1. توثيق تاريخ القرية ومكوّناتها وربطها بتاريخ أهلها وهجرتهم - ٤١٢

      إن المعلومات التاريخية عن قرية سيح العافية بصفة خاصة، وعن ولاية إبراء بصفة عامة، وهي معلومات يجب التحقق من مصادرها والتأكد من صحتها. وعندما يتطوع شخص ما بالإدلاء بمعلومات عن تاريخ شيء معين، سواء كان ذلك مكوّنًا تراثيًا أو تاريخيًا، أو سيرة ذاتية، يجب ذكر هذه المعلومات ومصدرها. وهذا يحفظ للشخص الذي صنع المعلومة حقه، ويجنّبه أي لوم أو مطالبات من قبل الورثة، أو أي أفكار قد تلحق الضرر، حتى وإن كان قد صنع هذه المعلومات بحسن نية، وتمكن منه في إبراز أهمية الخبرة للجيل الجديد.

        ومشروعنا المتمثل في مجلس قرية سيح العافية للمكوّنات التراثية والتاريخية هو المسار الصحيح لتوثيق مثل هذه المعلومات. فسيح العافية ليست مباني مندثرة، بل هم أيضًا أشخاص كانوا خلف تلك المباني، وسِيَرهم الذاتيًة، وكيف شُيدت تلك المباني، ومن أين أتوا بالمال لبنائها. وهذا سينقلك إلى تاريخ ترحالهم من طلب الرزق وإيجاد العمل، وأسباب تغربهم إلى شرق افريقيا. و بما أنهم ولدوا في شرق افريقيا فلا بد أن يكون لهم تأثير اجتماعي هناك.

        وبتتبع الأحداث، وترابط المعلومات، تفتح مجالات واسعة من البحث والدراسة. ومن ثم يجب أن يكون العمل بها: كيف تكوّنت قرية سيح العافية؟ ومن هم سكانها؟ وما أصولهم؟ وكيف تصاهروا مع القبائل الأخرى؟ وما سر تغربهم إلى شرق افريقيا؟ ولماذا يقيمون السناويون في أوغندا وبورندي ورواندا محددًا، وليس كما فعل الكثير من العمانيين الذين رجحوا المقيم في تنزانيا وكينيا وزنجبار؟

        ولماذا كان أهالي إبراء أكثر من العمانيين هجرة إلى شرق افريقيا، حتى يكاد بعض سكان شمال الشرقية يجيدون التحدث بالسواحيلية أو يفهمونها؟ وكيف بنى العمانيون مجتمعاتهم في كافة أنحاء شرق افريقيا؟ وما المناطق التي سكنوا فيها هناك، وأين أسسوا تجارتهم؟ وما يستخدمها والتقاليد التي حملوها معها إلى تلك البلدان؟ وكيف اندمجت هؤلاء مع الثقافة السواحيلية لدى الشعوب الأفريقية هناك؟ وما الأوقاف التي تركها السلف من السناويين لقريتهم؟

        يمكن أن تكون هذه الدراسات ذات مجالات كبيرة لطلبة علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، كما يمكن أن تفتح مجال التتبع في التاريخ والتراث والهجرة والعلاقة بين التجارة والهجرة والمجتمع.

        وأتذكر أن ابن أختي ليث بن خليفة الشيادي، أثناء دراسته لهندسة المدن في الجامعة الألمانية، أاستضاف زملاءه في الجامعة، ومعهم مدرسه الدكتور الألماني، وقاموا بمسح قرية القناطر، وخلصوا إلى إعداد كتاب يشمل مخططًا للمباني ومكوّناتها، ويتناول النوافذ والأبواب التي استُجلبت من زنجبار. ولدي نسخة من هذا الكتاب، حيث ساهمت أنا والأخ عبد الله بن أحمد العرفي في الإدلاء بالمعلومات المتعلقة بالموضوعية ومبانيها.

         ومن هنا، لا يقتصر تاريخ سيح العافية ولا ينبغي أن تسجل البيانات أو يصور ما هو موجود منها، بل يجب أن يتجاوز ذلك الإنسان الذي عاش فيها، وسيرته، ومصادر رزقه، ورحلاته، وهجرته، وعلاقاته الاجتماعية والتجارية، وما تركه من مساهمات في قريته والمجتمعات التي عاش فيها. وهذا هو الذي بنى فيه تاريخ سيح العافية، ذاكرةً حيّةً للأجيال القادمة....وهنا تكمن أهمية تأسيس مجلس قرية سيح العافية للمكوّنات التاريخية والتراثية. ولعلي وفقت في اختيار الأعضاء الذين سيتولون مهمة تأسيس هذا المجلس، ولكن هذا لا يكفي في نظري، ما لم يكن هناك اهتمام شخصي من كل عضو منهم، وأن يبادروا دون انتظار الآخرين.

      ولا شك أن هؤلاء الأعضاء سيواجهون تحديًا كبيرًا في مهمتهم، وسيواجهون تحديات من المحبطين ومن «صيّادي الأخطاء»، ولكن عليهم أن يتبعوا أسلوب «الضفدع الأصم» لبلوغ المراد المرجو منهم، حيث لا جدوى من التذمر ممن يستصعبون الأمور ويستبعدون تحقيقها.

      «المشوار يبدأ بخطوة»، على مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر. وعلى كل حال، هناك كوكبة صغيرة متحمسة ومتعلمة، ولا شك أن هذه الكوكبة هي التي سترفع من معنويات هؤلاء الأعضاء. وعلى هؤلاء الأعضاء أن يستغلوا كل بصيص أمل، وأن تكون هناك مبادرات شخصية؛ لتكون هي القوة الدافعة للمضي قدمًا بهذا المشروع.

      وهذا لا يتأتى إلا بتفهّمهم للمشروع وأهدافه، وقد يحتاجون إلى عقد ندوات ومحاضرات يعرّفون فيها العامة بأهمية المشروع، بما أن هذا المشروع سوف يحتاج إلى مشاركتهم وتعاونهم.

      وأيضًا، يجب الاهتمام بالجانب الحكومي كثيرًا، والاستفادة من كبار الموظفين الذين تقاعدوا من الحكومة، للتواصل مع زملائهم من كبار المسؤولين والشخصيات، بما يسهم في تحقيق أهداف المشروع ودعم مسيرته.

      ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك