1. النظرة الاجتماعية إلى الجيش قبل عام السبعين وتغيّرها بعد ذلك - ٤١٨

      ومن المواقف التي أتذكرها فيما يخص الملتحقين بالجيش قبل عام السبعين، من مجموعة والدي، أن بعض أهل الحارة كانوا ينظرون إليهم، بسبب التحاقهم بالجيش وارتدائهم السروال (البنطلون)، على أن ذلك أمر غير مألوف، خاصة أن والدي، الذي كان ملتحيًا، كان يرأسهم.

      فكلما كان هؤلاء الملتحقون بالجيش يعودون إلى بيوتهم في فترات الإجازات، كانت شاحنات الجيش من نوع «بيدفورد» تأتي بهم، وتبدأ بتوزيعهم من قرية الحائمة، حتى تصل بهم إلى السفالة بإبراء، حيث ينزل أفراد قرية سيح العافية.

      وعندما تصل هذه الشاحنات، يتجمع الناس حولهم لمشاهدة زيهم العسكري وحملهم للبنادق. وما إن تصل بهم الشاحنات حتى يبدأون بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء ابتهاجًا بوصولهم، وهو ما كان يثير فضول السكان. وكان السكان الذين يسمعون أصوات إطلاق النار من المناطق البعيدة عن القرية يهرعون لملاقاتهم.

      وكان هؤلاء العسكر العائدون من معسكر التدريب يعلوهم الفخر والاعتزاز أمام ذويهم.

      وكنا نحن الصغار نلتقط خراطيش الطلقات النارية الفارغة من الأرض لنصنع بها المفرقعات، وكان كل منا يحاول أن يحصل على أكبر عدد منها.

      وبعد أن يتم إخلاء الشاحنات من العسكر، تعود فارغة إلى مصدرها، ويقضي هؤلاء العسكر المدة المحددة لهم، ثم تأتي هذه الشاحنات مرة أخرى لأخذهم.

      وكان الناس يتساءلون كثيرًا، ويرغبون في معرفة المزيد عما يجري مع هؤلاء العسكر في التدريب، وكانوا يردون على استفساراتهم بجدية، حتى لو كانت بعض هذه الاستفسارات استفزازية.

      وأذكر أنه عندما نفرغ من صلاة المغرب في مسجد العلوي، تنهال الأسئلة على والدي عما يفعلونه في التدريب، وكان والدي يجيب عنها، حتى لو كان السؤال سخيفًا. وأذكر أن الوالد عامر بن محمد بن حمود كان أكثر المصلين استفسارًا، وعندما يرد عليه والدي بإجابات تحمل مفردات عسكرية، يزداد فضوله ويواصل الاستفسار.

      إلى أن طلب مرة من والدي، هو ومجموعته، أن يروهم كيف يمشون ويؤدون الاستعراض العسكري. وفعلاً، لبّى والدي طلبه، كنوع من التحدي؛ فجمع والدي زملاءه بزيهم العسكري في ذات مساء، وقاموا بأداء الاستعراض العسكري.

      وتجمهر الناس في الشرجة أمام البيت الشرقي، وأعجبوا، أو بالأحرى استغربوا، كيف يتم التنسيق في خطوات المشي واللف والدوران، وكأنهم جسد واحد. مما جعل البعض يتراجع عن السلبيات التي كانت سائدة في أذهانهم عن الجيش.

      وهذا الاستعراض أمام الأهالي أصبح عادة، كلما عاد هؤلاء العسكر إلى إجازاتهم.

      اتساع الالتحاق بالجيش والأجهزة الأمنية

      شهدت حقبة السبعينات انخراط أعداد كبيرة من الأهالي في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية بصفة عامة. وكانت هذه المؤسسات تقبل المتقدمين للانضمام إليها دون اشتراط مستوى محدد من التعليم، مع تفضيل الأكثر تعلّمًا.

      وكانت الشرطة، وكذلك قوات الدفاع، تقبل المتقدمين حتى ممن لم يكن لديهم إلمام كافٍ بالقراءة والكتابة، ولم يكن لديهم منها إلا الشيء اليسير؛ وذلك لحاجة هذه الأجهزة الماسّة إلى توظيف أعداد كبيرة من الأفراد، بما يتناسب مع النهضة المتسارعة التي كانت تشهدها البلاد.

      ولكن فيما بعد، بدأ التوظيف يشترط الحصول على الشهادة الابتدائية، ثم الإعدادية، إلى أن أصبح القبول يشترط الشهادة الثانوية، التي تُعرف الآن بالدبلوم العام.

      العمانيون العائدون من شرق أفريقيا والمؤسسات العسكرية والصحية

      أما بالنسبة إلى العُمانيين من مواليد شرق أفريقيا الذين عادوا إلى بلادهم، فقد كان لديهم مستوى تعليمي أفضل، إلا أن عددًا يسيرًا منهم التحق بالمؤسسات العسكرية، وخاصة في الوظائف الفنية العليا وعالية التخصص، بفضل إتقانهم اللغة الإنجليزية، التي كانت مطلوبة آنذاك في بعض الوظائف بوزارة الدفاع ووزارة الصحة.

      وفي وزارة الصحة، برزت الحاجة إلى الكوادر المتخصصة في مجالات التمريض والمختبرات، وقد اختير بعض هؤلاء لإكمال تعليمهم وتدريبهم في بريطانيا وأوروبا، في شتى التخصصات، ليحلوا محل الأجانب في تلك الوظائف.

      أما في وزارة الدفاع، فقد كان ذلك في قطاعات الطيران والميكانيكا، والأعمال التي تتطلب مهارات فنية مختلفة. وكذلك في وزارة الصحة، تم تأهيل عدد كبير من العناصر النسائية في مجالي التمريض والمختبرات.

      ١ اكتوب ٢٠٢٦ 

      1. عبد الله السناوي - شارك