-
-
من الجيش إلى بيت الفلج رحلة والدي ومعاناة الأسرة – ٤١٥
كانت تربط والدي صداقةٌ بالرائد دينيسون، الضابط الإنجليزي الذي كان في الجيش العُماني، وقائد فرقة الاستكشاف، عندما التحق والدي بالجيش في منتصف الستينيات، مع مجموعة من أفراد الشباب من قرية سيح العافية، وقرية الجبل، وقرية القناطر، وبلدة الدريز التابعة الآن لولاية القابل.
وقال لي أخي علي إن من أتى لتوظيف والدي في الجيش كان الضابط الإنجليزي النقيب «ماكلين»، وذلك لحاجة الجيش إلى جنود للقتال في حرب ظفار. وكان عدد الذين تم توظيفهم سبعة أفراد. وكان من أسباب قبول والدي في الجيش تزكية الشيخ أحمد بن محمد، والأهم من ذلك أن والدي ضاقت به الحياة بعد عودته من أفريقيا، ووجود أولاد خالي الذين كان مسؤولًا عن رعايتهم، إلى جانب أبنائه؛ إذ كان البيت مملوءًا بالناس، ولم يكن لدى والدي دخلٌ سوى ما يحصل عليه من بيع الطعام (القَتّ)، وهو علف الأغنام.
وكان والدي يستشير كل مغترب يزوره، ممن سبق لهم العمل في دول الخليج، ويستفسر منهم عن نوعية الأعمال التي يمكن للعُماني أن يعمل بها. وعندما زار أبي الشيخ أحمد بن محمد في القابل، رفض الشيخ أن يعطيه «بروة» (رسالة مأذونية لاستخراج جواز السفر) من مسقط للسفر إلى دولة الكويت، التي كانت في تلك الفترة زاهرة، بحجة أنه لا يليق بوالدي أن يعمل في الأعمال الدنيا، كسياقة المركبات مثلًا، لما كان يتمتع به من مكانة اجتماعية مرموقة لدى شيوخ القبيلة.
وكانت تربط والدي علاقة شخصية بالشيخ أحمد بن محمد بن عيسى بن صالح، شيخ قبيلة الحرث. وهذه العلاقة تاريخية، توارثها أجداده، وقبل أن تنتقل إلى والدي كانت مع جدي صالح، وقبله مع والد الشيخ محمد بن عيسى، ومع الجد حمود بن جندب.
ومن أقوال العم سيف بن محمد بن سالم الطوقي: «كان الشيوخ من القابل يزورون حمود بن جندب، ويستقبلهم في الشرجة أمام بيته، وكان الشيوخ زواره يربطون خيولهم في الشجرتين السمرتين اللتين في الشرجة أمام البيت الشرقي».
وقد أكد لي ذلك والدي، وقال: «لم يكن الجد حمود بن جندب يقدم القهوة للشيوخ إلا من أجود التمور، وكان والدي يذهب خلسةً، دون أن يحس به الضيوف، ليأتي بالتمر من محمد بن راشد العيسري "سندي" من قرية السباخ، وهذا الأخير أخٌ لأبيه "صالح"، أخيه بالرضاعة».
قبل قدوم النقيب ماكلين ومن معه لمقابلة والدي من أجل التوظيف بيومين، أرسل الشيخ أحمد بن محمد سائقه، الملقب بـ«العفريت»، على سيارته «اللاند روفر»، لكي يُعلم والدي بقدوم «ماكلين» مع فريق التوظيف، وأن على الوالد أن يبحث عن مجموعة لتتوظف معه.
وقام والدي فور ذلك بالاتصال بمن يسهل الاتصال بهم، ورغب عدد منهم في الالتحاق، دون أن يعلموا أنهم سيتوظفون للمشاركة في حرب ظفار؛ إذ كان حسب علمهم أنهم مجرد عسكريين في الجيش. وعلى كل حال، حضر النقيب «ماكلين» بعد يومين، وقابل المجموعة، وحدد معهم موعد الرحيل.
وكانت المجموعة مكوّنة من سبعة أشخاص:
والدي، وهو أكبرهم سنًا.
ابن خالي محمد، الذي كان يعيش معنا في البيت.
سعيد بن سيف (ولد سواف).
عبيد بن سالم بن سليمان (ولد خير).
محمد بن أحمد (ولد أف أف).
محمد بن حمد الرشادي، من عزّ بولاية القابل.
سليم سحلوف.
خضعت هذه المجموعة لتدريب مكثف في مركز التدريب بغلاء لمدة ستة أشهر. وقد زرنا أنا وأخي علي المركز برفقة «ولد خير»، والد عبيد، وأقمنا فيه يومين في طريقنا إلى مطرح. وشاهدنا عملية التدريب من خلال نوافذ الثكنة التي أقمنا فيها، وكان ممنوعًا على غير العسكريين التواجد في المركز، وكنا نختبئ تحت الأسرّة كلما مرّ مسؤول.
وارتبط اسم النقيب ماكلين بالرقيب نصيب بن حمد الرواحي، من نزوى، الذي كان مدربًا لهذه المجموعة، واشتهر بشدته، وكذلك ببياض بشرته الأوروبية آنذاك. وترقّى بعد ذلك وأصبح قائدًا للكتيبة التي انضم إليها والدي، وهي «فرقة الحدود الشمالية». وخاضت هذه الكتيبة عدة عمليات في حرب ظفار حين جاء دورها، أسوة ببقية الفرق.
وتنقّل والدي في عدة أقسام في الجيش، وكان يُختار حسب الحاجة؛ فعمل راميًا لمدفع البازوكا المضاد للمدرعات، وعمل في مختلف الأسلحة الثقيلة والتكتيكية، ثم تحول ليصبح أمينًا لمستودع الأسلحة، وأمينًا لمستودع قطع غيار المركبات، ثم مساعدًا لقائد ورشة إصلاح مركبات الجيش، إلى أن استقر في معسكر بيت الفلج، حيث أتيحت له الفرصة لنقل عائلته من إبراء إلى مطرح.
وكانت هذه النقلة مهمة بالنسبة له، خاصة أنه كان يعاني من تحديات كثيرة، منها مرض ابنته الكبرى، التي لم تجد لها العلاج بسبب انعدام المستشفيات، عدا مستشفى طومس البدائي، الذي سُمّي بمستشفى الرحمة فيما بعد.
من حسن حظ والدي أنه عندما انتقل للعمل في ورشة إصلاح المركبات في معسكر بيت الفلج، وقع مع مسؤولٍ ساعده كثيرًا في التغلب على بعض مشكلات مرض ابنته. فقد كان يتطلب منه في كل مرة، أو مرتين في الأسبوع، الذهاب إلى إبراء للاطمئنان على صحة ابنته، إذ لم تكن هناك وسيلة اتصال سوى الحضور الشخصي، وكان ذلك يتطلب وسيلة نقل ذات دفع رباعي للذهاب إلى إبراء والعودة منها؛ بسبب وعورة الطريق عبر وادي العق، الذي كان يستغرق اجتيازه أكثر من أربع ساعات. وكان الطريق وعرًا، ترابيًا وصخريًا، تكثر فيه الحصى التي تعيق سير السيارات.
وكان الرائد «هيل»، أو «الماجر هيل» كما كانوا ينادونه، أكرمَ من عرفتُ من العرب. فعندما علم بأن والدي يمر بظروف صعبة بسبب مرض ابنته، كان هذا الضابط الإنجليزي يوفر له سيارة «لاندروفر» مع سائق ليوصله إلى إبراء ويعيده منها، حتى يتمكن من الاطمئنان على ابنته. وكان هذا الضابط، من شدة تواضعه، يختلط بكل الميكانيكيين العمانيين في الورشة، وكان يساعد والدي دائمًا بتوفير سيارة «لاندروفر» مع سائق لتنقله إلى إبراء.
واستمر حال أختي على هذا النحو، دون أن يُعثر لها على علاج، إذ لم تكن في ذلك الوقت العلاجات الطبية متوفرة كما هي الحال الآن، ولم يكن أمام الناس سوى اللجوء إلى «المعالمة» أو، بالأحرى، إلى المشعوذين، الذين كانوا يأتون ويقرؤون عليها آيات من القرآن الكريم، ثم يضربونها بالسياط، معتقدين أن بها جنًّا أو شيطانًا سيخرج من جسدها.
وفي الحقيقة، علمنا بعد سنوات طويلة من وفاتها، وبعد عصر النهضة، أن أختي كانت مصابة بمرض الشقيقة (الصداع النصفي الحاد)، الذي كان يُعتقد أنه يصيب البنات، خاصة في المراحل الدراسية الأخيرة، بسبب التوتر. وعلى كل حال، لازمها هذا المرض حتى توفاها الله.
وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة في حياة العائلة. وكنت آنذاك في عطلة الصيف، وقد تركت إمارة دبي استعدادا للانتقال إلى مدينة العين بإمارة أبو ظبي.
أتذكر يوم وفاتها؛ كانت راقدة ومغطاة في الدهليز الغربي من البيت الشرقي، وكنت نائمًا في الخارج في الحوش، أمام مدخل الدهليز. وعندما جاء والدي ليوقظني لصلاة الفجر، توجهنا إلى المسجد العلوي. وبعد أداء الصلاة، قال والدي للمصلين: «توفيث عندنا البنية»، ومن هنا علمت أن أختي قد فارقت الحياة.
اللهم أسكنها فسيح جناتك، وارحمها رحمة واسعة.
٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦
ملاحظة من أخي علي؛
را ئع ابو الوارث هذا التوثيق تاريخي القيم . المقدم "كولين ماكلين" انتقل إلى رحمة ربه مع مطلع هذا العام (٢٠٢٦) في لندن عن عمر يناهز ٩٠ وهذه صوره له بالبدلة العسكريه عندما كان يعمل في القوات السلطات المسلحة بكتيبة الحدود الشماليه .
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








