1.  من التعليم التقليدي إلى شرق أفريقيا – ٤١٤

      بالرغم من صعوبة العيش في إمارة دبي في فترة الستينات، إلا أن وضعي كان مريحًا نفسيًا بالنسبة لي، بخلاف المعيشة التي عشتها في مدينة العين بإمارة أبوظبي؛ إذ كان الجو الطلابي والبيئة التعليمية التي عشت فيها بمدينة العين غير مرضية بالنسبة لي، بسبب المجموعة التي رافقتها هناك. فقد كانت لا تقل إزعاجًا وأقل انضباطًا من البيئة التي كنت أعيشها معها أثناء تعلّم القرآن الكريم والنحو في جامع القناطر، قبل أن أنتقل إلى ولاية مطرح في العاصمة مسقط، ومن ثم إلى دبي. 

      عندما عدت إلى عُمان من دبي لقضاء فترة عطلة الصيف، وهي العطلة المدرسية، لم أكن أعلم أنني لن أعود إلى دبي؛ إذ طلب مني والدي أن أرافق مجموعة من الطلاب، ومعهم أخي علي، للدراسة في مدينة العين. وكانت تلك المجموعة تضم الأشخاص أنفسهم الذين كنت معهم في تعلّم القرآن الكريم والنحو بجامع القناطر، وهي المجموعة التي رافقتها في التعليم بالجامع المذكور بعد عودتي من أفريقيا برفقة أبناء خالي، الذين انضموا إليّ أيضًا في

       الجامع نفسه. 

      وشتان بين الدراسة في أفريقيا والدراسة في جامع القناطر؛ فقد كان التعليم في الجامع يتم بأسلوب بدائي، حيث كنا نجلس على الأرض في حلقات فوق الرمل، أو على الحصير إذا توفر، وكان التعليم يعتمد على أسلوب الحفظ، والزجر والضرب عند الخطأ. أما الدراسة في أفريقيا، فكانت تتبع الأسلوب الحديث في وسائل التعليم، على النحو الذي نراه اليوم. 

      وكان الشباب الذين يعودون مع أهاليهم من أفريقيا، ثم يلتحقون بمثل هذه المدارس، يعانون كثيرًا في التأقلم مع مثل هذه الأوضاع.

      كانت الحياة في عُمان قبل عام 1970 بدائيةً جدًا، خاصةً في المناطق الواقعة خارج مدينتي مسقط ومطرح؛ فلم تكن هناك كهرباء، ولا شبكة مياه، ولا شبكات للصرف الصحي. وكان ماء الشرب والطهي تجلبه النساء من آبار الحارة في أوانٍ يحملنها على رؤوسهن. 

      وكانت المرأة تقوم بكل الأعمال المتعلقة بالنظافة والطهي وغسل الملابس، إضافةً إلى أعمال المزرعة وجلب الحشائش لإطعام البهائم من الأغنام والأبقار، إذا كانت متوفرة في البيت. 

      وكان الناس ينامون على الأرض، وفي العراء وقت المساء، في حوش البيت، وخاصةً في فصل الصيف، على بساط مصنوع من سعف النخيل يُعرف بـ«الدَّعْن». 

      أما طعامهم، فكانوا يتناولون الأرز مع المرق، إذا توفرت قطع اللحم، أو السمك المملح الذي كان يُجلب على ظهور الجمال من المناطق الساحلية. وكانوا يشترونه من الأسواق من باعة البسطات الذين يفترشون الأرض. وكانت وسائل النظافة محدودة جدًا، حتى إن السمكة الواحدة عند تناول الطعام قد يتقاسمها أكثر من خمسة أشخاص في البيت الواحد. 

      وكان السكان يقضون معظم وقتهم خارج البيت، تحت ظلال أشجار النخيل والليمون في المزارع، هربًا من شدة الحرارة. وكان سكان الحضر يعيشون في بيوت مبنية من الطين، بينما كان البدو يعيشون في بيوت مصنوعة من سعف النخيل. 

      أما بالنسبة إلى دورات المياه، فكان الأهالي يقضون حاجتهم تحت أشجار السمر أو السدر في الوادي، ويغتسلون من مياه الفلج. وكانت للنساء مساحة مخصصة لهن بجانب ساقية الفلج. 

      أما فيما يتعلق بالنقل والتنقل، فكانوا يستخدمون الدواب في تنقلاتهم وفي أعمالهم اليومية، ويعتمدون في معيشتهم على الزراعة وما يزرعونه في الأرض، أو يعمل بعضهم أجيرًا في بناء بيوت الطين، أو نقل الأتربة والحصى على ظهور الحمير، أو في خدمة سواقي الأفلاج. 

      وكان من يُكمل تعليم القرآن لا يجد عملًا آخر أمامه سوى الأعمال التي ذُكرت.

      لذا كثرت الهجرات الجماعية في أربعينيات القرن الماضي من عُمان إلى شرق أفريقيا، التي كان بها أيضًا حكمٌ عُماني، لكنها كانت أكثر تحضرًا وأفضل من حيث مستوى المعيشة مقارنةً بالعيش في عُمان. 

      وكان من العُمانيين من باع أملاكه، بل وحتى سلاحه، مثل الخنجر والبندقية، لكي يسافر إلى أفريقيا طلبًا للرزق. ومنهم من أخذ زوجته وأولاده معه، بينما اضطر بعضهم إلى تطليق زوجته التي لا تستطيع تحمّل مشقة السفر، لتتزوج أحدًا من أهل حارتها، حتى لا يظلمها بإطالة غيابه عنها، وخوفًا من طول إقامته في أفريقيا؛ إذ كان التنقل بين عُمان وبلدان شرق أفريقيا يتم عبر السفن الشراعية التي تعتمد على سرعة الرياح واتجاهها، وكانت الرحلة تستغرق أكثر من شهرين، تشق خلالها السفن عباب البحر معتمدةً على هبوب الرياح. 

      وهؤلاء الذين عاشوا في أفريقيا تصاهر بعضهم مع الأفارقة، وأنجبوا أبناءً متعلمين كان لهم فيما بعد دورٌ ومساهمة في نهضة عُمان. كما أسس أولئك المهاجرون أنشطةً تجارية هناك، وأسهموا في ازدهار اقتصاد بلدان شرق أفريقيا. 

      ومنهم من استفاد من النهضة الثقافية التي شهدتها زنجبار في عهد السلطان برغش، فأخرجت زنجبار علماء أفاضل في الفقه والأدب. 

      أما الذين هاجروا إلى دول الخليج، فقد عملوا في مجالات الخدمات، ومنهم من ألحق أبناءه، ولا سيما الصبيان، بالمدارس الحكومية هناك، التي فتحت مصاريع أبوابها لقبول الطلبة العُمانيين أسوةً بأبنائها.

      لم تقتصر الهجرة إلى شرق أفريقيا على غير جدي الأكبر، والد أجدادي حمود بن جندب، فحسب، بل هاجر هو أيضًا من سفالة إبراء إلى شرق أفريقيا، أسوةً بعائلة البراونة الذين سبقوا أهالي إبراء في الهجرة إلى أفريقيا. وكان ذلك بعد أن أصاب المحلُّ مزارعه للقمح في منطقة النجادي بسفالة إبراء، وشحّت المياه. 

      وربما كان قد تزوج آنذاك من زوجته الأولى، المرهوبية، التي أنجبت له ابنه الأكبر منصور، الذي رافقه فيما بعد إلى زنجبار. وحلَّ في جزيرة «أونجوجا»، ثم أسس مزارعه في جزيرة «بيمبا»، حيث ترك ابنه منصور للإشراف عليها، إلى أن عاد منصور واستقر في قريته سيح العافية. وهذا ما رواه لي ابنه، العم ناصر بن منصور، رحمه الله. 

      وكان الجد حمود بن جندب، كعادة بقية العمانيين الذين يطول بهم المقام في أفريقيا، قد تزوج من امرأة سواحيلية زنجبارية، وأنجبت له ابنته صفية. وقد تربت صفية على يد مربية بعد وفاة والدتها، ويقال إنها درست التمريض وعملت مشرفةً في قصر سلطان زنجبار. وكان لها بيت عاشت فيه بمدينة ستون تاون «الحجرية»، حتى إن أبناء إخوتها غير الأشقاء كانوا ينزلون فيه عند مرورهم في طريقهم إلى بلدان الداخل في شرق أفريقيا. 

      وكما يُفهم من سياق السرد، كانت للجد حمود بن جندب زوجة ثانية بعد المرهوبية، تدعى ريا بنت عبيد الطوقية، وهي أم أبنائه: نصرة، أمّ علي وسيف ابني خالد بن سعيد، وشمسة، أمّ أبناء رشيد بن رشود، ومن الذكور صالح وحمد. 

      وبعد طلاقها منه، تزوجها سعيد بن مسعود، الملقب بـ«الكنجابانا»، وأنجبت له ابنةً تدعى أسماء، فأصبحت أسماء أختًا غير شقيقة لأبناء حمود بن جندب من ريا بنت عبيد.

      انتقل الجد حمود بن جندب من زنجبار إلى بلدان شرق أفريقيا الداخلية، واستقر في بوروندي، في بلدة كتيجا، حيث كانت له تجارة هناك. ولست أدري إذا كان ابنه الأكبر منصور، الذي كان معه في زنجبار، قد رافقه إلى بوروندي، ولكن حفيداه ناصر وسالم، ابنا منصور، أسسا تجارة في أوغندا، ولعل أباهما منصور هو من أسس هذه التجارة قبل أن يغادر شرق أفريقيا نهائيًا ويستقر في إبراء بعُمان. 

      وظل الجد حمود بن جندب في بلدة كتيجا بتجارته، ثم لحق به ابناه حمد وصالح؛ حيث أسس ابنه حمد تجارة في بلدة رويجي، بينما أسس ابنه صالح تجارة في بلدة موينجا، بعد تردده بين مناطق مختلفة، شملت مهويزا وبوكوبا في تنزانيا. 

      وعاد بعد ذلك الجد حمود بن جندب إلى عُمان، واستقر في قريته سيح العافية حتى وفاته أواخر الاربعينات من القرن الماضي. وكانت آخر زوجاته نعمة بنت محمد بن راشد، التي تزوجت بعده الوالد عبد الله بن سليمان بن محمد، ولم تنجب منه أبناء. 

      وبالمقابل، تزوجت الجدة شمسة بنت حمود بن جندب محمد بن راشد، والد نعمة، وأنجبت له بنتًا توفيت في سن العاشرة. وتزوجت الوالدة شمسة بعد ذلك ابن خالتها الطوقي محمد بن منصور، وبعد طلاقها منه تزوجت رشيد بن رشود السناوي، وأنجبت له عددًا من الأبناء. 

      ومن ميزان حسنات الجد حمود بن جندب أنه تنازل عن قطعة أرض له في كتيجا لصالح إقامة مُصلّى للمسلمين لأداء صلاة الجماعة فيه، والذي أصبح يُعرف الآن بمسجد كتيجا، بعد أن شُيّد من قبل جمعية الاستقامة.

      ولما تأزمت الأمور في عُمان بسبب القحط أولًا، والحصار الاقتصادي ثانيًا، الذي فرضته بريطانيا على مدن الداخل العُماني الخاضعة لسلطة الإمامة آنذاك، قبل حرب الجبل الأخضر، زادت هجرة العُمانيين إلى شرق أفريقيا. وكان والدي من جملة هؤلاء، حيث استقر به الحال مع والده صالح في بوروندي. 

      وتزوج والدي بعد ذلك من ابنة عمه حمد، وهي والدتي، وأنجبني أنا وإخوتي. وظل في بوروندي مشاركًا والده في التجارة، إلى أن ظهرت الثورات في بوروندي ورواندا من قبل السكان المحليين ضد الاستعمار البلجيكي في أواخر خمسينيات القرن الماضي. فعاد بنا والدي، برفقة جدي وعمومتي، بعد ذلك إلى عُمان. 

      وأدخلنا والدي بعد ذلك مدرسة القرآن الكريم، باعتبار ذلك واجبًا ومن أصول الدين، والتزامًا من الأب بتربية أبنائه وتعليمهم ما يعتمد عليه من حفظ الآيات القرآنية وفهمها، للتعامل والتعايش مع المجتمع، وأداء الواجبات الدينية. 

      وكان أسلوب التعليم المتبع آنذاك يقوم على التلقين والحفظ، والضرب من قبل المعلم عند الخطأ، حتى وإن كان الطالب مصابًا بالتأتأة. فإذا لم يكن لديك قدر كافٍ من الحفظ، نلت من العقاب ما لا يرضيك. 

      بعد مدة من مكوثنا في عُمان، قرر جدي صالح أن يعود إلى أفريقيا لممارسة تجارته، حيث لم يكن في عُمان ما يمكن أن يكسب منه لقمة عيشه. وهكذا سافر جدي برفقة ابني أخته، العم علي والعم سيف، ابني خالد. 

      وبعد ذلك بمدة، قد تكون سنة، قرر والدي اللحاق به، بعد أن ضاقت به سبل العيش والعمل، فأصبح يبيع «القَتّ»، وهو علف للأغنام، على ظهور الحمير، وهو عمل كان يتناقض مع مكانته التجارية السابقة ومركزه الاجتماعي. فقرر أن يصطحبني معه بعد أن أكملت تعليم القرآن الكريم. 

      وسافرنا معًا برفقة بعض الجماعة من قرية السباخ، واستقر بي الحال، بعد التنقل بين عدة مناطق في أوغندا، في بلدة مومباسا في كينيا، مع أحد أصدقاء والدي، لأتعلم اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس الحديثة. 

      وكان ذلك بالنسبة لي تحولًا كبيرًا في حياتي، وانتقالًا من بيئة التعليم التقليدي إلى بيئة تعليمية حديثة ومختلفة تمامًا.

      ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك