1. لقاء عابر في مطع -٤٠٤

      في ضحى يوم مشمس، والجو معتدل، جلست على شرفة أحد المطاعم، في الزاوية اليسرى، على طاولة من خشب البامبو ذات سطح زجاجي، تحيط بها عدة كراسٍ مصنوعة أيضًا من خشب البامبو. جلست مسترخيًا، لاطلب كأسًا من عصير البرتقال أو الكوكتيل، وبينما كنت في انتظار النادلة، أخذت أحدّق في طيور البجع التي كانت تسبح بهدوء على سطح البحيرة.

      وإذا بالنادلة تقف في الجهة الشمالية، منتظرةً أن آخذ طلبي، بينما كنت ما أزال أتأمل طيور البجع وهي تسبح في تلك البحيرة التي أمامي، مشكلةً منظرًا خياليًا يبعث في النفس الأمل والسرور، ويدعو إلى التأمل في الطبيعة الخضراء على ضفاف البحيرة، وخلفها بعض الأشجار ذات الأغصان المتشابكة.

      كنت غير منتبه لما حولي، شاردًا في خيالي، وإذا بالنادلة الشابة، القادمة من إحدى بلدان البحر المتوسط، تقف على يساري، تحمل قلمًا ودفترًا، وتسألني بعد أن وضعت قائمة الطعام أمامي:

      — كيف أستطيع أن أخدمك، سيدي؟

          نظرت إليها منبهرًا بجمالها. يبدو أنها امرأة ناضجة، في حدود الأربعين من عمرها. وما إن التقت عيناي بعينيها المكحولتين حتى خجلت، فخفضت بصرها وهي تنظر إلى دفترها.

      قلت لها:

      — أريد عصير برتقال، من دون سكر، من فضلك، مع وجبة خفيفة من الهامبرغر.

      قالت:

      — حاضر، سيدي. كيف تريد البرغر؟

      قلت:

      — مستويًا، يعني «ويل دون».

      أجابت:

      — حاضر، خلال ثوانٍ سيكون جاهزًا.

      وما إن أدبرت حتى التفتُّ لأرى أناقة لباسها؛ قميص أبيض فوق تنورة سوداء طويلة تصل إلى القدمين، وحذاء أسود متناسق مع لباسها، وشعر طويل يتدلى على ظهرها، وقد صُفّف بعناية.

      ولم أدرك كم من الوقت مضى حتى أحضرت الطعام. تناولت وجبتي بهدوء، ومن دون استعجال، وكنت أشعر بأن هناك من يقف خلفي ويراقبني.

      وعندما انتهيت من طعامي، طلبت الحساب لأدفع بالبطاقة. أتت بجهاز الدفع، وقالت:

      — هكذا بسرعة؟  

      فقلت لها:

      — خلاص، أنا زبونكم الدائم.

      فردت بابتسامة:

      — هذا تشريف لنا.....عندما هممت بالخروج، أحسست بأن هناك شخصًا يمشي خلفي. وعند المخرج، التفتُّ إلى الخلف، فوجدتها هي تمشي خلفي، وترافقني إلى باب مخرج المطعم. أومأت برأسها باستحياء، وقالت: «مع السلامة، أتوجد سيارة لتأخذك؟»

      فقلت لها: «نعم، لقد طلبت سيارة أجرة.»

      وكانت نظراتها تلاحقني إلى أن ركبت سيارة الأجرة، ثم رفعت يدي اليمنى لأودعها، فردّت هي بالمثل، ثم خفضت رأسها باستحياء. وفي تلك اللحظة، أحسست بأن هناك شيئًا ما بيننا.

      وفي الطريق، شعرت بأنني تركت شيئًا في ذلك المطعم، وأنه لا بد لي من العودة إليه. ومن نظراتها أيضًا، أحسست بأنها كانت تتساءل في نفسها: متى سيعود مرة أخرى إلى المطعم لتراني ثانية؟ وكان هذا شعورًا متبادلًا بيننا، فلم تغب عن بالي، وبدأت أهيئ الفرصة للذهاب إلى المطعم واللقاء بها.

        وبعد أسبوع، ذهبت فعلًا إلى المطعم. وعندما لم أرها في الاستقبال، شعرت بإحباط شديد، وأخذت ألتفت شمالًا ويمينًا بحثًا عنها، إلى أن جلست في المكان نفسه الذي جلست فيه في المرة الماضية، وكان ذلك متعمدًا حتى لا يتغير النادل الذي كان يخدمني.

      ولم تمضِ لحظات حتى وجدتها خلفي، مبتسمة وسعيدة. فقلت لها: «أنا جئت من أجلك.»

      فقالت: «أنا عارفة بأنك ستأتي.»

      فأمليت عليها طلبي من الطعام، وأعطيتها أيضًا رقم هاتفي. وكالسابق، أنهيت طعامي، ثم رافقتني إلى مخرج المطعم، وودعتني قائلة: «سأتواصل معك على الواتساب.»

      ومن هنا كانت البداية.

      1. عبد الله السناوي - شارك