشد بن خلفان السناوي، من أهالي سمد الشأن، زوج بنت عمته، وذلك بمبلغ حصل عليه من بيع والدتي صيّغتها، أي نصيبها من الذهب الذي ورثته عن أمها. والمقصود بالصيغة هنا الحلي الذي تتزين به المرأة.
وكان شراء هذه الماكينة، بالنسبة إلى والدي، إنجازًا أسهم في تخفيف محنته؛ إذ اشتهرت والدتي بالخياطة، وأخذ الناس يأتون إليها من إبراء وخارجها لخياطة «دشاديشهم». وأصبحت، بحسب ما أتذكر، أول من احترف خياطة الملابس الرجالية في إبراء، وذلك قبل أن يأتي سعيد الطوقي بمدة طويلة.
وقد أسهمت هذه الماكينة في توفير مصدر دخل للأسرة وتأمين احتياجاتها طوال فترة غياب والدي في إفريقيا.
كنت قد رافقت والدي في تلك الفترة إلى إفريقيا، وربما كنت في السادسة أو السابعة من عمري. وقد أصرّ والدي على اصطحابي معه، على الرغم من معارضة والدتي، إلا أنه أقنعها بأنه لا جدوى من بقائي في إبراء؛ إذ إن سني لا يسمح لي بالعمل، كما لم تكن هناك مدارس أواصل فيها تعليمي، فضلًا عن أنني كنت في سنّ أحتاج فيها إلى رقابة أبي ورعايته. وهكذا، وافقت والدتي على سفري معه.
وكان سفرنا إلى إفريقيا بعد ولادة أختي عزيّة. وأتذكر أنني عندما ودّعتها كانت في ثبان والدتي (أي في حجرها). وكانت ولادة أخي حمود قد سبقت ولادة عزيّة، وقد توفي وهو في سن الرضاعة. وبعده وُلد توأمان، لكنهما توفيا عند الولادة. أما قبل هؤلاء الثلاثة، فقد وُلد أخي عامر، الذي جاء معنا من إفريقيا.
وعلى كل حال، غادرنا إبراء متجهين إلى مسقط على متن شاحنة لوري، وكان برفقتنا، بحسب ما أذكر، الوالد ماجد بن سعيد البرواني وابنه سعيد، وعبد الله بن محمد بن راشد العيسري، الذي كان جدّه يُلقّب بـ«سندي».
كانت الرحلة شاقة، لعدم وجود طريق معبّد؛ إذ كان الطريق مليئًا بالحجارة والحفر. واستغرقت الرحلة من إبراء إلى مسقط نحو سبع ساعات، مع التوقف في الطريق لأداء الصلاة وتناول الطعام. وكانت هذه الشاحنات تنقل البضائع والركاب في الوقت نفسه، حيث تُحمّل البضائع على ظهر الشاحنة، ويصعد الركاب معها.
وعندما وصلنا إلى مسقط، أقمنا في مطرح في مساكن مستأجرة شُيّدت من سعف النخيل، وكانت أشبه بالخيام، تتكون كل منها من غرفة واحدة تُوضع فيها الأمتعة. أما النوم ليلًا، فكان يتم على الأرض أمام هذه العرشان. وكان الطبخ يُجرى على موقد يعمل بالكيروسين، يُعرف بـ«الستوف»، ولم يكن أمامنا خيار آخر.
واستغرق مكوثنا في مسقط شهرين، في انتظار استخراج جوازات السفر، وكذلك انتظار وصول المركب الذي سيقلّنا إلى ممباسا.
١٤ اكتوبر ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








