1. ذكريات -4 د

      الحياة في إبراء -4

      منهج التعليم وظروف المعيشة -3

      قراءة القرآن في الصباح من الأساسيات عندنا، ومن الواجب الحرص عليهالأننا نستبشر الخير بقراءة القرآن ونسأل الله أن يبسط لنا الرزق ليومنا الذي نعيش فيه، وأذكر كان إمام المسجد يحتجزنا بعد صلاة الفجر لتلاوة القرآن حتى طلوع الشمس وهو الوقت الذي ينتشر فيه الناس لأعمالهم والتلاميذ إلى مدارسهم بعد تناول وجبة الإفطار من السح والقهوة والجمبة أواليمبة (اللبن كما نسميه الآن)، حيث إن أهل المنطقة الشرقية ينطقون حرف الجيم ياءً.

      لم نكن نعرف "النقانق وجبن الكرافت".البيض كان يطبخ مع المرق عندما لا يتوفر حلاً غيره للغداء (أي الحلال من اللحم والطيور، أو ربما يقصد اللحم الذي يحلي المرق وتنطق في هذه الحالة "حلى").

       

      وعندما يأتي فصل الصيف يجد الشباب الفرصة من أجل كسب المال بالاعتماد على الذات، أنه من العيب أن يسأل الولد أباه عن مال حتى لو كان يقضي معظم الوقت العمل في مزرعة أبيه، وحق الأب على الابن تهذيبه وتأديبه وتعليمه وتسليبه (يشتري له السلب الخنجر والتفق) وتعليمه المهن ثم تزويجه وبعدها يتقاعد الأب عن العملليتفرغ لخدمة المجتمع ويسلم الأب الدفة لولده لقيادة الأسرة إلى بر الأمان.

       

      ومن أساليب التهذيب أن يرافق الابن الأبفي زيارة الرحم الذي يحرص عليه كل عماني لأن صلة الرحم من الدين، حيث وردت في كثير من الآيات في سور القرآن الكريم:( في سورة النساء وتكررت في سورة محمد) وهناك أحاديث كثيرة تحث على صلة الرحم وبر الوالدين، إنهما وجهان لعملة واحدة. قرأت في أحد الكتب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من أحب أن يبسط الله له في رزقه وأن يمد الله في أجله فليبر والديه وليصل رحمه).

       

      ويرافق الابن أباه أيضاً مع الجماعة لتأدية واجب العزاء أو حضور ملكة (عقد قران) داخل الحارة أو خارجها، وعلى الابن أن يتعلم في تلك الحضرة "البرتوكول"بمراقبة كل حركة يشاهدها أثناء الزيارة من استقبال وضيافة وكيفية المناشدة عن العلوم والخبر وأدب الجلوس وأدب محادثة الناس؛ لأن خطأ الابن يحتسب على الأب في تربيته لولده، بل يشمل جماعته أيضاً إذا كان الخطأ كبيراً، لأنه في النهاية ينتسب إلى قبيلة الجماعة ويحمل اسمها.

       

      وكنا ننادي كل من يكبرنا سنا "عمي"، وعندما نصادف أي فرد في الأزقة نلقي عليه السلام، بتحية الإسلام تماماً كما يفعله أخواننا البنجاليون الآن، وإذا صادفنا قدوم ضيف إلى الحارة بمطيته، فأول ما نفعله نرشده إلى المناخ في سبلة القرية ثم نقوم بواجب الضيافة الطارئة له ولمطيته، كتقديم ماء الشربوالتمر والقهوة له، بعدها نبلغ مضيفه بوصول ضيفه، وعلى الضيف أن يتقبل منا ذلك مهما كان صغر سننا، حيث إكرام الضيف من تعاليم الإسلام، ويحضرني في هذه المناسبة حديث قرأتهمنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت).

       

      هكذا... وفي ثلاثة الأيام الأولى من الزيارة يستضاف الضيف لوجبات الطعام الثلاث: (الفطور والغداء والعشاء) من قبل أهل الحارة، وأحيانا حتى رحيله، وطبعاً اغتساله يكون من الفلج والصلاة مع الجماعة في المسجد، والنوم داخل السبلة في فصل الشتاء أوفي مبرزها في فصل الصيف أو في الوادي إذا شاء، "ما في مشكل". هكذا كانت الحياة سهلة وبسيطة.

       

      وعندما يستضاف الضيف لوجبة الغداء على سبيل المثال يقدم له ما تيسر من طعام دون تكليف بسبب ظروف المعيشة، وعادة ما يتوفر في البيت السمك المجفف "العوال" أو السمك المملح (المالح) ربما من سمك التونة (السهوة)، أو الكنعد، أو لحم الطيور من دواجن البيت، وأحياناً لحم مملح من باقي لحم العيد كالمظبي والقلية، أوحتى الشواء بعد تجفيفه، والعمانيون بارعون في طرق حفظ الطعام لعدم توفر الكهرباء.

       

      الوجبة تتكون من الأرز ومرق اللحم في فصل الشتاء، أو من الأرز والسمك بعصارة الليمون والبصل (معصورة)، وفي عصر آبائنا لم يكن يتوفر الأرز، فكان أكلهم من خبز الشعير أو القمح.

       

      يترك الضيف في دهريز البيت يأكل وحده دون أن يشاركه أحد حتى يأخذ راحته فيالأكل، ولكن على الضيف كذلك ألّا يبالغ في الأكل عليه أن يترك لأصحاب البيت، وعندما ينتهي من الأكل عليه أن يرفع صوته بالشكر والدعاء معلناً الانتهاء ليأتيه صاحب البيت. ولكن الوضع يختلف عندما يكون الضيف من الأقارب، فإنه صاحب البيتيشاركه مع أولاده دون النساء.

       

      1. عبد الله السناوي - شارك