-
-
وحدة الإسلام بين التاريخ والفرقة السياسية – ٣٥٣
هناك حقائق لا يدركها بعض الجهلاء من العرب؛ فإيران دولة ذات تاريخ إمبراطوري فارسي عريق يمتد إلى أعماق التاريخ، شأنها شأن الإمبراطوريات الكبرى مثل الروم التي ذكرها القرآن الكريم. أمّا العرب قبل الإسلام فكانوا قبائل متفرقة يغزو بعضهم بعضًا طلبًا للعيش والبقاء. فجاء الإسلام فجمعهم، ووحّد صفوفهم، ورفع شأنهم، وجعل منهم أمة ذات مكانة، عزّزت وجودها في العالم.
وبفضل هذا التوحيد استطاع العرب أن يضاهوا الفرس والروم في قوتهم، بل تغلّبوا عليهم في مراحل من التاريخ، ودخلت شعوب كثيرة في الإسلام. لكن عندما انصرف العرب إلى حياة الترف وضعفت وحدتهم، تمكن الاستعمار من تفريقهم وتقسيمهم إلى دول صغيرة متناحرة، يعتمد بعضها على النفط فقط، وتتنافس فيما بينها، بينما ترتبط سياساتها بالغرب حفاظًا على مصالحها ورفاهيتها.
وفي المقابل، بقيت إيران دولة ذات حضور قوي في الإقليم، رغم تحولات التاريخ واعتناقها الإسلام، وكان للفرس أيضًا إسهام كبير في بناء الحضارة الإسلامية. فكثير من علماء الفقه والحديث والتفسير كانوا من أصول فارسية، وأسهموا في تأسيس المراجع العلمية للحضارة الإسلامية.
ومن الأمثلة البارزة في التاريخ الإسلامي الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، الذي كان من أبرز مستشاري النبي ﷺ، واشتهر باقتراح فكرة حفر الخندق في غزوة الأحزاب لحماية المدينة، وهي فكرة عسكرية كان لها أثر كبير في الدفاع عن المسلمين آنذاك.
وكان الأولى بالعرب – من منظور وحدة الأمة – أن يسعوا إلى التعاون مع جيرانهم في العالم الإسلامي، وأن يحافظوا على وحدتهم وقوتهم، بدل الانجرار إلى سياسات الفرقة والصراع. فسياسة "فرّق تسد" كانت وما زالت من الأدوات التي استخدمها الاستعمار لإضعاف خصومه وتشتيت صفوفهم.
كما لا ينبغي أن تتحول الخلافات المذهبية إلى سبب للعداء والاقتتال، فهذه الخلافات لم تكن في أصلها سببًا للفرقة بين المسلمين في بدايات الإسلام، وإنما تفاقمت عبر التاريخ لأسباب سياسية وصراعات السلطة. واليوم يتجلى هذا التفرق عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مذهبية، ويصبح الجدل بين الشعوب في وسائل التواصل الاجتماعي مجالًا للسخرية والانقسام بدل الحوار والتفاهم
وأخيرا، خلاصة القول؛ بلاد فارس كان لها إسهام كبير في بناء العلوم الإسلامية والدنيوية في الحضارة الإسلامية، وكثير من كبار العلماء الذين وضعوا المراجع الأساسية في الحديث والفقه والتفسير والعلوم كانوا من أصول فارسية أو من مناطق خراسان وما حولها. ومن ابرزهم؛
١. علماء الحديث؛
محمد بن اسماعيل البخاري، ومسلم ابن الحجاج
و محمد ابن عيسى الترمذي، و أحمد ابن شعيب النسائي، و سنان ابن ماجة.
٢. علماء الفقه وأصوله: أبو حنيفة؛
أبو حميد الغزالي من كبار علماء الفقه والتصوف والفلسفة،
٣. علماء التفسير واللغة؛
محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير من اهم واقدم كتب التفسير في القرآن، عبد الله ابن المقفع، من أوائل من نقلوا الأدب والعلوم الفارسية إلى العربية،.
٤. علماء العلوم الدنيوية (الطب والفلسفة والرياضيات)؛
ابن سينا من أعظم أطباء وفلاسفة العالم، محمد بن موسى الخرزمي، مؤسس علم الجبر، أبو بكر الرازي، من كبار أطباء المسلمين، وكتب في الطب والكيمياء والفلسفة، عمر الخيام، عالم رياضيات وفلكي بارز، إضافة إلى شهرته الأدبية.
خلاصة؛
أسهم علماء فارس إسهامًا كبيرًا في تأسيس علوم الحديث والفقه والتفسير، وكذلك في الطب والرياضيات والفلسفة، وكان عملهم جزءًا من الحضارة الإسلامية المشتركة التي شارك في بنائها العرب والفرس وغيرهم من شعوب العالم الإسلامي.
٧ مارس ٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








