-
-
ذكريات القهوة والمائدة في سيح العافية - ٣٦٤
من العادات الجميلة التي أتذكرها في حقبة الستينات، عندما كنا صغارًا في قرية سيح العافية بسفالة إبراء؛ أننا بعد عودتنا من المدرسة، مدرسة تعليم القرآن، نجد أمهاتنا قد جهزن "القهوة"، وهو مصطلح لوجبة خفيفة، وغالبًا ما يُطلق عليها "قهوة وتقدوم"، أي ما يُقدَّم مع القهوة. وتتكوّن، في غير المناسبات الرسمية، من قهوة أُعدّت في "دلة" (إناء من الفخار)،..."قدر" به مقبض (دلة فخارية لصب القهوة منها)، تُوضع على رماد الجمر بعد إعدادها لكي تحتفظ بحرارتها، و"تمر" موضوع في صحن معدني صغير بحجم صحن الشاي حاليًا، وفناجين قهوة موضوعة على "سحلة"، وهي وعاء مزركش فضي اللون به ماء لغسل اليد بعد تناول التمر، وصينية تُوضع عليها هذه المحتويات مغطاة بـ"شت" (غطاء ملوّن منقوش بألوان مختلفة، مصنوع من سعف النخيل "الخوص"، وله قبة. إذ كانت جميع الأدوات المنزلية المعدنية في السابق التي تخص الطبخ وتقديم الطعام تُستجلب من إيران، والبهارات والأرز والطحين من الهند.
وبعد تناول القهوة بفترة قصيرة، تكون وجبة الغداء قد أُعدّت وتم تحضيرها للمائدة. وهذه الوجبة عادةً ما تتكوّن من صنفين: الرز الأبيض، والمرق بنكهة البهارات الهندية. ويتكوّن المرق من اللحم، سواء كان من الطيور كالدجاج، أو من البقر أو الغنم، أو من السمك. وغالبًا ما كان يأتينا السمك من جنوب الشرقية مشويًا أو مملحًا، ويُنقل إلينا على ظهور الجمال.
تُقدَّم مائدة الطعام في أوانٍ معدودة قد لا يتجاوز عددها إناءين أو ثلاثة؛ فمثلًا يوضع الرز (العيش) في صحن معدني بحجم يتناسب مع عدد الأشخاص، وتُقدَّم "حلة" معدنية للمرق بغطاء، بها ملعقة طبخ معدنية كبيرة لغرف المرق منها. ويُرش المرق على الأرز، مع وضع اللحم في وسطه، وهذه الطريقة تُعرف بمصطلح "الحلا" ليتناوله الجميع. ثم تتجمع العائلة بكامل عددها لتناول الطعام من صحن واحد، وإذا كان عدد العائلة كبيرًا، ويتكوّن من رجال ونساء، تكون للنساء مائدتهن وللرجال مائدتهم، أي تُفصل النساء عن الرجال.
ويُفرش للمائدة على الأرض بساط يُعرف بـ"السمة"، ليعزلها عن أرضية الأرض الرملية، وهو بساط دائري مصنوع من سعف النخيل، أو يُستخدم حصير قصير.
وإذا كانت درجة القرابة بين أفراد العائلة متباعدة، فإن مائدة النساء تنفصل عن مائدة الرجال، ويكون الأكل على مائدتين بدلًا من مائدة واحدة.
في أيام طفولتنا، كانت الوجبات الغذائية تُصنَّف كما هي الآن إلى ثلاث وجبات، يتخللها وجبات خفيفة من التمر والقهوة: وجبة الإفطار الصباح، وتُعرف بـ(قهوة الصباح)، تليها (قهوة الضحى)، ثم وجبة الغداء، وتتكون من الرز ومرق اللحم، أو الرز مع "المعصورة بالسمك" (عصير الليمون بالبصل والسمك)، خاصة في فصل الصيف، لتوفر محصول البصل، وأسماك السهوة (التونة بشتى أنواعها). وبعد وجبة الغداء تأتي قهوة العصر، والقهوة كما أسلفنا مع التقدوم قد تكون من التمر أو الفواكه الموسمية.
ثم تأتي وجبة العشاء، وعادة ما تكون من الخبز الرقيق العماني مع المرق، أو من الهريس (القمح المهروس) عند يسر الحال، أو ما تبقى من وجبة الغداء. وطرق إعداد المرق كثيرة حسب نكهة البهارات وشطارة سيدة البيت، وكذلك وجبات الرز؛ فمنها الملوَّن أو الأبيض. فمثلاً الرز باللحم (القابولي)، ولهذه الطبخة مسميات عديدة حسب البلدان وثقافة شعوبها؛ ففي أفريقيا "بيلاو"، وفي الخليج "المتشبوس" أي المكبوس، وفي الهند أو بلدان العجم "برياني"، وفي اليمن "المندي"، وهكذا.
وبسبب تداخل ثقافات الشعوب، فإن طرق إعداد الطعام من الصعب إحصاؤها، إلا أنه يمكن تلخيصها في ثلاثة: (لحم، دجاج، سمك، أو خضار). وهناك أكلات عمانية لم تكن في السابق، ثم أتت بامتزاج المطبخ العماني بالأفريقي والآسيوي.
قصة وجبة القبولي واختبار الأميرة؛
وعن وجبة القبولي؛ هناك قصة من التراث الشعبي حكاها لي العم ناصر بن منصور السناوي، ابن عم والدي – طيّب الله ثراهما جميعًا حكاها لي قبل مرضه بمدة طويلة. وتقول القصة إن رجلًا سمع بوجود امرأة أميرة على مجموعة من الناس في بلدة أو قرية ما، تتصف بالشجاعة والحكمة، فأراد أن يتحدى ذكاءها ويختبر علمها. فجهّز حماره وساقه إلى تلك البلدة.
وعندما وصل، وكعادة الضيوف في الماضي، أناخ في "سبلة" أو مجلس كما يُعرف الآن، أو ربما في مسجد. ولما حان وقت صلاة الظهر، طلب منه سكان البلدة أن يؤمّهم في الصلاة؛ فصلّى بهم رغم كونه مسافرًا، لكنه صلّى بهم صلاة "وطن" أي مقيماً. وفي منتصف الصلاة، أثناء التشهد، أخذ قبضة من الرمل ورماها صوب المحراب.
وبعد الانتهاء من الصلاة، سأله المصلّون عمّا فعله، فقال لهم: رأيت كلبًا يدخل الكعبة المشرفة في مكة، فأردت منعه من الدخول. فاستغربوا من كلامه، وظنّوا أن زائرهم عالم من العلماء، فأبلغوا أميرتهم التي تحكم بلدتهم.
فلما علمت الأميرة بتصرف الرجل، قالت لقومها: أنا سأختبره إن كان صادقًا. ثم قالت: "نادوا في القوم بأن الأميرة أمرت بصدقة غداء يوم الجمعة، وأن يجتمع أهل القرية بعد صلاة الجمعة في مجلس ضيافة قصرها لتناول وجبة الغداء".
وأمرت أن يُطبخ للغداء أرز باللحم، ويُلوَّن الأرز ببهار القرفة ليغطي على رائحة اللحم المسلوق، وأن تُقدَّم الوجبة في موائد بصحون كبيرة، تُوزَّع الموائد على شكل حلقات "رفق" ليلتف كل مجموعة حول كل حلقة. كما أمرت أن يكون اللحم في الصحن الخاص بالزائر موضوعًا في وسط الرز (العيش)، حتى لا يكتشفه بسهولة.
وعندما بدأ القوم بتناول الطعام، رأى الزائر أن الموائد المجاورة لمائدته فيها لحم، عدا المائدة التي أمامه. فسأل من معه: "أين اللحم لهذا الصحن؟" فقالوا له: ألم تعلم؟ وأشاروا إليه بأنه بداخل الرز.
وهنا علم القوم أن ادعاء ضيفهم برؤية الكلب يدخل الكعبة الشريفة كان كذبًا. وعندما أُبلغت الأميرة بمكره، أمرت بجلده وطرده من القرية.
٣٠ ابريل ٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








