1. بين مجد السياسة وتهميش الداخل قراءة في واقع عُمان قبل النهضة – ٣٣٧

       كثيرًا ما يُشَاد بالسياسة العُمانية والعلاقات الخارجية في فترات حكم سلاطين البوسعيد، غير أن التساؤل المشروع يظل قائمًا: كيف كان الوضع الداخلي آنذاك؟ فالتاريخ لا يحدّثنا عن تحديث أو تطوير حقيقي في الداخل العُماني

       

      فحتى عهد السلطان سعيد بن تيمور، كان عُمان الداخل يعاني الفقر والجهل وغياب أبسط مقومات الحياة. وقد ساد فكر متشدد لدى بعض المتنفذين، حُرِّم فيه كل ما هو حديث؛ فلبس البنطال كان مرفوضًا، وتمشيط الشعر للرجال مستهجنًا، بل حتى استخدام الصابون والاستحمام به عُدّ أمرًا محرّمًا، وكذلك تعليق الصور على الجدران

       

      ووصل الأمر إلى إنكار هبوط الإنسان على القمر، واعتبار المذياع (الراديو) من أعمال الشياطين، مع خلطٍ واضح بين علوم الدين والخرافة والسحر، وانتشار الشعوذة في ظل غياب الطب الحديث.  فالمريض الذي يعاني من الشقيقة (الصداع النصفي) كان يُضرب أو يُكوى بالنار بزعم إخراج “الشيطان” من جسده، وقد تعرضت أختي في الستينات – رحمها الله – لإحدى هذه الممارسات نتيجة انعدام المستشفيات. إذ لم يكن في سلطنة عُمان بأكملها سوى مستشفى واحد، مع بعض المستوصفات المحدودة التي يكاد دورها لا يُذكر

       

      وكانت أساليب العلاج بدائية إلى حدٍّ كبير؛ فالجفاف يُعالج بدهن كعبي القدمين بالجريس (زيت تشحيم السيارات)، بينما اقتصر العلاج في الغالب على نزلات البرد. أما التعليم، فلم يتجاوز القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، ليخرج الطالب بعدها إلى أعمال شاقة كقيادة الحمير لجلب الرمل والحصى، أو الفلاحة لتأمين قوت يومه

       

      كما أن حكومة مسقط (سلطنة مسقط وعُمان) آنذاك كانت تفرض ضرائب على القادمين من عُمان الداخل، حتى على أبسط السلع، كقوارير العسل وأجربة التمر وأكياس الليمون المجفف، وذلك عند نقطة حلة السد قرب موقع مستشفى النهضة حاليًا، ولا تزال بقايا جدار القطع شاهدة على تلك المرحلة

       

       ومن اللافت أن كثيرًا من علماء اللغة والدين، كالشيخ أحمد  الخليلي، تخرجوا في مدارس زنجبار، كما أن معظم الكفاءات العُمانية التي ساهمت في نهضة السبعينيات كانوا من خريجي مدارس شرق أفريقيا؛ (تنزانيا، رواندا، بروندي، او غندا، وكنيا). فهم من تولى الاعمال في البنوك وشركات البترول والتمريض في المستشفيات الحكومية، لم تعتم عمان كساءر البلدان المجاورة على الوافدين العرب إلى في بعض مهن التدريس، فهذه حقائق تاريخية لا يجوز إنكارها، بل ينبغي الاعتراف بها لفهم الماضي بوعي، وتقدير التحول الكبير الذي شهدته عُمان لاحقًا

      1. عبد الله السناوي - شارك