1. التوازن الديمغرافي وتحدي توطين الوظائف - ٣٤٩

      التوازن الديمغرافي وتحدي توطين الوظائف في ظل تنامي العمالة الوافدة ؛

      تُعدّ قضية المسرَّحين من العمل والباحثين عنه من القضايا الحساسة في بلد يشكّل فيه الوافدون نسبة كبيرة من القوى العاملة. وهي قضية ذات أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية، لا سيما في ظل استمرار تدفّق العمالة الأجنبية مقابل محدودية الفرص المتاحة للمواطنين الباحثين عن عمل.

      كما أن عدداً من العقود الاستثمارية الأجنبية التي أُبرمت بمبالغ كبيرة لا تُلزم – في بعض الحالات – بتشغيل نسبة مناسبة من العمالة الوطنية، مما يدفع بعض الشركات إلى تفضيل العمالة الوافدة منخفضة التكلفة سعياً لتعظيم الأرباح. ويؤدي ذلك إلى استمرار الضغط على سوق العمل المحلي، خصوصاً مع تزايد أعداد خريجي مؤسسات التعليم بمختلف تخصصاتهم.

      ستواجه الحكومة تحدياً متنامياً في المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ما لم تُعزَّز سياسات توطين الوظائف وتُنظَّم أعداد العمالة الوافدة وفق احتياجات فعلية.  فما زالت هناك قطاعات في القطاع الخاص – مثل بعض أنشطة الشركات، وتجارة التجزئة، والخدمات اللوجستية – قادرة على استيعاب الكفاءات الوطنية برواتب مناسبة، لكنها تعتمد بكثافة على عمالة وافدة، أحياناً عبر شبكات توظيف مغلقة تُفضي إلى تضخم أعدادها.

      هذا الواقع لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى أبعاد ديمغرافية وثقافية واجتماعية. ففي بعض مناطق محافظة مسقط تتزايد الكثافة السكانية للعمالة الوافدة بشكل ملحوظ، مما ينعكس على طبيعة الأحياء السكنية والأنشطة التجارية وأنماط الاستهلاك، بل وحتى على بعض المفردات المتداولة في الحياة اليومية. ومع أن الانفتاح والتنوع سمة من سمات المجتمعات الحديثة، إلا أن غياب التوازن قد يؤثر في الهوية الثقافية والسياحية للبلاد على المدى البعيد.

      إن معالجة هذه القضية تتطلب رؤية متوازنة لا تقوم على الإقصاء، بل على تنظيم السوق، وتحفيز القطاع الخاص لتوظيف المواطنين، ورفع كفاءة وتأهيل الباحثين عن عمل بما يتوافق مع احتياجات الاقتصاد الوطني، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جاذبية البيئة الاستثمارية. فالتوازن بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والديمغرافي ضرورة وطنية ينبغي التعامل معها بحكمة واستباقية، قبل أن تتفاقم التحديات...تُعدّ حادثة الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الذي أضرم النار في نفسه في 17 ديسمبر 2010 أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربة كان يبيع عليها الخضروات والفواكه لكسب رزقه، مثالاً مؤلماً على ما قد تؤول إليه الأوضاع حين تتراكم مشاعر الظلم والبطالة وانسداد الأفق. وقد تحولت تلك الحادثة إلى شرارة احتجاجات واسعة في تونس، ثم امتد أثرها إلى عدد من الدول العربية.

      إن ضيق العيش والبطالة والشعور بعدم تكافؤ الفرص عوامل قد تولّد احتقاناً اجتماعياً متزايداً إذا لم تُعالَج بحلول عملية وعادلة. وعندما يشعر المواطن بأن فرص العمل تذهب إلى غيره رغم قدرته وكفاءته، فإن ذلك قد يفاقم الإحباط ويؤثر سلباً في الاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن إدارة سوق العمل بعدالة وتنظيم، وتحقيق توازن بين الاستفادة من العمالة الوافدة وتمكين الكفاءات الوطنية، أمر بالغ الأهمية للحفاظ على السلم المجتمعي.

      المواطن اليوم لا ينتظر عبارات التسويف أو المؤتمرات الشكلية، بقدر ما يتطلع إلى قرارات واضحة وإجراءات ملموسة تعالج جذور المشكلة. فالحلول – في كثير من الأحيان – معروفة، لكنها تحتاج إلى إرادة تنفيذ وحسن إدارة ومتابعة جادة.

      كما أن شريحة الآباء المتقاعدين تواجه أعباءً متزايدة، تجمع بين تكاليف العلاج ومتطلبات المعيشة، إضافة إلى مساندة أبنائهم الباحثين عن عمل، الذين قد تثقل كاهلهم التزامات مالية مثل أقساط المركبات أو قروض الزواج أو فواتير الخدمات الأساسية. وهذا الواقع يضاعف الضغوط على الأسرة، ويجعل معالجة ملف التوظيف أولوية اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

      إن التعامل الحكيم مع هذه التحديات، عبر سياسات تشغيل فعّالة، وتنشيط القطاع الخاص، وتوفير شبكات أمان اجتماعي متوازنة، هو السبيل لتفادي تراكم الأزمات وضمان استقرار المجتمع واستدامة التنمية.

      ٢٤ فبراير ٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك