1. مهام مضيف الطيران تتجاوز تقديم الطعام - ٣٨٣

      من مهام مضيفي الطيران تقديم الإسعافات الأولية، والمساعدة في حالات الولادة الطارئة للحوامل، وتقديم الرعاية الأولية للمصابين بالأمراض المزمنة، والمشاركة في عمليات الإنقاذ البحري عند الهبوط الاضطراري فوق الماء، إضافة إلى العناية بالأطفال أثناء الرحلة.

      فمهمة مضيف الطيران لا تقتصر على تنظيم الركاب وتقديم وجبات الطعام لهم، بل تتعدى ذلك إلى مسؤوليات أكثر أهمية، إذ يتلقى تدريبًا على كيفية التعامل مع السكارى، والمشاغبين، وحتى الإرهابيين عند الضرورة.

      ويُختار مضيف الطيران بعناية وفق معايير دقيقة، ثم يخضع لبرامج تدريبية مكثفة تشمل اللياقة البدنية، ولا سيما السباحة، والتعامل مع الأدوية، ومبادئ التمريض، وإجراءات السلامة والطوارئ. ولهذا السبب تغيّر  المسمى الوظيفي في كثير من شركات الطيران من Air Host/Hostess إلى Flight Attendant؛ لأن هذا المسمى يعكس طبيعة مهامه الحقيقية، التي تتجاوز مجرد خدمة الضيافة.

      عند توظيف مضيف الطيران، يُفضَّل من يجيد أكثر من لغة، وتُعد اللغة الإنجليزية أساسًا إلى جانب اللغة المحلية. وكلما كان المتقدم للوظيفة أكثر إتقانًا للغات، زادت فرص قبوله.

      ويخضع مضيفو الطيران لدورات تدريبية أساسية في مبادئ علوم الطيران، والملاحة الجوية، وقوانين الطيران التابعة للمنظمة الدولية للطيران المدني، إضافة إلى دورات مستمرة في العلاقات العامة، وخدمة العملاء، والقدرة على تحمّل ضغوط العمل، وسرعة التصرّف، وحسن البديهة، وسرعة الملاحظة.

      وعندما يجتاز المتدرب البرنامج، لا يُسمح له بالعمل على جميع أنواع الطائرات، بل إن لكل نوع من الطائرات تدريبًا خاصًا ورخصة عمل خاصة به، تُعرف بالإنجليزية بـ License، وتُجدَّد سنويًا بعد اجتياز التدريب المقرر. ولا تُجدَّد هذه الرخصة دون اجتياز التدريب الأساسي، وقد يؤدي الرسوب فيه إلى فقدان مضيف الطيران وظيفته.

      فعلى سبيل المثال، إذا كان التدريب للعمل على طائرة من نوع إيرباص، فلا يجوز له العمل إلا على طائرات إيرباص، أما طائرات بوينغ فلها أيضًا برنامجها التدريبي الخاص. ويشمل التدريب إجراءات السلامة، واستخدام المعدات، وأجهزة المطبخ.

      ولهذا نجد تفاهمًا وتجانسًا بين مضيفي الطيران الذين يعملون بروح الفريق الواحد. ولكل قسم في الطائرة مضيفوه، فهناك قسم للمطبخ، وقسم لخدمة الدرجة السياحية، وقسم لخدمة درجة رجال الأعمال، ولكل قسم مشرف يتولى إدارة مجموعته، إضافة إلى وجود المفتش أو المدقق الداخلي للرحلة.

      وقبل كل رحلة، وقبل توجه طاقم الضيافة إلى الطائرة، تُعقد لهم إحاطة أو محاضرة في القاعة المخصصة لهم في المطار، يقدمها المسؤول عن الرحلة. وتتناول هذه الإحاطة معلومات عن نوعية الركاب، مع الإشارة إلى الركاب الذين يمكن الاستفادة من خبراتهم عند الطوارئ، مثل الأطباء وأصحاب المهن المتخصصة، كما تتناول كمية البضائع، وخطة سير الرحلة، وكميات المواد الغذائية، وأنواع الوجبات، وترتيبات المبيت عند الوصول، وآلية تبديل المناوبات، ومواعيد وأماكن التجمع عند العودة، وغيرها من الأمور التنظيمية، بحيث يكون كل شيء واضحًا لمضيف الطيران، مع التأكد أثناء الإحاطة من أنه صافي الذهن، وخالٍ من تأثير الكحول، ويتمتع بحالة صحية جيدة.

      العمل في قطاع الطيران... مهنة تتطلب الصبر والانضباط 

      العمل في مجال الطيران من أصعب المهن في قطاع الخدمات العامة، شأنه شأن العمل في التمريض، والشرطة، وسائر المهن التي تتعلق بخدمة المجتمع والتعامل المباشر مع عامة الناس، ولا سيما تلك التي تعتمد على نظام المناوبات. ويُعد عمل مضيفي الطيران والطيارين من أكثر الأعمال مشقة، من الناحيتين الجسدية والذهنية، إذ يفتقر إلى الاستقرار النفسي بسبب اختلاف أوقات العمل، والتنقل المستمر بين البلدان ذات الفوارق الزمنية المختلفة. 

      كما أن هذه المهنة قد تؤثر في الاستقرار الأسري بين الزوجين، خاصة إذا لم يكن كلاهما يعمل في المجال نفسه، إذ قد يُستدعى الموظف في أي وقت، حتى أثناء فترة راحته بعد انتهاء دوامه، لتغطية غياب أحد زملائه أو لتلبية احتياجات رحلة تتطلب عددًا أكبر من المضيفين أو الطيارين. وقد يوضع المضيف أو الطيار على قائمة الاحتياط، فيبقى مستعدًا في منزله أو في المطار تحسبًا لأي طارئ. 

      والعاملون في هذا المجال لا يجدون في كثير من الأحيان الوقت الكافي لزيارة ذويهم وأقاربهم أو حضور المناسبات العائلية، لأنهم يقضون معظم أوقاتهم في العمل، بل إن جزءًا كبيرًا من حياتهم يكون في الجو. كما أنهم يتعاملون في كل رحلة مع أكثر من ١٥٠ راكبًا على أقل تقدير، من جنسيات وأعراق وثقافات مختلفة، الأمر الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر، وسعة الصدر، ورباطة الجأش. 

      وقد لا يجد الزوج أو الزوجة العامل في هذا المجال الوقت الكافي للجلوس مع أبنائه، لذلك قد تكون هذه المهنة أنسب لغير المتزوجين، أو لمن تتفهم أسرهم طبيعة هذا العمل. 

      لقد سمعت كثيرًا من القصص من ابنتي وزوجها، بحكم عملهما في قطاع الطيران، عن مواقف شاهداها أو مرا بها، منها حالات ولادة لنساء كن في طريقهن إلى بلدانهن، وحالات وفاة نتيجة هبوط حاد في مستوى السكر أو بسبب جلطات قلبية، إضافة إلى مواقف مع بعض الركاب المشاغبين الذين لا يراعون حقوق الآخرين. 

      ومن بين القصص التي روتها لي ابنتي أنها كانت تمر ذات مرة في مقصورة الدرجة السياحية، فلاحظت أمًّا شاحبة الوجه تبدو عليها علامات الإعياء، فسألت ابنيها الجالسين بجانبها إن كان لديها دواء تتناوله، فأخرجا لها دواء السكري. وقدمت لها الدواء مع وجبة خفيفة، إلا أن الأم كانت تعاني هبوطًا حادًا في مستوى السكر، فتوفيت نتيجة اضطراب في نبضات القلب. وكان من حسن التصرف أن نُقل الابنان إلى مقعدين آخرين دون أن يبلغا بوفاة والدتهما إلا بعد هبوط الطائرة. 

      وفي قصة أخرى قالت: «صعد إلى الطائرة أحد الركاب وهو في حالة سُكر، ويبدو أنه تناول كمية كبيرة من الكحول في أحد المطارات. وبعد إقلاع الطائرة أراد استخدام دورة المياه، إلا أنه فقد توازنه بسبب اهتزاز الطائرة، فاصطدمت جبهته بعربة تقديم الطعام (الترولي)، مما تسبب في جرح عميق. وعلى الفور استُدعي طبيب من بين الركاب، فقام بإسعافه، إذ توجد في كل طائرة حقيبة طبية مجهزة بعناية، تحتوي على معدات وأدوية مخصصة للتعامل مع الحالات الطارئة أثناء الرحلة، ولا تُفتح إلا بإذن من قائد الطائرة. وفي بعض الحالات قد يضطر قائد الطائرة إلى الهبوط في أقرب مطار حفاظًا على سلامة المريض أو المصاب.»

      ٢ يوليو ٢٠٢٦ 

      1. عبد الله السناوي - شارك