1. الخلافات المذهبية في الإسلام بين الجذور السياسية ووحدة العقيدة – ٣٥٥

       المذهب الإباضي لا يُكفِّر بقية المذاهب الإسلامية، بالرغم من كونه من أقدم المذاهب في الإسلام. فأتباعه يؤمنون بأن كل من قال: «لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» فهو مسلم، ويُعامل على أنه أخ في الإسلام، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

      كما أن معظم المذاهب الإسلامية تتفق في أصول الإيمان وأركان الإسلام، مثل: الإيمان بوحدانية الله تعالى، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، والإيمان باليوم الآخر. وجميع المسلمين يستقبلون الكعبة المشرفة في مكة المكرمة في صلواتهم الخمس، ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

      أما الاختلاف بين المذاهب الإسلامية، فغالبًا ما ارتبط عبر التاريخ بخلافات سياسية وظروف تاريخية بين الحكام، سواء كانوا خلفاء أو أمراء، أكثر من كونه خلافًا في أصل الدين. وقد برز هذا التباين بشكل واضح بعد اشتداد الخلاف السياسي بين الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، حول مسألة القصاص من قتلة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهم.

      كما أن الخلفاء الذين جاؤوا بعد النبي محمد ﷺ لم يُختاروا بوحي إلهي كما اختير الأنبياء، وإنما تم اختيارهم بطرق بشرية مثل الشورى أو البيعة، ضمن ظروف سياسية واجتماعية مختلفة.

      وقد أسهم علماء كبار من مختلف الأقاليم الإسلامية، ومنهم علماء من بلاد فارس وخراسان وغيرها، في تدوين العلوم الإسلامية ووضع كتب الحديث والفقه التي أصبحت مراجع مهمة للمسلمين. ومع مرور الزمن ظهرت تسميات واتجاهات مختلفة بين المسلمين، مثل الشيعة والخوارج وغيرهما، وغالبًا ما استُخدمت هذه التسميات في سياقات سياسية وصراعات تاريخية، مما أدى أحيانًا إلى توسيع دائرة الخلاف بين المسلمين.

      وفي أصل الأمر، فإن خروج بعض الجماعات في تلك الفترات كان مرتبطًا بخلافات سياسية حول الحكم وإدارة الدولة، أكثر من كونه خلافًا في العبادات أو أصول العقيدة.

      غير أن هذه الخلافات التاريخية تحولت مع مرور الزمن إلى اختلافات مذهبية، وأحيانًا استُخدمت لإثارة الكراهية والتنازع بين المسلمين، بدل أن تكون مجالًا للاجتهاد والتنوع الفقهي.

      ولهذا فإن فهم التاريخ في سياقه الصحيح، والتمييز بين الخلاف السياسي والخلاف الديني، يساعد على التقارب بين المسلمين، ويحدّ من ثقافة التكفير والتنازع التي لا تخدم وحدة الأمة - الله يصلح شأن المسلمين

      و تتمثل إحدى مشكلات العالم العربي، أو العرب بوجه خاص، في التدخل في شؤون الآخرين، سواء كان ذلك على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الديني. ويُعدّ الجانب الديني من أبرز أسباب الخلاف بينهم، نتيجة تباين المذاهب وتعدد تفسيراتها. وقد نشأت كثير من هذه المذاهب في سياقات تاريخية وسياسية معقدة بعد عصر الخلفاء الراشدين، حيث تداخلت العوامل الدينية مع الصراعات السياسية في تلك الفترات.

      ولعلّ من أهم السبل للحد من التفرّق هو ترسيخ مبدأ التسامح واحترام الاختلاف الديني والمذهبي، كما هو متبع في سلطنة عُمان، حيث يسود مبدأ التعايش واحترام خصوصية المعتقد. ويمكن تلخيص هذا المبدأ في المعنى القرآني: «لكم دينكم ولي دين»؛ أي أن يمارس كل إنسان شعائره ويؤمن بما يراه دون أن يفرض معتقده على الآخرين. فاحترام خصوصيات الناس وتركهم وشأنهم، وعدم التدخل في معتقداتهم أو شؤونهم، يجنّب المجتمعات كثيرًا من النزاعات والخلافات التي قد تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه.

       ١٦ مارس ٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك