1. الرزفة العُمانية في زنجبار في الاربعينات من القرن الماضي تراثٌ عبر البحار وذاكرةٌ تتلاشى - ٣٨٧

      هذا النوع من فنون الغناء العُماني يُسمى في محافظة شمال الشرقية الرزحة أو الرزفة، وتختلف تسمياته من منطقة إلى أخرى. ويُطلق عليه بعض الناس أيضًا الشلة أو القطفية، أي الغناء المختصر، لأن كلماته الشعرية تكون قصيرة، وتتكون غالبًا من بيتين من الشعر، وتعبر عن المناسبة الآنية أو الحدث الذي يعيشه المشاركون في تلك اللحظة.

      ويُعد هذا الفن غناءً للممشى، إذ كان يُؤدى عند عودة القوم من الحروب أو من مهمة أو سفر، فيرددون هذا اللون من الغناء. ويُعرف في محافظة شمال الشرقية باسم القطفية، ولا سيما لدى أهالي وادي بني خالد ووادي الطائيين. كما يشتهر به أيضًا أهالي محافظة جنوب الشرقية، في ولايتي جعلان بني بو حسن وجعلان بني بو علي.

      وتكون الكلمات مختصرة، ويقف المؤدون عادة في صفين متقابلين، ويتوسطهم شعراء من الجانبين يرتجلون الأبيات، فترددها صفوف المنشدين. ويظهر المشاركون في الرزفة متوشحين بالخناجر والبنادق، وأمامهم الرازفون بالسلاح الأبيض، حاملين السيوف، وهو ما يُعرف في المنطقة الشرقية باسم السلاح، ويُقصد به السلاح الأبيض.

      وعندما هاجر بعض العُمانيين إلى زنجبار، نقلوا معهم فنونهم وتراثهم وفلكلورهم، ومنها هذا الفن، فكانوا يقيمون عروضه في المناسبات، ويبدو ذلك جليًا في الساحات المقابلة لقصر الشاطئ، المقر الرئيس للحكم آنذاك، وكذلك أمام بيت العجائب.

      ولكن، للأسف، انتهى ذلك كله بعد انتهاء الحكم العُماني في زنجبار. فقد أخذ الطابع العربي يتلاشى تدريجيًا مع تزايد الهجرة من البر التنزاني إلى زنجبار، ولا سيما من غير المسلمين، حتى ازداد عدد السكان القادمين من البر التنزاني إلى نحو ثلاثة أضعاف منذ الإطاحة بالحكم العُماني في 13 يناير 1964م. عندما هاجر العُمانيون إلى شرق أفريقيا في بداية القرن العشرين، أو قبل ذلك بكثير، ولا سيما أولئك الذين استوطنوا بلدان الساحل الأفريقي منذ القرن الثامن الميلادي، ثم لحق بهم غيرهم في فترات لاحقة، كان من أبرز دوافع الهجرة تأزم الأوضاع في عُمان بسبب الجفاف وقلة المياه، مما أضعف الإنتاج الزراعي، إضافة إلى ما صاحب ذلك من حروب، فشجع كثيرًا منهم على الهجرة.

      كما أسهمت الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي كانت تتمتع بها بعض بلدان أفريقيا، ولا سيما بلدان شرق أفريقيا الساحلية والداخلية، في استقطاب العمانيين. ومن هذه البلدان: تنجانيقا سابقًا (تنزانيا حاليًا)، وكينيا، وأوغندا، إضافة إلى الجزر الساحلية مثل زنجبار، وسيشل، وجزر القمر، وأجزاء من الساحل الصومالي، ومدغشقر. أما في الداخل، فقد وصلوا إلى الكونغو، ورواندا، وبوروندي.

      وعندما استقر العمانيون في هذه البلدان، حملوا معهم تراثهم وفنونهم الشعبية، ونشروا ثقافتهم بين المجتمعات التي عاشوا فيها. وكانوا يقيمون الفنون الشعبية وأهازيج الحماسة، مثل الرزحة وغيرها، كما حملوا معهم مأكولاتهم العُمانية التي امتزجت مع المطبخ الهندي والفارسي والأفريقي.

      ومن أشهر الأكلات العُمانية التي انتقلت معهم: الحلوى العُمانية، والعرسية، والهريس، والمثانف، وخبز الرخال الذي يُغمس في مرق القرنفل باللحم أو الدجاج، ومن الأكلات الصيفية المعصورة التي تؤكل مع العوال (السمك المملح)، إلى جانب كثير من الموروثات والعادات التي حافظوا عليها عبر الأجيال.

      ١٧ يوليو ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك