1. الجندي المجهول في حياة أبنائه - ٣٨٢

        يوم الأحد الموافق ٢١ يونيو من هذا الشهر كان اليوم العالمي السنوي للأب، أسوة بالاحتفاء بعيد الأم. ومن خلال متابعتي لوسائل التواصل الاجتماعي، لم أرَ ذلك الزخم الذي يُقام لعيد الأم، حيث تكثر فيه العبارات، والرسومات التعبيرية، والصور المتبادلة.

       ولا اعتراض على ذلك، فالأم تستحق ما أوصى به الرسول ﷺ من البر والإحسان، وقد قال حافظ إبراهيم:

      الأم مدرسة إذا أعددتها

      أعددت شعباً طيب الأعراق

      الأم روض إن تعهده الحيا

      بالري أورق أيما إيراق

      الأم أستاذ الأساتذة الألى

      شغلت مآثرهم مدى الآفاق

      ولكن الأب أيضاً قد شمله الله سبحانه وتعالى بالإحسان، كما جاء في قوله تعالى:

      ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].

      فالأب جندي مجهول، يعطي ولا يأخذ، بخلاف المرأة التي قد تأخذ أحياناً أكثر مما تعطي. وليس في هذا غمط لحق المرأة، فكلاهما مكمل للآخر، ولكن ما أود بيانه هو أن الرجل يجب أن يتعامل مع المرأة بوصفها شريكاً اجتماعياً في بناء الأسرة وإنجاب الأبناء؛ فإذا صلح الأبناء ربح الجميع، وإذا فسدوا خسر الجميع. ومثل ذلك الشريك التجاري؛ فإن أُحسنَت إدارة الشركة ربحت، وإن فسدت إدارتها أو شركاؤها خسرت وأفلست.

      وهناك قصة مؤثرة ترويها إحدى السيدات، ويبدو من حديثها أنها طبيبة أو لها علاقة بعلاج المرضى. تحكي قصة رجل تعسر علاجه في المستشفى، وكان رأي الأطباء أن ينتقل إلى بيته ليقضي ما تبقى من عمره، مبررين ذلك بأن واجبهم العلاجي قد انتهى، وأن سرير المستشفى أولى به مريض آخر.

      لكن هذه السيدة تذكر أن أحد أبنائه اعترض، ليس حرصاً على والده، بل لأن والده – بحسب قوله – ليس له مكان في البيت، رغم أن البيت ملك لوالده. وعندما سألته السيدة: «إذن أين كان ينام؟» أجاب: «كان ينام في الصالة».

      وهذه عبرة لمن يربي أبناءً غير بارين بوالديهم.

      ونصيحتي لكل أب ألا يقصر في حق نفسه، وألا يحرم نفسه من متع الحياة من أجل الأبناء، وخاصة الذكور منهم. ودائماً أقول: «احرص على قرشك الأبيض ليومك الأسود»، وألا تفرط في ممتلكاتك من أجل مصلحة أبنائك ما دمت على قيد الحياة.

      فقد يأتي يوم تتركك فيه زوجتك بسبب المرض أو كبر السن، وتصبح في نظرها – كما يقال – «سكراب». وإذا كبر أبناؤك وضاقت بهم الحياة، فقد يلجؤون إلى الطريق الأسهل، وهو الاستيلاء على بيتك أو ممتلكاتك مستغلين عاطفة الأبوة، فتجد نفسك – كما يقال – «خارج الحلبة (أوت)».

      احتفظ بمالك، واحتفظ ببيتك الذي يسترك، وعش حياتك بما ادخرته من مال، واستفد من تجارب الآخرين. وكما يقول المثل: «اسأل مجرباً ولا تنسَ الطبيب».

      ٢٥ يونيو ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك