-
-
العزلة في خريف العمر...هدوء النفس وحسن العِشرة - ٣٨٩
أود أن أشكر جميع المحبين الذين يتواصلون معي بين فترة وأخرى، ويعاتبونني على عدم اختلاطي بهم، وعدم مشاركتي في مناسباتهم الاجتماعية، وكذلك عدم انضمامي إلى أيٍّ من مجموعاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.
والحقيقة، بكل بساطة، أن الإنسان كلما تقدّم به العمر يميل أكثر إلى العزلة والهدوء، وقد يكون ذلك لأسباب تخصه شخصيًا، أو نتيجة وجود ظروف صحية أو معوقات لا يرغب في إزعاج الآخرين بها.
وعلى كل حال، فأنا من الذين يؤمنون بأنه كلما تقدّم الإنسان في العمر، كان عليه أن يلجأ أكثر إلى الخلوة والهدوء، ومراجعة الذات، والتأمل في مسيرة الحياة، بعيدًا عن كثرة الاختلاط والانشغال بالآخرين.
وكما يقول الشاعر:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِبًا
صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُهُ
فَعِش واحِدًا أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ
مُفارِقُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُهُ
حياتي تغيّرت كثيرًا منذ مدة طويلة، فقد أصبحت أميل إلى العزلة وعدم مخالطة الناس، ولم أعد أسعى إلى تكوين صداقات جديدة أو حتى إلى التعارف مع الآخرين. كل ما أهتم به الآن هو صحتي، إذ انعمت والحمد الله، بعدد من الأمراض المزمنة غير المعدية، التي تحدّ من قدرتي على التنقل، وتجعلني أتجنب مخالطة الناس.
وقد نسيت تقريبًا كل ما يتعلق بالآخرين؛ فلا أساعد أحدًا، ولا أريد من أحد أن يساعدني. كل ما أريده هو تبادل الاحترام، وأن يضمن لي الآخرون حسن العِشرة في هذه الحياة.
مع هذا أنا في الحقيقة، أحترم رأي ووجهة نظر؛ كل من يلدو برأيه، كما أحترم آراء بقية الأصدقاء الذين أعتز بصداقتهم. وعندما أذكر «الانعزالية» في مقالاتي، فلست أعني أن يغلق الإنسان على نفسه في غرفة مظلمة ويحجب نفسه عما حوله، بل أقصد الابتعاد عن الضوضاء، والابتعاد عما قد يسبب له ضيقًا في النفس، ولا يمكنه تغييره أو تصحيحه.
وعلى سبيل المثال، قد يكون ذلك بتجنب بعض المخالطات أو حضور بعض التجمعات، سواء كانت اجتماعية أو أسرية، إذا رأيت فيها مصدرًا للإزعاج، أو وجدت فيها ما لا يعجبك، وهو أمر قد يكون كثيرًا بسبب بعض السلوكيات التي لا تتماشى مع مبادئك، ولا يمكنك تصحيحها.
ومن ذلك، عدم التفريق بين حفلات الصغار وحفلات الكبار، بحيث لا تدري أحيانًا: هل أنت في روضة أطفال أم بين شخصيات من الكبار؟ أو الدخول في نقاشات مع أناس سطحيين، ليس لديهم من الثقافة إلا ما يتداولونه عبر «الواتساب».
فالانعزالية التي أقصدها هي: إذا كان لا بد من مخالطة الناس، فعليك أن تنتقي من تشاركهم، وأن تجعل مخالطتك لهم في أضيق نطاق ولفترة زمنية مناسبة، وليس معنى ذلك أن تحرم نفسك من الاستمتاع بالحياة، كالذهاب إلى شاطئ البحر، أو المتنزهات والحدائق العامة، أو التجول في المولات التجارية، أو تناول الطعام في المطاعم.
لكن ينبغي ألا يكون ذلك على حساب راحتك النفسية، أو أن يكون بدافع المجاملات الاجتماعية. يجب أن تُبقي لنفسك مساحة خاصة تستوحد فيها، ومساحة تبتعد فيها عما لا تحب، ومساحة تمنحك الحرية الشخصية والراحة والهدوء.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








