-
-
سيح العافية: الأسواق والمجالس العامة والأفلاج - ٣٩٨
هناك أيضًا سوق للسناويين يقع غربي الوادي، جنب ضاحية تُعرف بـ«حاجر السوق». وهذه الضاحية إحدى ضواحي الجد حمود بن جندب، ورثها ابنه حمد، والد والدتي، ثم خالي، وابتعتها أنا من ابن خالي. تقع هذه الضاحية أعلى السوق، وتفصلها عنه سكة، وعلى بضع أمتار يوجد مسجد يُعرف بـ«مسجد السلالة»، وما زال قائمًا حتى عهدنا الحاضر، وربما كان تابعًا للسوق الذي سبق ذكره.
يقال إن تأسيس هذا السوق أتى على إثر نزاع نشب بين السناويين والحرث، مما جعلهم يفصلون سوقهم لفترة. وهناك قصة أخرى رويت لي عن هذا السوق، فقد تم تزويج عشرين سناويًا دفعة واحدة بمهر أقل من قرش لكل منهم.
يقال إن جد بنات محمد بن راشد، وجد جدتي أم أبي، وهو أحد وجهاء القبيلة، وجد ما يقارب عشرين شابًا أعزب عاطلين عن العمل، متمددين تحت ظل سدرة السوق، ومنهم من يلعب الحواليس، وهي لعبة تُلعب للتسلية وقت الفراغ، بتحريك أحجار على مجموعة من الحفر الصغيرة تسمى «بيوتًا» على الأرض. وكان هؤلاء الشباب غير مبالين بمسؤولية العمل، وكان ذلك وقت الضحى، بينما كانت توجد في الحارة مجموعة من البنات غير المتزوجات؛ فأمر في الحال بأن يُزوَّج هؤلاء الشباب بأقل ما عندهم، حتى يبث فيهم روح العمل والإحساس بالمسؤولية.
السبل (المجالس العامة)
السبل جمع سبلة، وتُلفظ في العامية بسكون اللام. وبالإضافة إلى سبلة البرج والسبلة الحدرية التي سبق ذكرها، توجد أيضًا سبلة أخرى صغيرة من الطين، على شكل غرفة للسناويين، تقع جنوب مسجد «اللثاب» (مسجد شجرة الصبارة)، بعد مطلع الوادي (مطلاع الصبارة). كان الشياب يستظلون تحتها أو يجلسون داخل السبلة بعد تأدية صلاة الظهر في المسجد في أيام القيظ.
يقضي الشياب وقت فراغهم بعد الظهر في أعمال السعفيات، من سميم وأجربة للتمر وحصر. ومعظم هذه المعالم والحرف اندثرت واختفت من إبراء، وبالذات في حلة سيح العافية؛ رحلت برحيل أصحابها، رحمهم الله.
مطاليع البلاد
«مطاليع» جمع «مطلاع» بالمحلية، وتعني مطالع الوادي إلى الضواحي (منطقة المزارع، وتُعرف بالبلاد). وهناك مطالع أخرى تؤدي إلى البلاد، بالإضافة إلى تلك التي ذكرتها، منها، على سبيل المثال، بعد مطلاع الصبارة: مطلاع ضاحية اللثاب على اليمين، ومطلاع ضاحية الرميلة، ومطلاع ضاحية الحاجر، ومطلاع السوق الذي تقع عليه ضاحية حاجر السوق.
ولهذه المطالع أهمية خاصة عند أهل سيح العافية؛ كونها تؤدي إلى مزارعهم، وعندما يتحدثون عنها فإنهم يتحدثون عنها بحميمية.
أفلاج السفالة
هناك عدد من الأفلاج تجري في قنوات جوفية ضيقة تحت الأرض، تأتي من منابع مختلفة، وتُصنَّف هذه الأفلاج حسب منابعها، على سبيل المثال: غيلية أو عينية. ومن الأفلاج التي أعرفها وتخص السناويين: فلج «الميانين» الذي سبق ذكره، وفلج «الصغير» (بتشديد الياء)، والموازي لفلج «أبو مخرين» (أبو منخرين) التابع لقبيلة الحرث. وكلا الفلجين يسقيان مكانًا واحدًا، ويشتركان في ري ضواحي «البلاد» التابعة لقبائل الحرث من سكان السفالة.
ولقبيلة الغيوث والمطاوقة والعاسرة أفلاجهم الخاصة، مثل فلج «المعترض» لقبيلة الغيوث، وفلج «السراه» للمطاوقة والعاسرة، وفلج «زويد» (بتشديد الياء)، وربما كان لقبيلة المشاهبة. وهناك فلج آخر يسمى «الحلالي»، تشترك فيه معظم قبائل الحرث التي لديها عوابي «القت» بالنجادي.
منابع الأفلاج
لست متأكدًا من منابع الأفلاج التي أعرفها في سفالة إبراء، وأيضًا لا أعرف عددها، ولكن أعرف أن هناك ما يقارب 65 فلجًا، على ما أظن، في إبراء كلها.
ويتهيأ لي أن منبع فلج «الصغير» من قرب قلعة العين، وفلج «أبو مخرين» من المكان الذي نصلي فيه صلاة العيد. وفلج «زويد» له منبعان؛ أحدهما من المكان الذي فيه مساكن الشرطة ومقسم الهاتف بالسفالة، والمنبع الآخر بالقرب من سبلة البراونة، ويسمى «السمام»، وكلا المنبعين يشكلان فلجًا واحدًا يسمى فلج «المعترض».
أما فلج «الميانين»، فمنبعه من قرب المحلات التي تقع جنوب سور المستشفى، غرب دكان حمدون الحبسي. وهذه المحلات وقف تابع للفلج، وتمر قناة الفلج في جوف الأرض في الوادي تحت «سدر راشد»، إلى أن يصل مجرى الفلج أمام مسجد العلوي، ثم إلى الشريعة، مصلى النساء، ومن ثم إلى مسجد الحدري، إلى أن يصل إلى ضواحي «ميانين».
كلمة «ميانين» تعني «مجانين»، حيث إن أهل الشرقية ينطقون حرف الجيم «ياءً». ولهذه التسمية قصة تحدث عنها عمي ناصر بن منصور في مقابلة له مع جريدة عُمان قبل نحو 20 سنة، حيث قال إنه عندما كان الأهالي يشقون الأرض لجر الفلج من منبعه في وسط الصخور، مر عليهم أحد المارة، أو مجموعة من الناس، وسألوا الأهالي عما يعملونه، فقالوا لهم إنهم يشقون مجرى لفلج. فقال هؤلاء المارة: «اسميكم مجانين، أو إنكم مجانين»، أي اتهموهم بالجنون. ولما اكتمل المشروع، أُطلقت التسمية على الفلج وعلى الضواحي التي يرويها.
وقد اشتغلت في صغري كأجير في القناة الجوفية للفلج، وأيضًا في فلج «الصغير». وكنت أنزل أنا والمستخدمون الآخرون إلى العمق تحت الأرض عند «سدر راشد» لتنظيف قناة الفلج من الشوائب التي تعيق مجراه، ويصل العمق في بعض الأماكن إلى أكثر من عشرة أمتار تقريبًا، حتى يكاد الماء يصل إلى مستوى الصدر.
كان عمري في ذلك الوقت ربما لا يتجاوز عشر سنوات، وكنت مضطرًا للعمل باعتباري الولد الأكبر بين إخوتي. أُسندت إليّ مسؤولية الأسرة، وكان عليّ أن أحل محل والدي، إذ لا بد من معيل للأسرة بعد الوالد الذي انقطعت أخباره في حرب ظفار.
وكان مقاولو الفلج يستخدمون الصغار في بعض الأحيان للوصول إلى الأماكن الضيقة في السدود. والسدود جمع «سد»، ويُستخدم هذا المصطلح للتعبير عن القنوات الجوفية التي تجري فيها مياه الفلج تحت الأرض.
كان مقاولو الأفلاج يستخدمون الصغار للوصول إلى الأماكن التي قد لا يصل إليها الإنسان البالغ، وذلك لنحافة أجسامهم. وكان العمل في الأفلاج شاقًا بسبب ما يُرفع من أحجار أو طين من مجرى الفلج، وقد يصل ارتفاع منسوب المياه في هذه القنوات الجوفية إلى مستوى صدر الإنسان في بعض الأماكن. وكان ما يُسحب من طين وحصى يُمرر إلى الأشخاص الذين في خلف القناة، ليرفع بحبل من فتحة القناة إلى الخارج.
وللأفلاج غرضان: لسقي المزروعات وللاغتسال. أما ماء الشرب فيُستخرج من الآبار؛ لأنه أنقى. وتُخصص أماكن للاغتسال في قنوات الأفلاج عندما يمر الفلج على أماكن السكن، قبل أن يصل إلى الضواحي، في قنوات مكشوفة تسمى «السواقي»، ومفردها «ساقية».
وتسمى فتحات الاغتسال في قناة الفلج «بالثقبة» أو «الشريعة» (بكسر الشين)، وتخصص للاغتسال أو الاستحمام. وثقبة الاستحمام عبارة عن حائط صغير على ساقية الفلج، يتكون من أربعة جدران وفتحة دخول، ويُشاد الحائط من الطين أو الأسمنت (الجص)، بارتفاع أقل من مترين، ويُغطى سقفه بسعف النخيل للوقاية من حرارة الشمس.
ويمر الفلج من تحت هذا الحائط عبر فتحتين، مدخل ومخرج، تسمى «سل الفلج» (بفتح السين): فتحة لمدخل الفلج وفتحة لمخرجه، ويجلس المغتسل على الساقية عند الاستحمام أو الاغتسال.
أما «الشريعة»، فهي فتحة مكشوفة على ساقية الفلج، لا يوجد عليها أي مبنى، عدا أرصفة من الجوانب لمنع اندثار التراب على الساقية. ويتوقف طولها حسب عدد المستخدمين، من مترين إلى أربعة أمتار، وتستخدم لغسل الملابس (الثياب)، أو غسل أواني الطعام (الوعيان)، أو لغسل الموتى في بعض الأماكن.
وبالنسبة لفلج الميانين، فهناك موقعان لهذه الفتحات، وتُعرف بثقبة الغافة التي أمام وتحت مسجد العلوي، وثقبة نصير التي أمام الدروازة العلوية، والشريعة، وهي مكان اغتسال النساء جهة الوادي تحت بيت الوالد علي بن خالد، والثقبة الحدرية أمام مسجد الحدري، والشريعة على يمين مسجد الحدري، أمام ضاحية صغيرة تعرف بـ«مال الكفن».
«مال الكفن» قطعة أرض زراعية، «عابية صغيرة»، بها ثلاث نخلات من فصيلة «المدلوكي»، تقع شمال المسجد الحدري. تُقطف في أيام القيظ، وكان ريعها يخصص في السابق لتكفين الموتى، وهي وقف من قبل أحد الوجهاء، جد بنات محمد بن راشد ـ رحمهن الله ـ وهو أيضًا جد أم أبي.
للأسف، قطعة الأرض هذه لم تعد موجودة؛ فقد ضُمّت إلى دورات مياه مسجد الحدري. وقد علمت من الأخ سليمان بن عبد الله أن المرحوم عمي ناصر بن منصور تبرع بقطعة أرض بديلة عنها من ماله، وموقعها في «الميانين» تحت بيته.
مساجد الحارة
لقد ذكرت عددًا من المساجد في الحارة، ثلاثة منها على مداخل الحارة: المسجد العلوي مقابل الدروازة العلوية، والمسجد الحدري الملاصق للدروازة الحدرية، ومسجد رشيد (الغافة) على الدروازة الشرقية.
وهناك مسجدان يقعان على مرتفعات ضواحي «ميانين»، أحد هذين المسجدين يُعرف بمسجد سليمان. وأذكر أنه كان مشيدًا بالحصى والجص، وكان بنفس حجم مساحة مسجد «السلالة».
بعض علماء السناويين المتواضعين
والجدير بالذكر أن مسجد العلوي والمغاسل التي على الفلج، «ثقبة نصير»، قد تكون من أعمال الشيخ صاحب المبنى الذي سبق ذكره، وهو قريب في النسب لأحد أجداد ابن خال والدي، العم المرحوم علي بن خالد. ونعلم أن جد العم علي من كبار علماء السناويين، ويقال إنه مات على ظهر سفينة شراعية عند عودته من إفريقيا، بمرض كان يعاوده في رحلة العودة إلى عُمان. وأبو الوالد علي أيضًا عالم، مات ودُفن في بوجمبورا، عاصمة بوروندي.
وهناك علماء آخرون، أمثال جد سليمان بن عبد الله، عبد الله بن محمد بن سيف، الذي توفي ودُفن في إفريقيا بأوغندا. ومن العلماء أيضًا محمد بن حمود بن سلوم، وهذا الأخير، بالإضافة إلى كونه صاحب علم، كان أيضًا صائغًا مشهورًا للفضيات.
وهناك صائغ آخر للفضيات في الحارة يُدعى جمعة بن راشد، ومن أبنائه الأحياء الوالد علي بن جمعة، وأمه أخت غير شقيقة لجدي حمود بن جندب.
كارية النسيج
وعند ذكر الصناعات، كانت هناك «كارية»، وهي آلة من الخشب تحرك بالقدمين لنسج الوزرة (الأزرة)، تقع مقابل البيت الشرقي، موازية لبيت نصير. في الحقيقة، لا أتذكرها، ولكن كان السور باقيًا إلى ما قبل السبعينيات.
وكلمة «كارية» يبدو أنها عجمية من أصل «كارجا»، مثل كلمة «كرخانة»، أي مكينة. وكنا نعرف هذه الأسماء في السابق، مثل «كرخانة خياطة» و«كرخانة طحن البن».
وهناك كثير من الكلمات التي كنا نستخدمها دون أن ندرك أصلها، مثل «دختر» (doctor)، و«دراول» (driver)، و«ريواس» (reverse)، و«سيدا» بمعنى «على طول»، وهكذا؛ فمنها مصطلحات أوروبية، ومنها عجمية وأفريقية، بحكم تداخل الحضارات.
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








