-
-
أسماء الأماكن والمعالم في سيح العافية.. ذاكرة المكان وشاهد التاريخ - ٤١٨
عندما كنت على رأس عملي، ربما في ثمانينيات القرن الماضي، كان يعمل معنا عدد من الموظفين من جنسيات مختلفة، وكان بعضهم قد سبقنا في العمل بحكم أن الشركة التي كنا نعمل فيها، وهي شركة «كيبل أند وايرلس» (Cable & Wireless)، كانت شركة أجنبية إنجليزية المنشأ.
ومن بين هؤلاء الزملاء الأجانب كان زميل هندي يُدعى «ثابلي يل»، وأصبح فيما بعد سكرتيرًا لمكتبي عندما ترقيت إلى رتبة مدير في عملي. وقد عينته سكرتيرًا بحكم مهارته في صياغة المراسلات باللغة الإنجليزية، وعمل في مكتبي فترة طويلة، إلى أن نُقلت إلى إدارات أخرى بعد أن تحولت الشركة إلى شركة عُمانية.
وقد ربطتنا خلال تلك الفترة صداقة عمل، ثم امتدت هذه العلاقة لتصبح صداقة أسرية. ورُزق زميلي بمولودة أسماها «روي»، فسألته عن سبب هذه التسمية، فقال إنه أطلق عليها هذا الاسم تيمّنًا بالمنطقة التي سكنوا فيها في مسقط، وكان يقصد منطقة «روي» قبل أن ينتقل إلى حي آخر في مدينة مسقط بالقرب من قصر العلم.
فقلت له: ماذا تقصد بهذه التسمية؟ وهل الاسم مشابه لاسم هندي؟ فأجابني بأن الاسم مشتق من اسم المنطقة التي كانوا يسكنون فيها، وهي «روي». ومن هنا فهمت أن للأسماء مدلولات وذكريات، وأنها قد ترتبط بمكان أو حدث أو مرحلة من حياة الإنسان.
وعندما قرأت لاحقًا كتابًا عن شوارع القاهرة، أدركت بصورة أوضح أن أسماء المباني والشوارع والمناطق والساحات ليست مجرد أسماء عابرة، وإنما قد تحمل مدلولات تاريخية وجغرافية واجتماعية، ويُشتق بعضها من أحداث أو أشخاص أو ظروف معينة، وقد لا يدرك الإنسان العادي تلك الدلالات كما يدركها المتخصص في التاريخ أو الجغرافيا أو علم السكان.
وتتحول بعض هذه المسميات، مع مرور الزمن، إلى جزء من الذاكرة العامة للمجتمع، حتى وإن كانت تشير في الأصل إلى أملاك خاصة، كأسماء بعض البيوت والمباني التي يمتلكها أفراد من المجتمع. فإذا أُزيلت تلك المباني، فقد لا يختفي المبنى وحده، وإنما يختفي معه معلم كان الناس يهتدون به، وترتبط به ذاكرة المكان وأهله.
ومن هنا أجد أن قرية سيح العافية تزخر بالعديد من المسميات التي تستحق البحث والدراسة والتوثيق؛ فهناك سكك وبيوت ومساجد وآبار تحمل أسماء قد تبدو غريبة لبعض الناس اليوم، لكنها ربما ترتبط بأحداث أو أشخاص أو ظروف تاريخية معينة.
فعلى سبيل المثال، هناك طوي بئر «العبيد»، التي تقع شرقي بيت سالم بن عبدالله. وعندما سألت عن سبب هذه التسمية، قيل لي إن الذين حفروها كانوا عمالًا جلبهم البراونة من أفريقيا، ثم جُعلت البئر وقفًا لدكان في سوق الحرث بالقناطر. ومن هنا جاءت التسمية، لتمييزها بمن قاموا بحفرها.
وهناك طوي بئر «سكيكرة»، وهي تصغير لمسمى «سكر»، وهو اسم مجازي للتعبير عن عذوبة مياهها. وقد يطول الحديث عن تاريخ هذه البئر، وعن الأشخاص الذين كانوا يردون إليها، أي الذين يستقون منها، وعن شهرتها بين أهل القرية.
وهناك أيضًا طوي بئر «غربق»، وطوي بئر «الساح». وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا لم تُسمَّ «طوي السيح» نسبة إلى قرية سيح العافية؟ أم أن القرية كانت تُعرف في السابق باسم «ساح العافية»؟
ومن الآبار كذلك طوي بئر «رينا»، الواقعة على الوادي في الزاوية العلوية من ضاحية الوالدة رينا بنت حمد بن حبيب، وهي تسمية أخرى تحتاج إلى البحث والتوثيق لمعرفة أصلها وقصتها.
ومن السكك هناك «سكة العبيد»، التي تبدأ من بيت عامر بن سعيد بن سويد وتنتهي أمام بيت الوالد راشد بن عمار، مرورًا أمام بيت شخبوط وبابا حسن. وقد سمعت هذا الاسم من جدتي، أم والدي، صفية بنت عامر. وعندما سألتها عن سبب التسمية، قالت إن سكان هذه السكة كانوا من ذوي الأصول الأفريقية، إذ كان سائدًا في ذلك الوقت إطلاق هذا المسمى على كل من كان أسود البشرة.
أما المساجد، فمنها مسجد العلوي، ومسجد الغافة الذي أصبح يُعرف الآن بمسجد رشيد، ومسجد الحدري، ومسجد السلالة، ومسجد اللثاب.
ومن الساحات «سوق السناويين»، وهذا الاسم أيضًا يفتح بابًا للتساؤل عن قصة هذا السوق، ومتى أُنشئ، وما الغرض منه، ومن كانوا يرتادونه، وما علاقته بأهل القرية.
ومن البيوت «بيت الدروازة» و«بيت القابولي»، <سبلة البرج>، وغيرهما من البيوت التي تحمل أسماء لها مدلولات تاريخية واجتماعية، ينبغي البحث عنها واستنباطها من الروايات الشفوية والوثائق القديمة وما بقي من آثار المكان.
وهكذا، فإن أسماء الأماكن في سيح العافية ليست مجرد ألفاظ أُطلقت عليها من غير سبب، وإنما قد تكون وراء كل اسم قصة، أو شخص، أو حدث، أو مهنة، أو جماعة، أو صفة تميز بها المكان. ومع مرور الزمن قد تضيع هذه القصص إذا لم تُجمع وتُوثق من كبار السن والرواة، وتُربط بما بقي من الآثار والوثائق.
ولهذا فإننا بحاجة إلى تأسيس صندوق لقرية سيح العافية، تكون من بين أهدافه تمويل البحوث والدراسات المتعلقة بتاريخ القرية، وتوثيق الروايات الشفوية، وحصر أسماء الأماكن والبيوت والمساجد والآبار والسكك والساحات، إضافة إلى المساهمة في ترميم وصيانة مكونات القرية التاريخية والتراثية.
فحماية التراث لا تعني المحافظة على المباني القديمة فقط، وإنما تعني أيضًا المحافظة على أسمائها وقصصها وذكرياتها، حتى تبقى ذاكرة المكان حاضرة، وتنتقل من جيل إلى جيل.
٣ أكتوبر ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








