-
-
راشد بن عامر المنجي.. رجل التعليم والعمل وخدمة إبراء - ٣٨٥
توفي مساء اليوم، السبت ١١ من يوليو ٢٠٢٦ الوالد الكريم، راشد بن عامر المنجي، رحمه الله. وقد كان لخبر وفاته وقعٌ أليم وحزنٌ عميق في نفوسنا، لما كانت تربطه بوالدنا أحمد بن صالح السناوي - رحمه الله - من صحبةٍ صادقة ورفقةٍ طيبة، فقد عشنا معه فترةً من الزمن في حقبة الستينيات وبداية السبعينيات، وكان زميلًا لوالدنا طوال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، و التسعينات، ومن أوفى أصدقائه وأكثرهم إخلاصًا.
وإننا إذ نشارك أهله وذويه هذا المصاب الجلل، لا يسعنا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم وذويه الصبر والسلوان.
ويُسرني، نيابةً عن إخوتي وأهلي وجماعتي، وأسرة أحمد بن صالح السناوي، أن أتقدم لأبناءه وإلى جميع أفراد أسرته الكريمة بخالص التعازي وصادق المواساة، سائلين الله أن يعظم أجرهم، ويحسن عزاءهم، ولا يريهم مكروهًا في عزيز.
كان راشد بن عامر المنجي أحد أصدقاء والدي الذين زاملوه في معسكر بيت الفلج خلال حقبة الستينيات. وكنا أنا وأخي علي آنذاك طالبين قدمنا من إبراء، بعد أن تلقينا دراسة القرآن الكريم ومبادئ علم النحو في جامع القناطر بسفالة إبراء، ثم جئنا إلى مطرح لتعلم اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس الخاصة.
وكنا نقيم في معسكر بيت الفلج، حيث رتّب لنا والدنا الإقامة بالتنسيق مع القائد ماجر دينيسون، مؤسس جهاز الأمن الداخلي، الذي أصبح لاحقًا مستشارًا للأمن القومي في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه.
وكان العم راشد يعمل آنذاك سكرتيرًا (منسقًا) في مكتب القائد العام للجيش السلطاني، كورنول ماكسويل، أو ربما البريجادير واترفيل. ومن حبه للعلم وحرصه على تعليم أبناء وطنه، أخذ على عاتقه مبادرة تعليمنا اللغة الإنجليزية مساءً، إلى جانب عدد من الجنود والموظفين المدنيين العاملين في معسكر بيت الفلج.
وكنا، أنا وأخي علي، ندرس صباحًا في إحدى المدارس الخاصة بسوق مطرح، في حلة «منازي موجا»، وكان يشاركنا دروس المساء مع العم راشد العم عبد الله بن صالح الحبسي، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا لجهاز الأمن الداخلي في أواخر عهد جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه.
العم راشد المنجي من مواليد جمهورية أوغندا، وقد نشأ وتعلّم هناك، ونال شهادة كامبردج الجامعية في اللغة الإنجليزية قبل قدومه إلى عُمان.
وفي الفترة التي التحق فيها والدي بالجيش السلطاني، في منتصف الستينيات، برفقة مجموعة من أبناء قرية سيح العافية وسفالة إبراء، كان العم راشد موجودًا في معسكر بيت الفلج. وبعد تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مقاليد الحكم، ومع افتتاح مطار بيت الفلج للطيران المدني في مطلع السبعينيات، انتقل العم راشد للعمل مراقبًا جويًا في سلاح الجو السلطاني، برتبة ضابط. وبعد سنوات قليلة، ويُرجح أنها كانت في أوائل السبعينيات، استقال والتحق بشركة نفط عُمان، حيث عُيّن في إدارة شؤون الموظفين، بحسب بعض المصادر، ثم تولى إدارة العلاقات العامة والعلاقات الاجتماعية، وظل يعمل فيها قرابة ثلاثة عقود قبل أن يستقيل ويتفرغ للعمل الحر.
وفي أواخر الستينيات غادرنا، أنا وأخي علي، بيت الفلج؛ ففي عام ١٩٦٧ انتقلتُ إلى إمارة دبي لمواصلة الدراسة، ثم التحقت مع مجموعة من أبناء إبراء، ومن بينهم أخي علي، للدراسة في مدينة العين بإمارة أبوظبي. وخلال تلك الفترة لم ألتقِ العم راشد إلا نادرًا، إذ كان يزور والدي في دارسيت مساءً، ويقضي معه "الرمسة" (السهرة)، يشكو إليه هموم العمل، ويتبادلان الحديث، كعادتهما، في شؤون السياسة وأحوال البلاد، إذ كان يجمعهما اهتمام مشترك بهذه القضايا.
وبعد استقالته، أو ربما بعد تقاعده من شركة نفط عُمان، أسس شركة متخصصة في تصنيع حنفيات المياه، إلا أن مشروعه لم يحالفه النجاح، إذ واجهت شركته العديد من الصعوبات، من أبرزها المنافسة غير الشريفة، إلى جانب بعض الأنظمة التي لم تكن منصفة، ولم تكن مشجعة للمواطن في ذلك الوقت.
وكان العم راشد يجد في لقاء والدي متنفسًا يفرغ فيه همومه وما يواجهه من تحديات. وعلى الرغم من العثرات التي اعترضت طريقه، فإنه واصل كفاحه، واستمر في إدارة مشروعه الصناعي بعزيمة وإصرار.
وخلال الثمانينيات والتسعينيات توثقت علاقته بوالدي أكثر، فأصبح كثير التردد عليه، يشاركه همومه ويقضي معه أوقاتًا طويلة، حتى إنهما كانا يتشاركان في إعداد طعام الغداء في إبراء عند غياب والدتي في مسقط.
وكان العم راشد رجلًا عصاميًا، غيورًا على وطنه، ولم يكن اهتمامه بالشأن العام نابعًا من اهتمام سياسي فحسب، بل كان أيضًا رجلًا اجتماعيًا يهتم بشؤون جماعته، «المناجة»، ويمثلهم لدى الجهات الحكومية.
وظل على تواصل وثيق مع والدي حتى وفاة والدي عام ٢٠١١، وبعدها انقطعت أخباره. وقد زرته مرة في منزله بالقرم، ولاحظت حينها أن حالته الصحية بدأت تؤثر في نشاطه المعهود، ثم انقطعت أخباره بعد ذلك.
بعد عودتي من دراستي الهندسية في القاهرة عام ١٩٧٥، كان لا يزال يملؤني حماس الشباب. ووجدت أن والدي كان أكثر مني حماسًا للنهوض بولاية إبراء وإبراز مكانتها رياضيًا وثقافيًا.
وخلال فترة عمله في الجيش في السبعينيات، كوّن والدي عددًا من الصداقات الوثيقة، وكان يجتمع مع أصحابه باستمرار للتباحث في شؤون ولاية إبراء. ومن أبرزهم صديقه الحميم راشد بن عامر المنجي.
وقد تشكلت هذه المجموعة في بدايتها بمسقط، وضمت الوالد سعيد بن سالم الغيثي، ومحمد وأحمد ابني سيف بن محمد العيسري، ومحمد بن جمعة العرفي، وأحد أبناء أسرة الخنجري من المضيرب. ثم انضم إليهم لاحقًا في إبراء كل من سيف بن محمد الطوقي، وعبد الله بن سعيد الحارثي، وعبد الله بن صالح اليزيدي، ومحمد بن سالم العيسري الذي عين لاحقا مشرفا من قبل المجموعة لمشروع سوق سفالة أبراء الجديد
وشكلت هذه النخبة فريق عمل هدفه النهوض بالولاية، وكان من أبرز إنجازاتها تأسيس نادي إبراء الرياضي، ثم الاهتمام بمختلف القضايا المحلية التي تخدم الولاية. ومن المشاريع الكبيرة التي تبنتها أيضًا الإسهام في تأسيس سوق إبراء، إلى جانب دعم النادي الرياضي الذي شارك في عدد من المسابقات وحقق فيها نتائج متميزة.
وقد وقع عليّ الاختيار آنذاك ممثلًا لفئة الشباب، لما كنت أمارسه من أنشطة ثقافية ورياضية، فعُينت مشرفًا ثقافيًا، وتوليت إدارة النشاط الثقافي بالنادي. أما راشد بن عامر المنجي فتولى الإشراف على النشاط الرياضي، بينما تولى والدي الإدارة العامة وأمانة السر، وتولى علي بن صالح اليزيدي الإشراف المالي، في حين ترأس الوالد سعيد بن سالم الغيثي مجلس إدارة النادي.
واستمرت هذه الإدارة حتى ما بعد الانتهاء من بناء مقر النادي، ثم انتهى دورها تدريجيًا. وبعد ذلك تولى والدي إدارة النادي لفترة، معتمدًا في تمويل كثير من أنشطته على مؤسسته التجارية، إلى أن أصبح النادي تحت إشراف الحكومة.
١١ يوليو ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








