-
-
التنظيم المالي مفتاح الاستقرار الأسري – ٣٨١
في ظل الظروف الحالية ومتطلبات العصر، أصبحت كثير من الأمور التي كانت تُعد في الماضي من الكماليات من الضروريات. ومن أجل حياة أفضل، واستقرار أسري معتدل، وراحة بال، أصبح من الضروري أن يلتزم الإنسان بنظام معين ينظم به حياته، حتى لا يتعثر أو يقع في ضائقة مالية أو اجتماعية.
فالمعيشة لا تستقر إلا بالتنظيم وحسن التدبير. وقد تعلمت من أحد أساتذتي، وهو الأستاذ الغزاوي من غزة، مقولة ما زلت أتذكرها إلى اليوم: «ادخر قرشك الأبيض ليومك الأسود»، أي أن ما يزيد عن حاجتك من المال ينبغي أن تدخره ليوم قد تحتاج إليه فيه، فليس كل من تصادقه أو ترافقه أو يجاملك يستطيع أن يساعدك عند الشدة، بل قد يكون هو نفسه أحوج إلى المساعدة منك.
والناس مظاهر؛ فقد تجد موظفًا بسيطًا ينفق على هندامه وملبسه ومظهره أكثر مما ينفق مديره، وهناك من يقدم الكماليات على الضروريات، وينفق في جانب على حساب جانب آخر، فلا يراعي الأولويات ولا يقدم الأهم على المهم، لأنه يفتقر إلى التنظيم وحسن إدارة المال، وربما تدفعه المباهاة إلى ذلك.
وقد مررت في حياتي بأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، ومن ذلك أنني كنت واقفًا في طابور أحد البنوك لصرف شيك، وكان أمامي رجل يعمل سائقًا يستفسر من الموظف عن وصول راتبه إلى حسابه. ففوجئ بأن الموظف يخبره بأنه لم يتبقَّ في حسابه سوى عشرة ريالات، لأن البنك اقتطع معظم راتبه لسداد أقساط متأخرة.
عندها صرخ الرجل أمام الجميع قائلاً: «ماذا أفعل لإطعام أولادي؟». فرد عليه الموظف: «في كل مرة يدخل راتبك إلى حسابك، تسارع إلى سحبه قبل أن يخصم البنك القسط المستحق عليك».
ولا شك أن البنك، عندما منحه القرض، قد درس حالته الاجتماعية والمالية، وحدد دخله ومصروفاته، وقيمة القرض المناسبة له، وعدد الأقساط ومدة السداد، وما سيتبقى له من راتبه بعد استقطاع القسط، وذلك وفق الأنظمة والتعليمات التي يضعها البنك المركزي.
لذلك، فليس العيب في البنك، وإنما قد يكون الخلل في عدم إعادة تنظيم المقترض لحياته بعد حصوله على القرض، أو في عدم توظيفه القرض فيما يعود عليه بالنفع، مما يجعله يقع في ضائقة مالية كان بالإمكان تجنبها بالتخطيط السليم وحسن إدارة الموارد.
فقد تجد رجلاً يعمل، بالإضافة إلى عمله الرسمي، في عملٍ خاص؛ كإدارة مكتب عقاري، أو في مجال النقل كسائق شاحنة، أو سيارة لبيع الغاز أو المياه، أو سيارة لتوصيل الطلبات، أو سيارة أجرة. ومع ذلك، لا يكفيه دخله، بل قد يقوده هذا الانشغال إلى الإهمال في مسؤوليته تجاه بيته وأبنائه، إذ تمر عليه الأيام وهو بعيد عن أسرته، وقد يصل به الحال إلى أن يعمل حتى في أيام الإجازات والعطل الرسمية.
وقد اطلعت على بعض هذه الحالات من خلال استخدامي سيارات الأجرة في تنقلاتي، والدردشة مع سائقيها. وهناك مثال اطلعت عليه، على سبيل المثال لا الحصر، لرجل يعمل سائقًا في إحدى المؤسسات الحكومية، وقد اقترض من البنك لبناء منزله، وعليه أقساط شهرية يسددها بانتظام.
ويقول إن دخله لا يكفي لتسديد أقساط البنك والوفاء بالتزاماته المعيشية، ولذلك يعمل سائقًا لسيارة أجرة حتى في عطلات نهاية الأسبوع والعطل الرسمية. ولديه أربعة أبناء وزوجة لا تعمل، لذا فإن ما يكسبه لا يغطي مصروفات أسرته.
وفي إحدى المرات التي استقللت فيها سيارته، لاحظت أنه اشترى طعامًا لأسرته من أحد المطاعم، فسألته عن السبب، فقال: «هكذا الحال، أم العيال لا تطبخ». وأضاف أن أبناءه اعتادوا تناول وجبة الإفطار من المطعم لقربه من المنزل، ولأن المطعم يوفر خدمة التوصيل.
حتى لو افترضنا أن الزوجة تعمل حالها حال زوجها، خاصة من لديهن تعليم بمستوى الدبلوم العام أو أعلى، فإن الحال لن يختلف كثيرًا عمن ذكرتهم آنفًا؛ فالراتب أيضًا قد لا يكفي. فمع انشغال الزوجة بوظيفتها وغيابها عن البيت، لا بد للزوج من سد هذا الفراغ بأن يستعين بخادمة لتغطية غياب زوجته، فتتولى رعاية الأطفال والقيام بأعمال التنظيف والطبخ وما يتبع ذلك من تدبير منزلي، مما سيضطره إلى دفع راتب للخادمة وتحمل تكاليف سفرها وإجازاتها، دون أن تكون الزوجة ملزمة بإعانته، باعتباره صاحب القوامة.
وإن ساعدته زوجته، فقد يكون ذلك من خلال الاشتراك في ملكية البيت، أو المشاركة في تسديد أقساط قرضه، أو أن تتكفل بتكاليف الخادمة إن شاءت، حسب التفاهم بينهما. ويبقى الحال كما هو؛ فكلما زاد الدخل زاد الإنفاق.
وقد سبق أن كتبت عن مثل هذه المواضيع في هذا الموقع بعنوان: "الطلاق بين سوء الاختيار وضعف التفاهم الزوجي - ٣٨٠"، وأيضًا بعنوان: "حسن الاختيار أساس نجاح الحياة الزوجية - ٣٧٨".
وعلى كل حال، أعود فأقول: إن التفاهم بين الزوجين، وحسن اختيار الزوجة المناسبة، وحسن التنظيم داخل البيت، وجدولة المصروفات بما يتوافق مع الدخل من خلال وضع موازنة والالتزام بها، لا شك أن ذلك سيؤدي إلى حياة سعيدة ومنظمة، بعيدة عن الضغوط النفسية والشعور بالحرمان.
هذا، وإليكم نموذجًا قد يستفيد منه بعضكم:
الموازنة الشهرية لمن دخله من ٥٠٠ ريال وأكثر:-
١- لأساسيات
السكن:( ١٣.١٤%)
السوبر ماركت/التموين (١٣.١٤%)
٢- لضروريات
المنافع: الكهرباء، الماء، والاتصالات (١٠.٥١%)
النقل (١٠.٥١%)
العلاج (١٠.٥١%)
٣- اللوجستيات
خدم منزل( ١٠.٥١%)
البستنة/الترفيه (١٠.٥١%)،
الصيانة (١٠.٥١%)
٤- الاحتياط والطوارئ( ١٠،٥١%)
١٨ يونيو٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








