-
-
قراءة في شهادات الأجانب حول انتقال الحكم في عُمان – ٣٤٦
قراءة في شهادات الأجانب حول انتقال الحكم في عُمان ودورهم في بناء الدولة
كُتبت العديد من الروايات حول إزاحة السلطان سعيد بن تيمور – رحمه الله – وتسلُّم ابنه السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – مقاليد الحكم من بعده. وقد روى جانبًا من هذه الأحداث عدد من الضباط والخبراء البريطانيين الذين خدموا في الجيش العُماني، سواء كضباط وقادة فصائل وكتائب، أو خبراء فنيين وطيارين وأطباء ومدربين، وذلك في إطار التفاهمات التي أُبرمت مع الحكومة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل وحتى قبل ذلك منذ تأسيس نواة الجيش العُماني عام ١٩١٩ بكتيبة مشاة صغيرة.
وقد شارك هؤلاء في أحداث مفصلية شهدتها البلاد، مثل حرب الجبل الأخضر، ثم حرب ظفار لاحقًا. غير أن الملاحظ أن بعض من كتبوا مذكراتهم منهم حرصوا على إبراز أدوارهم الشخصية بصورة بطولية، سعيًا لاستمالة القارئ وكسب الشهرة، وهو أمر مألوف في كثير من الكتابات الذاتية.
ومع ذلك، فإن وجود هؤلاء الأجانب – ومنهم أيضًا الجنود البلوش المكرانيون الذين جُلبوا من بلوتشستان قبل بدء تجنيد أعداد كبيرة من العُمانيين – كان في سياقه التاريخي ضرورة فرضتها ظروف تلك المرحلة. كما يجدر التأكيد على أن الوجود البريطاني في عُمان لم يكن احتلالًا بالمعنى الاستعماري المباشر، بل جاء بطلب من الحكومة العُمانية آنذاك، التي كانت بحاجة إلى خبرات عسكرية وإدارية للمساعدة في تثبيت أركان الدولة ومواجهة الصراعات الداخلية.
وفي تلك الحقبة، خصوصًا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن البيئة العربية المحيطة مستقرة سياسيًا؛ إذ كانت العديد من الدول العربية تعيش صراعات أيديولوجية حادة بين أنظمة ملكية وجمهورية، فضلًا عن نزاعات داخلية وتنافسات إقليمية، الأمر الذي جعل الاعتماد على الخبرات الغربية خيارًا عمليًا في نظر صانع القرار آنذاك.
ورغم الفوارق في العِرق والعادات والتقاليد والدين، فإن ما ميّز الكثير من أولئك الخبراء البريطانيين هو تقدمهم العلمي وانضباطهم المهني، وهو ما أسهم في نقل الخبرة وبناء مؤسسات حديثة. ولا شك أن بعض الأصوات العربية المتشددة آنذاك كانت ترفض هذا التعاون بدوافع أيديولوجية أو قومية، بل وسعت أحيانًا إلى تأجيج المشاعر الدينية والاجتماعية ضده، غير أن الواقع فرض مسارًا مختلفًا.
وعلى المستوى الشخصي، فقد كانت لي تجربة مباشرة مع بعض هؤلاء الضباط والخبراء، والبريطانيين بصفة عامة. فقد درست في بيت الفلج في ستينيات القرن الماضي، والسبعينات في بريطانيا، وسكنت معهم، ثم عملت لاحقًا بصحبتهم في مجال الاتصالات، حيث كان بعض رؤسائي في العمل من البريطانيين. وقد تعلمت من خلال الاحتكاك بهم الكثير في مجالات الانضباط والعمل المؤسسي.
وأذكر أن الضابط البريطاني مالكوم دينيسون – إن لم تخنّي الذاكرة – كان له دور في تسهيل إقامتنا أنا وأخي علي في معسكر بيت الفلج أثناء دراستنا في مطرح، وذلك استجابة لطلب والدي حين التحق بالخدمة العسكرية. وقد نشأت بينه وبين والدي صداقة استمرت سنوات، وأسهمت لاحقًا في انتقال والدي للعمل في جهاز الأمن الداخلي عند تأسيسه، كما ساعد والدي بدوره في توظيف عدد من شباب ولاية إبراء في الجهاز نفسه.
كما لا ننسى أن ستينيات القرن الماضي شهدت تجنيد أعداد كبيرة من العُمانيين، خصوصًا إبان حرب ظفار، حيث التحق كثيرون بالخدمة العسكرية، وتدرج بعضهم في الرتب حتى أصبحوا ضباطًا، وأسهموا في إخماد التمرد المسلح آنذاك. وكان من بين هؤلاء عدد من أبناء المنطقة الشرقية، ومنهم والدي – رحمه الله – إضافة إلى عدد من أفراد قبيلته وغيرهم من أبناء إبراء، الذين شكلوا نواة وطنية أسهمت في بناء الجيش العُماني الحديث.
إن قراءة تلك المرحلة تقتضي الإنصاف والوعي بظروفها التاريخية، بعيدًا عن التبسيط أو الأحكام المسبقة؛ فهي مرحلة تأسيسية معقدة، تداخلت فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية، وأسهمت في رسم المسار الذي سلكته عُمان لاحقًا في نهضتها الحديثة.
١٢ فبراير ٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








