-
-
السناويون وسيح العافية: التاريخ والهجرة والذكريات – ٣٩٣
١- السناويون جماعة عربية من قبيلة السناوي، وهي إحدى قبائل أو بطون قبيلة الحارث. أصولهم من حضرموت في اليمن، حسب مصادر الباحث الشيخ الدكتور علي بن عبد الله الصعيطري، رئيس المجلس الأعلى للقبائل والأنساب، كما ورد في بعض مصادره اليمنية. وقد انتشرت هذه القبيلة في الجزيرة العربية، في قطر وعُمان ومصر.
ومنها أتوا إلى عُمان، ويُقال إنهم سكنوا سناو، إحدى ولايات محافظة شمال الشرقية، وسُمّيت هذه الولاية بهذا الاسم نسبةً إلى موطنهم «سناء» في حضرموت باليمن. وهم حضارم من الحارث، ينتسبون إلى بني كندة.
وقد سمعت من شيابنا، عندما كنا نتجمع بعد صلاة الظهر في السبلة الحدرية في حقبة الستينيات، أن السناويين كانوا يسكنون بلدة سناو، التي أصبحت ولاية الآن، وكان لهم فلج ماء يشتركون فيه مع قبيلة الصواوفة (الصوافي). إلا أن الفلج اندثر بعد رحيلهم من سناو إلى إبراء، وأقاموا في قرية القناطر، مع بعض قبائل الحارث الأخرى. وبسبب اكتظاظ المباني، انتقلوا إلى السيح، وهي المساحة الواقعة شرقي الوادي الشرقي، والتي سموها «قرية سيح العافية»، نظرًا إلى موقعها الصحي، بعكس موقعهم السابق في القناطر.
ومن ثم شقوا فلج ميانين ليروي مزارعهم في منطقة ميانين، التي تحمل الاسم نفسه، كما أن منطقة مزارع البلاد، المقابلة لسيح العافية، تُروى بواسطة فلج الصغير.
ويُقال إن سبب تسمية الفلج بهذا الاسم «ميانين» أن أصل الاسم «مجانين»، وهي كلمة وصف بها أحد المارة الذين كانوا يحفرون في الصخر لشق الفلج. ومن بعد ذلك سُمّي الفلج بهذا الاسم، باستبدال الجيم بالياء حسب اللهجة الدارجة، ومن ثم سُمّيت المنطقة التي يرويها الفلج بهذا الاسم.
٢- السناويون يُعتبرون عائلة واحدة متقاربة ومتصاهرة، ويسكن أغلبهم في قرية سيح العافية، ولديهم أقارب وأصهار في القرى المجاورة لقرية سيح العافية، وكذلك في الولايات المجاورة لولاية إبراء، وأهمها الدريز بولاية القابل، والفتح والروضة وسمد الشأن بولاية المضيبي.
والسناويون تجار، وهم من أوائل الذين اغتربوا في أربعينيات القرن الماضي إلى شرق أفريقيا، حيث بدأوا تجارتهم من زنجبار، وذلك بالزراعة وبيع منتجاتها في بيمبا وتصديرها إلى عُمان، كالبهارات والقهوة، على سبيل المثال لا الحصر. ومن هناك انتقلوا إلى دار السلام بتنزانيا وتانجا، وعبروا إلى أن وصلوا إلى الكونغو في ذلك الزمان، التي انفصلت لاحقًا إلى ما يُعرف حاليًا بجمهورية الكونغو، ورواندا وبوروندي.
وتمركز جزء منهم في جمهورية بوروندي، وكذلك في جمهورية رواندا، ولكن عددهم كان أقل ممن تمركزوا في جمهورية أوغندا. وتزوج بعضهم من أفريقيات (سواحيليات)، وأنجبوا أبناءً متعلمين، هم الذين ساهموا في نهضة عُمان الحديثة منذ عام 1970 وحتى نهاية التسعينيات، حالهم في ذلك حال بقية العمانيين الذين وُلدوا في أفريقيا. وعندما بدأت أفواج المتعلمين تتخرج في عُمان من مراحل التعليم العام، حلّت هذه الأجيال محلهم.
وقد عاد معظم العمانيين الذين اغتربوا في أربعينيات القرن الماضي إلى عُمان في بداية الستينيات، عندما بدأ الوضع في أفريقيا يتردى بسبب الانقلابات السياسية هناك.
٣- فترة الستينات والسبعينات كانت المرحلة التي عاد فيها العُمانيون من شرق أفريقيا، على إثر تردّي الأوضاع هناك، ولا سيما في زنجبار في منتصف الستينات، وكذلك في رواندا وبروندي والكونغو، عقب استقلالها عن البلجيكيين، وفي أوغندا إثر قيام رئيسها عيدي أمين بطرد الجاليات الآسيوية.
وكان لا بد للعُمانيين، ومن ضمنهم السناويون وبعض قبائل شمال الشرقية، من العودة إلى بلادهم، رغم صعوبة المعيشة في تلك الفترة التي سبقت عام ١٩٧٠. وبدأت الحارات والبيوت تتوسع بالبناء لاستيعاب القادمين، وكانت البيوت تُبنى بالطين، وتُستخدم الحمير في نقل الأتربة والحصى، وكانت أعمال البناء تتم بوسائل بدائية جدًا.
وتوسعت الحارات، ورُممت بيوت الطين التي هُجرت في السابق، وامتدت حارات البيوت؛ فعلى سبيل المثال، امتدت حارة سيح العافية من بيت الوالد سيف بن خالد متجهة شرقا، ومن بيت الوالد ناصر بن عمار متجهة شرقا إلى طوي الساح، التي يوجد بجانبها المسجد الآن. وكان العمل يعتمد على الحمير في النقل، وعلى الأيدي العاملة المحلية العُمانية العاطلة عن العمل في الأعمال اليدوية، إلى أن بدأت البيوت تُشيّد بالإسمنت بعد منتصف السبعينات. والاعتماد على العمالة الوافدة الأسيوية،
ورغم أن البناء في تلك الفترة كان عشوائيًا، نتيجة انعدام التخطيط والتمثيل الإداري للدوائر التي تمثل المؤسسات الحكومية المعنية آنذاك، إلا أن «للضرورة أحكامًا»، كما يقال.
٤- عندما بدأ تأسيس الهيكل الإداري للدولة في السبعينات، وأُنشئت الوزارات والدوائر الحكومية المعنية بالخدمات والتعليم والصحة والدفاع والأمن وغيرها من الخدمات المدنية، بالإضافة إلى شركات النفط وشركات المقاولات المختصة بتشييد الطرق والجسور، وُجدت عمالة محلية جاهزة لتتولى مسؤولية تقديم هذه الخدمات.
وكان للمتعلمين العُمانيين في شرق أفريقيا دور كبير في المساهمة في تسيير هذه الخدمات، بحكم إتقانهم للغات الأجنبية، حيث كان التدريس في بلدان شرق أفريقيا يتم باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. وفي ذلك الوقت، كانت هناك شركات تنفذ أعمال الطرق، منها شركات فرنسية وشركات ألمانية، مثل شركة سترابك، وشركة دوميز وتايلر ودرو، وغيرها من الشركات المختصة في مجال الطرق.
وساهم العُمانيون من مواليد أفريقيا أيضًا في إدارة الأعمال الفنية بوزارة الدفاع، وفي مجال الطيران، وأعمال التمريض والمختبرات، وكان منهم أخصائيون في وزارة الصحة، وكذلك موظفون في مجال البنوك، وفي مختلف المجالات المهنية والفنية التي تتطلب مهارات وإتقانًا للغة الإنجليزية. واستقطبت وزارة الصحة ووزارة الدفاع وشركات البترول عددًا كبيرًا منهم.
ومنهم من كان يمارس العمل الحر في إصلاح المركبات أمام بيته أو في السيوح، حيث كان يقوم بتغيير زيوت السيارات، ويستخدم أغصان شجر السمر لرفع مؤخرة السيارات في الحالات التي تتطلب تفكيكها وإصلاحها.
وعندما بدأ تقنين هذه الأعمال وتخصيص مناطق صناعية لممارستها، بدأ بعض إخوانهم باستجلاب العمالة الآسيوية الوافدة لمنافستهم، مما جعل البعض منهم يهاجر إلى البلدان المجاورة خاصة الامارات العربية المتحدة التي استقطبت الكثير منهم.، هكذا، إلى أن غلبت العمالة الأجنبية على هذه المهن. وكذلك كان الحال في بقية الأعمال، حيث كان من السهل على الجاهل أن يكفل عددًا من العمالة الآسيوية ويُسرّحهم للعمل لحسابه، لينافس إخوانه مقابل عمولة، وهو ما عُرف لاحقًا بالعمالة الوافدة السائبة أو التجارة المستترة، ابتداءً من فترة الثمانينات.
٥- بناءً على ما سبق، لا يعني هذا أن الحكومة كانت مكتفية ذاتيًا بالعمالة الوطنية لسد جميع التخصصات؛ فهناك تخصصات معينة كان يتطلب توفيرها استقدام جاليات من خارج الدولة. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، في مجال التعليم، استُقدِم مدرسون في مختلف المجالات التخصصية، كما استجلبت الدولة جاليات عربية من مصر والسودان وسوريا والعراق وبعض دول المغرب العربي، بالإضافة إلى بعض دول الخليج، وأجانب من الهند وباكستان، لتدريس اللغة الإنجليزية.
واستُقدِم أيضًا أطباء في مختلف التخصصات من الجاليات العربية والأجنبية، وكذلك متخصصون في بعض المجالات الفنية، مثل هندسة الطيران والميكانيكا والبترول والكهرباء والاتصالات، وغيرها من التخصصات التي لم تكن متوفرة لدى العمانيين في ذلك الوقت. وظلت هذه العمالة الوافدة تُستقدم للعمل في القطاع الحكومي إلى أن بدأ إحلالها تدريجيًا، مع بدء جامعة السلطان قابوس في تخريج دفعات من المتخصصين، إلى جانب عودة المبتعثين الذين أتموا دراستهم الجامعية خارج السلطنة.
وقد اهتمت الدولة، بالتوازي مع التعليم الأكاديمي، بالتعليم المهني، وكان للمركز الثقافي البريطاني في السلطنة، خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، دور في تدريس اللغة الإنجليزية للراغبين في الابتعاث للدراسة في الخارج، كما كان يقوم بدور المنسق بين مختلف المعاهد والجامعات، قبل أن تتولى وزارة التربية والتعليم كامل مسؤوليات هذا الجانب.
ولم تفت السناويين هذه الفرص، بل نال بعضهم قسطًا وافيًا من التعليم، سواء الأكاديمي أو المهني؛ فنجد فيهم العميد في الأمن والجيش، ومنهم المهندسون في شتى المجالات، كالكهرباء والاتصالات والكمبيوتر وتقنية المعلومات والزراعة والهندسة المدنية، وفيهم أطباء ذوو مستوى عالٍ من التأهيل، وسفراء، وقضاة، ومدّعون عامون، ومحامون، وأكاديميون، وطيارون، ومهندسو طيران. ومنهم المتقاعد، ومنهم من لا يزال على رأس عمله.
والشيء الجميل في هؤلاء أن بينهم صلات قرابة ورحم تربطهم ببعضهم بعضًا، ولذلك فمن السهل استغلال هذه الخامة البشرية في إعادة إعمار قريتهم وترميم مبانيها الأثرية، إذا توافر التنسيق الجيد وجُمعت هذه الطاقات ووُجّهت نحو هدف مشترك، بدلًا من إهدارها بالإهمال والتهميش.
٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








