1. شهادة من الذاكرة – ٣٤٣

      اللواء محمد بن عبد الله الريامي وزنجبار كما كانت

      مساء الجمعة ٢٣ يناير ٢٠٢٦، تابعتُ باهتمام حديث اللواء المتقاعد من شرطة عُمان السلطانية محمد بن عبد الله بن مسعود الريامي، في لقاء ثري عبر برنامج «مصعد البودكاست» مع الإعلامي مازن الهدابي.

      اللواء الريامي هو خريج كلية الشرطة في العراق، وقد التحق بشرطة عُمان السلطانية لاحقًا كمتدرب من جديد، وذلك إبان تولي مفوض الشرطة والجمارك دسيلفا (سيرلانكي الجنسية)، الذي جاء خلفًا للمفوض البريطاني رتشموند.

      في هذا اللقاء، سرد الريامي قصة حياته وكفاحه بتفصيل صادق، مستعيدًا محطاتٍ مفصلية من تاريخ شخصي يتقاطع بعمق مع تاريخ عُمان وزنجبار.

      زنجبار: الطفولة والذاكرة الأولى

      تحدث اللواء الريامي عن مكان ولادته في زنجبار خلال فترة الخمسينيات وجزء من الستينيات، وهي مرحلة كان فيها الوجود العربي – والعُماني تحديدًا – حاضرًا بقوة في الحياة الاجتماعية والسياسية. واستعرض الأوضاع العامة في زنجبار خلال العشر سنوات الأولى من عمره، منذ طفولته وحتى مغادرته لها.

        ومع تصاعد الاضطرابات السياسية، انتقل الريامي مع والديه وإخوته الخمسة إلى القاهرة، ضمن مجموعة من الطلبة العُمانيين المولودين في زنجبار، مستفيدين من التسهيلات التعليمية التي قدمتها مصر آنذاك في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، صاحب مشروع القومية العربية.

      العُمانيون في زنجبار: مجتمع وثقافة وهوية

      وخلال الحوار، ذكر الريامي أسماء شخصيات وقبائل عُمانية مؤثرة كان لها حضور فاعل في زنجبار، تنتمي إلى قبائل من محافظتي الداخلية وشمال الشرقية، مثل:

      الحرث وبني رواحة، بني خروص، بني ريام، وبني لَمَك.

      كما قدّم صورة عامة عن حياة العرب في زنجبار، ومجالسهم، وأنماط تواصلهم الاجتماعي، متطرقًا إلى الأسرة البوسعيدية وآخر ثلاثة من سلاطينها الذين حكموا زنجبار، وطبيعة نظام الحكم هناك.

        الانقلاب وتفكك المجتمع العربي

      وسرد اللواء الريامي تفاصيل الإطاحة بالحكم العُماني في زنجبار عام ١٩٦٤، وما تبعها من تشريد للسكان العرب، وسلبٍ لأموالهم وممتلكاتهم، والاستيلاء على مزارعهم وتوزيعها على الأفارقة.

      وأكد أن الانقلاب كان مخططًا له مسبقًا من خارج زنجبار، بالتعاون مع المستعمر البريطاني، وبقيادة شخصية كنسية عنصرية من دولة مجاورة، وهو ما أدى إلى انهيار منظومة اجتماعية كاملة خلال أيام معدودة.

      القاهرة، بغداد، ثم العودة إلى الخليج

      انتقل الريامي في حديثه إلى مرحلة إقامته في القاهرة في ظل حكم مجلس قيادة الثورة، مشيرًا إلى احتجاز كل من كان يحمل جواز السفر البريطاني الصادر من زنجبار، للاشتباه في معارضتهم للثورة.

      ومن القاهرة، شدّ رحاله إلى بغداد للالتحاق بكلية الشرطة، ثم عاد مجددًا إلى مصر، حيث توسط له اللاجئ السياسي الشيخ صالح بن عيسى الحارثي لدى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ليعمل في إمارة أبوظبي، قبل أن يستقر رأيه أخيرًا على العودة لخدمة بلاده سلطنة عُمان.

        قراءة في المشهد العام

      المتتبع لحديث اللواء محمد بن عبد الله الريامي، تتشكل لديه صورة واضحة عن الحياة في زنجبار آنذاك، وكيف استطاع العُمانيون التكيف مع بيئتها، وبناء مجتمع عُماني متعلم ومثقف.

      ومن المعروف تاريخيًا أن العديد من العلماء العُمانيين هاجروا إلى زنجبار طلبًا للعلم والمعرفة، خاصة وأن زنجبار كانت على صلة ثقافية وثيقة بمصر، في عهد الملك فاروق وما بعده. وقد تأثر بعض العُمانيين بأساليب السلوك والـإتيكيت التي انتقلت إلى مصر من الأتراك، وكذلك بتجارب العراق وبريطانيا.

      وعندما عاد هؤلاء إلى عُمان في بدايات السبعينيات، كانوا من الركائز الأساسية في نهضة الدولة الحديثة، وأسهموا في مختلف القطاعات، مستفيدين من ثقافتهم الواسعة وتمكنهم من اللغة الإنجليزية التي كانت لغة العمل السائدة آنذاك.

        حقبة صنعت الرجال

      إن حقبتي السبعينيات والثمانينيات لم تكونا مجرد سنوات بناء مؤسسي، بل كانتا ثمرة لتجارب إنسانية عميقة، حملها جيلٌ عاش الغربة، والاقتلاع، ثم عاد ليبني وطنه بعلمٍ وخبرةٍ وانتماء.

      وحديث اللواء محمد بن عبد الله الريامي ليس مجرد سيرة شخصية، بل شهادة تاريخية حية تستحق التوثيق والتأمل....لا يخلو حديث اللواء محمد بن عبد الله الريامي من التشويق، خاصة عند استحضاره لبعض الشخصيات العُمانية المرموقة التي كانت معروفة وفاعلة في المجتمع العُماني، داخل عُمان وخارجها.

      ومن باب المثال لا الحصر، أشار الريامي إلى الشيخ صالح بن عيسى الحارثي، الذي استقرت إقامته في مصر، ويُرجّح أنه كان لاجئًا سياسيًا، وقد كان له دور بارز في رعاية مصالح العُمانيين هناك، والوقوف إلى جانبهم في مراحل حساسة من تاريخهم.

       كما ذكر الشيخ عبد الله بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي، أحد أبرز شيوخ وعلماء قبيلة الحرث، وهو واحد من أحد عشر أخًا من الذكور، عُرفوا جميعًا بمكانتهم الاجتماعية المرموقة في محافظة شمال الشرقية. وقد عُرفت هاتان الشخصيتان تاريخيًا؛ الأولى بـأولاد صالح، والثانية بـأولاد حميد.

      وأشار الريامي – على سبيل الظن لا الجزم – إلى أن إحدى بنات الشيخ عبد الله هي الأخت شريفة، زوجة رجل الأعمال المعروف محمد البرواني، صاحب الشركة العاملة في مجال النفط في صحراء عُمان.

      كما تطرق في حديثه إلى شقيقته التي وافتها المنية في حادث سقوط طائرة، وكانت زوجة المصور التلفزيوني المعروف تغلب البرواني، مع إبداء التمني بعدم الخطأ في هذا السياق.

      وفي المجمل، تضمن حديث اللواء الريامي إشارات إلى عدد كبير من الشخصيات العُمانية التي كان لها حضور اجتماعي مؤثر، وأسهمت – كلٌّ من موقعه – في مسيرة النهوض وبناء الدولة الحديثة في عُمان.

      الجمعة ٢٣ يناير ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك