-
-
بيت القابولي.. ذاكرة المكان وشاهد الزمان - ٤١١
بقلم/ يعقوب بن يوسف بن سعيد السناوي الحارثي
في قرية سيح العافية، حيث تختزن الأزقة القديمة حكايات الآباء والأجداد، وحيث تتجاور البيوت والدروازة والأفلاج والوادي، لتشكل في مجموعها لوحةً من ذاكرة المكان، تظل بعض الشواهد صامدةً في وجه الزمن، تحفظ للقرية شيئًا من تاريخها الاجتماعي، وتروي للأجيال القادمة كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانوا يجتمعون، وكيف كانت المناسبات تصنع بينهم جسور المحبة والتواصل.
ومن بين تلك الشواهد يبرز بيت القابولي؛ ذلك البيت الذي ارتبط اسمه بعادة عريقة في صباح العيد، حين كان أهل الحارة يجتمعون على وجبة القابولي، في مشهد لم يكن الطعام فيه سوى جزء من حكاية أكبر؛ حكاية الكرم، والتكافل، وصلة الرحم، واحترام كبار السن، وفرحة الأطفال بالعيدية.
لم يكن بيت القابولي بيتًا يُصنع فيه الطعام فحسب، وإنما كان بيتًا تُصنع فيه ذكريات العيد.
من أين بدأت حكاية القابولي؟
يقصد ببيت القابولي في أصله البيت الذي تُصنع فيه وجبة القابولي صبيحة يوم العيد، حيث يتجمع أهالي القرية لتناولها صباحًا قبل الذهاب إلى مصلى العيد.
وتعود بداية هذه العادة، بحسب ما توارثه أهل القرية، إلى الشيخ مسلم بن خميس بن سالم بن خميس السناوي، الذي كان أول من سنّ هذه العادة، وهو كذلك أول من بنى السبلة الحدرية في القرية، وأقام لها برجًا مماثلًا من جهتها الشرقية، ثم أوقفها لتكون سبلةً جامعةً لأهل الحارة.
وكانت وجبة القابولي آنذاك تتكون من الأرز واللحم، وتضاف إليها بعض البهارات، وكانت في ذلك الزمن من الأطعمة التي ترتبط غالبًا بالأغنياء وميسوري الحال؛ ولذلك اكتسب تقديمها في صباح العيد معنى خاصًا، إذ كانت صورةً من صور الكرم وإكرام أهل الحارة وإشاعة الفرح بينهم.
وفي صباح العيد، كان الرجال يتجمعون في سبلة الحارة، وتُغرف الوجبة في الصحون، فيتناولها المجتمعون قبل توجههم إلى مصلى العيد.
أما الأطفال، فكان لهم موعد آخر مع الفرح؛ إذ كانوا يقفون خارج السبلة بمحاذاة الجدار، ينتظرون العيدية، في مشهد ظل عالقًا في ذاكرة أجيال متعاقبة.
من مسلم إلى علي.. وقف يحفظ العادة
بعد وفاة الشيخ مسلم بن خميس، انتقلت هذه العادة إلى ولده علي بن مسلم السناوي، الذي أوقف قطعة زراعية لبيت القابولي من سقي فلج الصغير، وكانت غلة النخيل تُباع، ويُشترى بثمنها ما تحتاج إليه وجبة القابولي من لحم وأرز وغيرهما.
وهنا أخذت العادة بُعدًا أعمق؛ فلم تعد مجرد مبادرة فردية، بل أصبحت مرتبطةً بالوقف، وباستمرار الخير من غلة الأرض، وهو ما يعكس جانبًا من ثقافة الوقف الأهلي والتكافل الاجتماعي التي عرفها المجتمع العُماني.
ثم انتقلت العادة إلى ابنه سالم بن علي السناوي، ثم إلى أخيه راشد بن علي السناوي، حتى وصلت إلى محمد بن راشد السناوي.
محمد بن راشد.. حين اتسعت المائدة
في عهد الشيخ محمد بن راشد السناوي شهدت هذه العادة مرحلة مهمة من التطور والاتساع؛ فقد زيدت كميات الطعام، ولم تعد الوجبة مقتصرةً على من يحضر إلى مكان التجمع، بل أضيف إليها توزيع القابولي على المنازل.
كما تم شراء أوانٍ ومراجل كبيرة خصيصًا لهذه المناسبة، وكان من أبرز ما بقي شاهدًا على تلك المرحلة مرجلان كبيران من النحاس؛ أحدهما لطبخ القابولي، والآخر لطبخ اللحم، ولكل منهما مغراف كبير من النحاس.
ولا يزال هذان المرجلان باقيين إلى عهدنا الحالي، يحملان في صمتهما ذاكرة تلك الأيام، ويشهدان على عادة عاشت أجيالًا طويلة.
من السبلة إلى بيت القابولي
بعد وفاة الشيخ محمد بن راشد السناوي، وبأنه لم يترك عقبًا من الذكور، انتقلت هذه العادة إلى أبناء عمه خالد بن سعيد بن سيف بن حسن السناوي، الذين نقلوها إلى المنزل المعروف اليوم باسم بيت القابولي، وأوقفوا البيت لذريته الذكور من بعده.
واستمر أبناؤه من بعده، علي بن خالد وسيف بن خالد، في المحافظة على هذه العادة، حتى أصبح البيت مرتبطًا في ذاكرة أهل القرية بوجبة القابولي وصباح العيد.
ومن هنا أخذ اسم بيت القابولي دلالته التي بقيت حاضرةً في ذاكرة أهل سيح العافية.
ثلاثة شواهد.. وقصة واحدة
يقع بيت القابولي في شكله الحالي في الجانب الغربي من الحارة، ويقابله بيت الأسطاح المشهور، وتتوسطهما الدروازة العلوية.
ثلاثة شواهد متجاورة، لكل واحد منها حكايته، لكنها حين تجتمع تحكي أروع قصة نسجتها ذاكرة قرية سيح العافية.
فالبيت، والدروازة، وبيت الأسطاح، ليست مجرد مبانٍ قديمة تتجاور في المكان، وإنما هي صفحات من تاريخ الحارة، تختزن في جدرانها وأبوابها وممراتها وجوهًا وأسماءً وأحداثًا مرت بها أجيال من أبناء القرية.
ويحد بيت القابولي من جهة الغرب الوادي؛ وكما كان البيت يستقبل الناس صبيحة العيد، كانت إطلالته تستقبل الخصب والمطر، حتى يجري الوادي وتخضر الأرض، فيلتقي في هذا المكان عيد الإنسان بفرحة الأرض، ويلتقي اجتماع الناس بجمال الطبيعة.
ومن جهة أخرى، يوجد درج يتصل بمصلى خاص ببنات الشيخ محمد بن راشد السناوي، حيث كن ينزلن عبره إلى المصلى.
وفي هذا الموضع تمر ساقية فلج مجين، ولا تزال أطلال ذلك المصلى باقية، شاهدةً على عبق الماضي، وعلى زمن كانت فيه تفاصيل الحياة موزعةً بين البيت والمصلى والساقية والسبلة والوادي.
وهكذا لا يقف بيت القابولي منفردًا في المشهد؛ بل تحيط به مجموعة من الشواهد التي تمنحه قيمته التاريخية، فتتداخل العمارة مع الطبيعة، والماء مع الأرض، والبيت مع السبلة، لتتشكل أمامنا صورة متكاملة من صور الحياة القديمة في سيح العافية.
صباح العيد.. حين كانت الحارة تستيقظ على المحبة
كانت مراسم إعداد وجبة القابولي تبدأ منذ الإعلان عن هلال العيد.
فبعد صلاة المغرب، يحضر العمال، وتُذبح الذبائح المخصصة، ويتعاون الجميع في تقطيع اللحم وإعداد المعاصيب، ثم تبدأ عملية الطبخ، التي تمتد طوال الليل حتى فجر يوم العيد.
وفي تلك الساعات، بينما تستعد القرية لصباح العيد، يكون بيت القابولي حيًا بالحركة؛ نار تحت المراجل، وأيدٍ تتعاون، ولحم يُعد، وأرز يُجهز، حتى تخرج الوجبة مع بزوغ الفجر في أبهى صورة.
وكان وليد، الذي كان يخدم الشيخ محمد بن راشد، هو من يقوم بطبخ القابولي، قبل انتقال بيت القابولي من البيت الشرقي إلى بيت خالد بن سعيد، يساعده الشايب خصيب. ومع مرور الوقت وانتقال بيت القابولي، كان شخبوط ومبارك، وكذلك رجب البلوشي وعبدالله النهاش وسيف بن حنتور وغيرهم من الرجال، الذين شاركوا في هذه المهمة.
ومن النساء اللاتي لهن بصمة في تجهيز قابولي العيد سعدة بنت فيروز، ذات القامة الطويلة واليد السمراء الدقيقة، حيث تقيس الماء والأرز وكمية اللحم. كانت كثيرة العمل، قليلة الكلام.
وكذلك سعدة بنت مسلم، حيث تكون أول القادمات إلى بيت القابولي. وبينما ينهمك الجميع في إعداد الطعام، كانت سعدة بنت مسلم تجمع الحطب وتقيس النار تحت المراجل، وكانت حكاياتها الجميلة تشجع الجميع على العمل.
هكذا كان بيت القابولي ليلة العيد خلية عمل وفرحة أسرة.
وفي صبيحة العيد، حيث يتجمع الأهالي، ويتصافحون، ويتبادلون التهاني، ثم يجلسون لتناول الوجبة في بيت خالد بن سعيد، بيت القابولي الغربي.
كانت القرية صغيرة، وأعداد الناس تُعد على الأصابع، وأغلب الأسر سافرت إلى شرق أفريقيا. كان الطعام يجمعهم، والمصافحة تصل بينهم، والعيد يفتح أبوابه للقاء.
ومع توسع القرية وعودة أهلها من أفريقيا، انتقل تناول وجبة القابولي إلى سبلة الحارة.
صحن الرأس.. ومكانة كبار السن
ومما علق بالذاكرة من تلك الأيام أن صحن القابولي الذي يوضع فيه رأس الذبيحة كان يُخصص لكبار السن ووجهاء القرية.
وكان رجب البلوشي يأتي بهذا الصحن الفخم، المختلف عن بقية الصحون، والممتلئ باللحم والرأس والتقشيد والمعاصيب، ويضعه أمام الوالد عامر بن حمد بن عامر بن حمد بن مسلم السناوي، الذي آلت إليه مشيخة السناوين.
وكان في هذا التقليد معنى يتجاوز الطعام نفسه؛ فقد كان يعبر عن مكانة كبار السن ووجهاء القرية، وعن احترام المجتمع لهم وتقديره لمقامهم.
وعندما كان الوالد عامر يسافر إلى أفريقيا، كان هذا الصحن يوضع أمام علي بن خالد وبقية كبار السن، لتستمر العادة ويبقى التقدير محفوظًا لأهل المكان ومكانتهم.
حتى الصحون نفسها كانت تحمل هوية البيت؛ فقد كانت صحون بيت القابولي تحمل في أسفلها علامة «ب ق»، وهي ترمز إلى بيت القابولي.
علامة صغيرة في ظاهرها، لكنها اليوم ذات قيمة كبيرة في الذاكرة؛ لأنها توثق انتماء هذه الأواني إلى البيت وإلى هذه العادة العريقة.
أطفال الحارة.. صف من الفرح
ومن أجمل المشاهد التي بقيت في الذاكرة مشهد الأطفال في صباح العيد.
كان أطفال الحارة من مختلف البيوت يتوافدون إلى بيت القابولي، ويصطفون للعيدية على طول السكة، من الدروازة العلوية إلى السبلة الحدرية القديمة.
ويقول أحد أبناء تلك الأجيال، مستعيدًا أيام صباه:
كانت العادة أن تخرج عائلة سيف بن مسلم، يتقدمهم الوالد سيف بن سعيد بن سيف وأخوه يوسف بن سعيد، إلى مكان تجمع أولاد حمود بن سلوم عند بيت الأسطاح، ويلحق بهم أولاد سنيدي الرشاشدة وأولاد سليمان بن سالم الحبسي، ثم يخرجون جميعًا في صف واحد، الكبير يتقدم الصغير، متجهين إلى بيت القابولي.
وفي تلك اللحظات يتم رمي المدفع عند بيت الأسطاح، وهناك تلتقي جميع العائلات والأسر، أولاد حمود بن جندب وعيال غريب وأولاد رشود بن جندوب وغيرهم.
كان مشهدًا تختلط فيه أصوات الأطفال بتهاني العيد، وتلتقي فيه البيوت بعضها ببعض، وتتحول السكة إلى ممر طويل من الفرح.
بيت من الجص والحجارة.. وذاكرة النساء
أما بيت القابولي نفسه، فهو منزل قديم من الجص والحجارة، يتكون من دهريز له ثلاثة عقود، وغرفتين من الجص.
وكانت الغرفة الغربية تطل بشرفتها التاريخية على الوادي، وفيها كانت تجلس صبيحة العيد كبيرات نساء القرية؛ نساء كنّ بقايا تاريخ وعبق زمان، لكل واحدة منهن مكانتها وشخصيتها وحكايتها.
في هذه الغرفة كانت تجلس زيانة بنت محمد بن راشد السناوية، ذات القامة الممشوقة والحشمة المهيبة، ونعمة بنت محمد السناوية، التي كانت شبيهةً بأبيها الشيخ محمد بن راشد السناوي.
وكان المرحوم الشيخ علي بن خالد يقول:
«من لم يشاهد محمد بن راشد فلينظر إلى نعمة بنت محمد».
أما الوالدة رحمة بنت محمد السناوية، فكانت تجلس صبيحة يوم العيد عند العقد الأوسط للبيت، تستقبل الناس وترحب بهم.
وكانت تلبس النظارة التي زادتها بهاءً إلى بهائها، ووقارًا إلى وقارها.
وكانت بنات محمد بن راشد يصافحن يوم العيد من وراء حجاب من الثوب، في صورة تجمع بين فرحة اللقاء وما كان عليه المجتمع من الحشمة والوقار.
ومن الوجوه التي بقيت حاضرةً في ذاكرة بيت القابولي الوالدة عزيزة بنت حمد، زوجة سيف بن خالد.
كانت فارعة الطول، لبقة في الكلام، فصيحة اللسان، قوية الشخصية، ذات حضور وهيبة.
ولا غريب أنها كانت ربيبة بيت المجد والعزة والسؤدد؛ فهذه الصفات لا تظهر في هيئة الإنسان وحدها، وإنما تبدو في منطقه، وحواره، ومجلسه، وطريقة تعامله مع الناس.
وكان وجودها في بيت القابولي صبيحة العيد جزءًا من ذلك المشهد الذي جمع كبيرات نساء القرية؛ نساءً يحملن في وجوههن ملامح زمن جميل، وفي ذاكرتهن حكايات مجتمع كان يعرف للكبير قدره، وللضيف إكرامه، وللمناسبة حرمتها وفرحتها.
الجدات.. بقايا تاريخ وعبق زمان
وفي الجانب الشرقي من الدهريز، كانت تجلس الجدات، ومنهن عينا بنت عامر بن حمد السناوية، زوجة سليمان بن محمد بن سيف السناوي، وريا بنت هلال بن أحمد بن سيف السناوية، زوجة عبدالله بن سليمان، والوالدة خديجة بنت حميد بن سالم السناوية.
كانت تلك المجالس صورةً من صور الحياة الاجتماعية القديمة؛ نساء كبيرات يجلسن في وقار، يستقبلن المهنئات، ويتبادلن الحديث، فيما يمر الأطفال والرجال في أرجاء المكان.
واليوم، حين يستعيد أبناء تلك الأجيال تلك المشاهد، لا يستعيدون مجرد أسماء، وإنما يستعيدون وجوهًا وأصواتًا وملامح كانت جزءًا من نسيج الحارة.
عزاء بنت علي.. بقية عرب
هكذا كانت تتمتم الألسن: عزاء بنت علي بن خالد السناوية لم تكن كبقية النساء؛ لقد ورثت المجد كابرًا عن كابر، وظلت محافظةً على هذه العادة حتى وفاتها المنية، وكانت تعيش الاستعداد لهذه المناسبة كما عاشها آباؤها وأجدادها.
أجيال ما زالت تذكر بيت القابولي
لقد عاش هذه العادة وتناقل ذكرياتها أبناء أجيال الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات.
وكان بيت القابولي واحدًا من الأماكن التي ارتبط بها صباح العيد في ذاكرة أهل الحارة؛ فالجميع يعرف الطريق إليه، ويعرف أين تقف النساء، وأين يجتمع الرجال، وأين يصطف الأطفال، وأين تُطبخ الوجبة، وأين توضع المراجل.
وكانت هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت في مجموعها ذاكرة كبيرة.
فالذاكرة لا تحفظ الأحداث العظيمة وحدها؛ بل تحفظ أيضًا طريقًا إلى بيت، ودروازة، وصحنًا، ومرجلًا نحاسيًا، وامرأةً تستقبل الناس، وطفلًا ينتظر العيدية، ورائحة لحم وأرز تفوح في صباح العيد.
القابولي.. أكثر من وجبة
ومع مرور الزمن، أصبح القابولي أكبر من مجرد وجبة من الأرز واللحم.
لقد أصبح موعدًا اجتماعيًا، ومجلسًا تلتقي فيه الأجيال، ومظهرًا من مظاهر الكرم، وصورةً من صور الوقف والتكافل، ومكانًا تحفظ فيه ذاكرة القرية تفاصيلها.
كان القابولي يجمع أهل الحارة على مائدة واحدة، ثم يفرقهم إلى بيوتهم وقد حمل كل واحد منهم نصيبه من الطعام، ونصيبه كذلك من التهاني والذكريات.
وهنا تكمن قيمة هذه العادة؛ فهي لم تكن تطعم الناس فحسب، بل كانت تجمعهم.
إن البيوت القديمة لا تحفظ التاريخ بجدرانها وحدها، وإنما تحفظه بما ارتبط بها من قصص وعادات وأسماء ووجوه، وبيت القابولي واحد من هذه البيوت التي اختزنت في أرجائها ذاكرة اجتماعية تقدر بثمن.
فعقوده الثلاثة، وغرفه القديمة، وشرفته المطلة على الوادي، والدرج المتصل بالمصلى، وساقية فلج مجين، والمراجل النحاسية، والصحون التي تحمل علامة «ب ق»، كلها ليست مجرد تفاصيل مادية؛ إنها مفردات من حكاية أكبر.
حكاية مجتمع كان يرى في العيد فرصةً للقاء، وفي الطعام وسيلةً للمحبة، وفي الوقف سبيلًا لاستمرار الخير، وفي كبار السن عنوانًا للحكمة والمكانة، وفي الأطفال عنوانًا للفرح.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق قصة بيت القابولي؛ لأن توثيق مثل هذه الأماكن ليس توثيقًا لحجارة وطين، وإنما هو توثيق للإنسان الذي عاش فيها، وللعادات التي مارسها، وللقيم التي حملها من جيل إلى جيل.
خاتمة.. حين يسكن التاريخ البيوت
قد تتغير البيوت، وقد تتبدل الطرق، وقد تنحسر بعض العادات أمام سرعة الحياة الحديثة، لكن ذاكرة المكان لا تموت ما دام هناك من يتذكر ويحكي ويوثق.
وبيت القابولي واحد من تلك الأماكن التي لا ينبغي أن تُقرأ جدرانها بوصفها آثارًا صامتة، بل ينبغي أن تُقرأ باعتبارها صفحات من تاريخ سيح العافية.
فهنا اجتمع الناس صباح العيد، وهنا صُنعت وجبة القابولي، وهنا جلست الجدات، وهنا اصطف الأطفال للعيدية، وهنا حملت الصحون الطعام إلى السبلة، وهنا بقيت المراجل النحاسية شاهدةً على ليلة طويلة من العمل.
وهنا أيضًا كان الوادي والدروازة وبيت الأسطاح والمصلى والساقية تصنع معًا مشهدًا لا يتكرر.
بيت القابولي.. لم يكن بيتًا يُصنع فيه الطعام فحسب، بل كان بيتًا تُصنع فيه ذكريات العيد، وتلتقي فيه القلوب، وتتوارث عند عتبته الأجيال معنى الكرم والمحبة والتواصل.
فبعض البيوت تسكنها الأجيال، وبعض البيوت تسكنها الذاكرة؛ أما بيت القابولي، فقد سكنه التاريخ.
٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








