-
-
الزواج بين الواقع والتربية في العصر الحالي - ٣٧٠
للأسف الشديد، أصبح مفهوم الزواج في العصر الحالي غير واضح لدى بعض الشباب والشابات، وبالأخص بعض الشابات المتعلمات وخريجات الجامعات؛ لأن طريقة تربية الإناث اختلفت عما كانت عليه في السابق. فالفتاة اليوم قد تنشأ في بيت أهلها في حالة من الراحة الكاملة، حيث تكون جميع متطلباتها مكفولة، ولا تقوم بأي مجهود يكسبها مهارات إدارة المنزل. وقد يصل الأمر إلى أنها لا ترتب فراشها، ولا تهتم بغسل ملابسها أو تنظيف غرفتها، لأن الخادمة تتولى القيام بكل ذلك، ناهيك عن الطبخ أو المشاركة في خدمة الأسرة ومساعدة إخوتها.
لذلك، عندما يحالفها الحظ بالزواج، قد تكون خبرتها في إدارة بيت الزوجية محدودة، وكذلك في التعامل مع أهل الزوج والاندماج في الحياة الأسرية الجديدة. وقد يصبح اهتمامها الأكبر بالخروج إلى المقاهي والكافتيريات، والالتقاء بالأصدقاء، والانشغال بوسائل التواصل والإنترنت، دون إدراك كافٍ لبعض الواجبات والمسؤوليات الزوجية.
كما أن بعض القيم والتوجيهات التي تلقتها خلال مراحل الدراسة، بما فيها ما يتعلق بالحياة الأسرية والزواج، قد تتراجع أهميتها مع الانشغال بالحياة الجامعية والعملية. وعندما تحصل على وظيفة، قد تنظر إلى العلاقات من منظور الزمالة والمساواة المهنية، وقد ينعكس ذلك على طبيعة تعاملها داخل الحياة الزوجية إذا لم تُدرك خصوصية العلاقة بين الزوجين.
ومع الاستقلال المادي والعمل والراتب، قد تقل بعض جوانب الاعتماد المتبادل بين الزوجين، الأمر الذي قد يجعل الطلاق لدى البعض قرارًا يُتخذ بسهولة، دون إدراك كامل لعواقبه وآثاره الأسرية والاجتماعية.
أما فكرة الزواج من أجنبيات، وخصوصًا من بعض الجنسيات الآسيوية، باعتبارها حلًا لهذه المشكلة، فهي مسألة تحتاج إلى دراسة متأنية؛ لأن نجاح الزواج لا يرتبط بالجنسية بقدر ما يرتبط بالتفاهم، والتربية، والوعي، والانسجام بين الزوجين.
لذلك، من المهم أن تهتم الجهات والمؤسسات المعنية بهذا الموضوع، سواء عبر برامج التثقيف الأسري المباشر، أو من خلال إنشاء مراكز ومعاهد تدريب وتأهيل للمقبلين على الزواج؛ حتى يكون كلا الطرفين أكثر استعدادًا لتحمل مسؤوليات الحياة الزوجية وبناء أسرة مستقرة.
ارتفاع معدلات الطلاق في عُمان.. ظاهرة تستحق الوقوف عندها
٤٢٠٠ حالة طلاق في عام واحد؛ أي خلال عام ٢٠٢٥، رقم يثير القلق ويدعو إلى التأمل. فظاهرة الطلاق في سلطنة عُمان أصبحت ظاهرة غير طبيعية ومقلقة، وتشكل هاجسًا لدى الوالدين، بل ولدى أهل وأقارب الزوجين؛ لما يتركه ذلك من انعكاسات اجتماعية ونفسية، ويعطي صورة وانطباعًا غير جيدين عن مستوى التربية الأسرية والاستعداد للحياة الزوجية.
وقد يعزو البعض هذه الظاهرة إلى ضعف الإشراف المباشر على الأبناء منذ نشأتهم وحتى بلوغهم مرحلة الشباب، إضافة إلى غياب الوازع الديني، وضعف التمسك بالعادات والتقاليد الأصيلة. كما أن تأثر بعض الأبناء بالعوامل الخارجية والسلوكيات المستوردة من خارج المجتمع، وسوء فهم مفهوم الحرية، كلها عوامل ساهمت في تغير بعض المفاهيم الأسرية.
ومن الأسباب التي تُطرح كذلك وجود فجوات تعليمية أو وظيفية بين الزوجين، وما قد ينشأ عنها من اختلاف في النظرة والأدوار داخل الأسرة. كما أن التربية المرفهة التي اعتادت عليها بعض الفتيات داخل بيت الأسرة قد تجعل الانتقال إلى مسؤوليات الحياة الزوجية أكثر صعوبة إذا لم يكن هناك إعداد مسبق وتحمل للمسؤولية.
وفي بعض الحالات، قد يكون قرار الزواج أو الموافقة عليه مجرد إجراء شكلي أو استجابة لظروف اجتماعية، دون وجود قناعة حقيقية واستعداد لبناء بيت قائم على الشراكة، وتحمل المسؤولية، وإدارة الأسرة بصورة سليمة.
إن الزواج ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل هو مشروع حياة يحتاج إلى نضج، وتفاهم، وتربية أسرية صحيحة، وتأهيل يسبق اتخاذ هذه الخطوة المهمة.
بين الشرق والغرب.. إلى أين يتجه نظامنا الاجتماعي؟
هناك مثل عُماني يقول: "سَحْت فَحْت، لا فوق ولا تحت"، ولا ندري: هل نحن نسير على نهج الشرق أم على نهج الغرب؟ أم أننا نقطف من كل بستان زهرة؟ ولماذا هذه التقلبات في أهم الأنظمة، وهو النظام الاجتماعي؟
كيف سنبني مجتمعًا صالحًا دون أن ندرك الأهداف التي ينبغي أن نسير عليها؟ فقد دخلت الكثير من التغيرات إلى مجتمعنا، وأثرت في سلوكنا، فأصبحنا متخبطين في تعاملاتنا الاجتماعية.
وهل إن مساواة المرأة بالرجل ـ كما يُقال ـ في الواجبات والحقوق، أعطت المرأة حرية مطلقة أو حق التسلط على الزوج؟ وهل يتعارض ذلك مع نظام القوامة الذي جاء به القرآن الكريم؟
إذا كان الزواج هو أساس الاستقرار النفسي، والسكن للزوجين، والركيزة الأساسية لبناء مجتمع صالح، فكيف لنا أن نتخبط في قوانينه وتشريعاته؟ وكيف يمكن أن نحقق الاستقرار الأسري والمجتمعي إذا اختلفت الرؤى واختلطت المفاهيم؟
كلمة الطلاق وقت الغضب... عواقب لا تُحمد
كلمة: "طلّقني.. طلّقني" غالبًا ما تتفوّه بها بعض الزوجات كلما غضبن من أزواجهن، وقد تضيف إليها عبارة: "إذا كنت رجلًا طلّقني"، وهي عبارة تحمل في طياتها إهانة لرجولة الزوج، وتوحي بالتحدي أو التعجيز؛ لأن الزوجة تكون مطمئنة إلى أنه لن يُقدم على الطلاق، وعليه أن يخضع لرغبتها أو ضغطها.
فالزوج قد يتردد كثيرًا في اتخاذ قرار الطلاق؛ لأنه يتذكر ما تحمّله من أعباء مالية منذ بداية الزواج، من مهر وتكاليف حفل الزواج، التي قد تتجاوز عشرة آلاف ريال أو أكثر. وغالبًا ما تُصرف هذه المبالغ لإرضاء أهل الزوجة، وإظهار أن ابنتهم في مكانة اجتماعية عالية لا تقل عن غيرها. لكن لا أحد يعلم كيف حصل هذا الزوج المسكين على تلك الأموال؛ فقد يكون اقترضها من البنك، فوق أقساط السيارة، أو قرض بناء أو شراء المنزل، وربما حتى استئجاره، وقد سبق أن أثقلته الديون من أجله.
لكن عندما يشعر الزوج بأن هناك أمرًا يمس كرامته ويُنتقص من رجولته، فإنه قد لا يتردد في إيقاع الطلاق، وعندها تتحول لحظة الغضب إلى ندمٍ شديد، وقد تندم الزوجة فور سماع لفظ الطلاق يقع عليها.
ولكن ما الفائدة من الندم عندما يقع الفأس في الرأس؟ فربما ينعكس هذا التصرف على الأسرة بأكملها، فيؤدي إلى تشرد الأبناء وتشتتهم، وتجد الزوجة نفسها بعد ذلك تحمل لقب "مطلقة"، بعد أن كانت كلمة قيلت في لحظة غضب سببًا في تغيير حياة أسرة كاملة.
هل تغيّرت معادلة الحقوق والواجبات في الزواج المعاصر؟
من المعلوم أنه لكي يتم الزواج بين الطرفين، لا بد من توفر ثلاثة شروط: المهر، أو ما يُعرف بـ"الحق" أو "الصداق"، وغالبًا ما يكون مبلغًا من المال. والشرط الثاني: توفر شاهدين من الذكور. أما الشرط الثالث فهو وجود عقد زواج مكتوب وموثق لدى كاتب بالعدل، يُبيَّن فيه ما للزوجة من حقوق وما للزوج من حقوق.
وغالبًا ما نسمع عند حضورنا مراسم عقد القران أن المكلف بعقده يقول أمام الحضور للعريس: "لقد زوجتك فلانة بنت فلان الفلانية بما تم بينكما من اتفاق"، أو يقول: "لقد زوجت فلان ابن فلان الفلاني بفلانة بنت فلان الفلانية بأمر ولي أمرها، أو برضا والديها، وبما تم بينهما من اتفاق في الصداق".
وفي الحقيقة، عند كتابة العقد بعد إتمام عقد القران أو "الملكة" لدى كاتب بالعدل، لا يُذكر المقدم من الصداق ولا المؤخر، خاصة إذا حدث الطلاق بينهما – لا سمح الله.
وفي الغالب، بعد إتمام مراسم الزواج، يعود الطرفان كلٌّ منهما إلى عمله؛ فتعمل الزوجة كما يعمل الزوج، ثم يعودان إلى بيتهما دون أن يكون للزوجة دور واضح تجاه زوجها. وغالبًا ما يستعينان بخادمة منزل للطبخ والتنظيف وغسل الملابس، وأيضًا لرعاية أطفالهما عند الإنجاب، بل قد يتجاوز الأمر ذلك ليشمل إدارة البيت كاملًا، وقد يصل الأمر إلى أن تقوم الخادمة بغسل سياراتهما إذا لزم الأمر.
وهنا لا يظهر أي دور للزوجة تجاه زوجها، وأحيانًا حتى في الفراش يفقد الزوج بعض حقوقه بسبب عدم استعداد الزوجة نفسيًا نتيجة الاهتمام والانشغال بعملها.
ومع ذلك، يبقى الرجل مسؤولًا عن الإنفاق على الزوجة بحكم القوامة، بينما لا يستفيد الزوج من راتب زوجته، ولا من غيابها عن البيت، إلا إذا تحملت الزوجة تكاليف راتب الخادمة لتعويض الزوج عن تقصيرها.
إذن، ومن هذا المنطلق، يرى البعض أنه من المنطقي أن يكون ما تصرفه الزوجة على البيت لتعويض غيابها عن الزوج أو تقصيرها في بعض حقوقه حقًا مكتسبًا له، يُحتسب ضمن أعبائه المالية ويُخصم من نفقته تجاهها.
١٩ مايو ٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








