-
-
تجربتي بعد التقاعد الإجباري من شركة عمانتل - ٣٣٠
عندما أُحلت إلى التقاعد الإجباري في يونيو من عام ٢٠٠٣، كان السبب – كما قيل آنذاك – هو تمهيد إدارة الشركة لخصخصتها، أي تحويلها من قطاع عام إلى قطاع خاص لتصبح شركة ربحية تعتمد على مردودها بدلاً من الدعم الحكومي. كان الهدف من ذلك تمكين الموظفين المحالين للتقاعد من الاستفادة من نظام التقاعد الحكومي، وإتاحة الفرصة للشركة لمنافسة القطاعات الأخرى المماثلة لها في العالم، وكذلك فتح المجال أمام شركات عالمية أخرى لممارسة أنشطتها داخل البلاد، ليعود هذا التنافس بالنفع في نهاية المطاف على المواطن
ولكن للأسف، لم تكن الطريقة التي تم بها إحالة العنصر البشري إلى التقاعد مرضية، لا من الناحية المالية ولا من الناحية الإنسانية، وذلك بالنظر إلى ما قدمه هؤلاء الموظفون وما أفنوه من أعمارهم في سبيل النهوض بالشركة ووضعها على الطريق الصحيح. فقد كان أولئك الموظفون من أكفأ الكوادر، استقدمت خبراتها من قطاعات مختلفة داخل وخارج البلاد، وساهمت في بناء هذه الشركة الحديثة التي ورثت إرث شركة "كابل أند وايرلس" الإنجليزية (شركة البرق والهاتف واللاسلكي) في عام ١٩٧٥ التي احتكرت قطاع الاتصالات في سلطنة عمان ودول الخليج العربي لعقود طويلة
على أي حال، وبعد أن وجدت نفسي أمام الأمر الواقع، كان لا بد أن أواجه التزاماتي المالية تجاه البنوك، وكذلك مسؤولياتي الأسرية تجاه أبنائي الذين يدرسون في مدارس خاصة. حاولت الموازنة حتى لا ينعكس هذا التقاعد المفاجئ سلبًا على تحصيلهم الدراسي، كما سعيت إلى سداد ما اقترضته خلال مسيرتي العملية، مثل أقساط السيارة، وسلفة الزواج، وأقساط بناء المسكن
درست السوق جيدًا، وقررت العمل في مجال أستطيع من خلاله تحقيق دخل ثابت، فافتتحت محلًا لبيع الأدوات المكتبية والقرطاسية والمجلات، بالإضافة إلى تقديم خدمات نسخ المستندات. وأضفت إلى نشاطي إصلاح الطابعات والناسخات والأجهزة الإلكترونية، وهي أعمال كنت أتقنها
كما تعاملت مع مكاتب "سند" في ولاية إبراء والولايات المجاورة، ووفّرت لهم الأحبار وورق التصوير، إلى جانب خدمات صيانة الطابعات. امتدّ نشاطي أيضًا إلى بعض المديريات الحكومية في الولاية. وبفضل الله سبحانه وتعالى، نجحت في تحقيق ما كنت أطمح إليه، مما شجّعني على التوسع أكثر، حيث حصلت على وكالة النقل العام في إبراء، وأبرمت عقدًا مع الشركة الوطنية للنقل لأصبح وكيلًا لخدماتها في الولاية، متوليًا مهام استلام الطرود البريدية وبيع تذاكر السفر
وبذلك، تمكنت – بفضل الله – من الوفاء بالتزاماتي المنزلية وسداد ديوني البنكية التي تراكمت بسبب هذا التقاعد الإجباري المفاجئ والمجحف
التقاعد الإجباري ومعاناة الزملاء؛
عندما أُحلت إلى التقاعد بمعيّة زملائي القدامى الذين تجاوزت مدة خدمتهم في الشركة أقل من ثلاثين سنة، أي جميع من التحقوا بالعمل في أغسطس من عام 1975، إضافة إلى من نُقلت خدماتهم من شركة "كابل أند وايرلس"، وكذلك الذين التحقوا بعد تخرجهم وتدريبهم في كلٍّ من المملكة المتحدة ومصر والسعودية ودولة الكويت؛ تفاجأ الجميع، وعددهم يقارب مئتي موظف، بإحالتهم إلى التقاعد دفعة واحدة
كان من بين هؤلاء الموظفين موصّلو خطوط، وفنيون، ومهندسون، ورؤساء أقسام، ومديرون، ومديرون عامون، وجميعهم من الكفاءات التي أسهمت في تأسيس الشركة وتطورها. لكنهم صُدموا بقرار الإحالة المبكر الذي بُرّر بأنه تمهيد لاستجلاب "دماء جديدة" من الأجانب بدلًا من العمانيين، أي جلب عمالة وافدة أقل تكلفة لتعويض الكوادر الوطنية
أثار هذا الإجراء غضب الموظفين واستياءهم الشديد، إذ اعتبروه قرارًا جائرًا وتعسفيًا لا يستند إلى مبرر منطقي أو إنساني. فهؤلاء الموظفون أمضوا سنوات طويلة في خدمة الشركة، وكان من الأجدر أن يُعاد تأهيلهم وتدريبهم بدلًا من الاستغناء عنهم بهذه الطريقة. وقد تبيّن لاحقًا أن هذا القرار جاء بناءً على توصية من الشركة الأجنبية التي أُسندت إليها مهمة خصخصة الشركة، حيث نظرت إلى الموضوع من منظور تجاري بحت، دون مراعاة للبيئة العُمانية أو البُعد الاجتماعي للقرار
لم يقف الموظفون مكتوفي الأيدي، بل رفعوا قضيتهم إلى المحاكم، بدءًا من المحكمة العمالية، ثم الإدارية، فالتجارية، وصولًا إلى المحكمة العليا، حيث ظلت القضية عالقة لأكثر من سبع سنوات دون حسم. وبعد طول انتظار، أعيد تحريك القضية مجددًا، فقام هؤلاء الموظفون برفعها إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي أمر بحلها وإنصاف المتضررين بعد نحو ثماني سنوات من ترددها في أروقة المحاكم المختلفة
أثر تقاعد رب الأسرة المفاجئ على الأسرة؛
يفقد الرجل سلطته على بيته عندما يفقد عمله، سواء أكان ذلك بإحالته إلى التقاعد المبكر، أو فصله، أو استقالته بإرادته، أو لأي سببٍ آخر، سواء كان موظفًا أو صاحب عمل
وتبدأ مشكلته حين ينشغل بأمورٍ تلهيه عن مسؤولياته الأسرية، فيتكل على زوجته في إدارة شؤون المنزل، خاصةً عندما ينهمك في البحث عن سبلٍ لتسديد ديونه والتزاماته المالية بعد فقدان مصدر دخله
ومع مرور الوقت، تتحمل الزوجة مسؤولية النفقة، وتصبح هي القائمة بشؤون الأسرة، لتحل محل الزوج في القِوامة، فيفقد الرجل دوره الطبيعي داخل البيت
وهنا تبدأ العلاقة بينهما في التدهور؛ إذ تبتعد الزوجة تدريجيًا عن طاعة زوجها، وتستغل ضعفه وعدم اتكاله على نفسه، خصوصًا إن كانت من غير معدنٍ أصيل، فتميل إلى التمرد عليه
وتظهر بوادر هذا التمرد في سلوكياتٍ عديدة، مثل: تأخرها عن العودة من العمل، وابتعادها عن مشاركة الأسرة مائدة الطعام كما كانت تفعل سابقًا، وسرعة انفعالها أثناء النقاش، ومخاصمتها لعاملة المنزل، وإهمالها لزوجها من حيث الجلوس معه أو الاهتمام بمظهره أو مرافقته في زيارة أهله
كما تبدأ في التذمر أو اختلاق الأعذار حين يرغب الزوج في دعوة أهله إلى منزله، وقد تخرج للعمل في وقتٍ مبكرٍ على غير عادتها، أو ترفع صوتها وتجادله، أو تُظهر غيرةً غير مبررة من الخادمة
لكن أخطر ما في الأمر هو امتناعها عن تلبية حق زوجها في الفراش، فذلك من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الزوجين، وقد تنتهي العلاقة بالانفصال
هذه العواقب الاجتماعية لا يُلقي لها أصحاب القرار أو بعض جهات العمل الاهتمام الكافي، رغم أنها قد تؤدي إلى مشكلاتٍ مجتمعيةٍ لا حصر لها. فإهمال بعض الأمور، مثل التسريح العشوائي للعمالة، وتزايد أعداد الباحثين عن عمل، ومنافسة العمالة الوافدة للعمالة الوطنية، ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع والاقتصاد معًا
وقد يظن بعض المسؤولين أن هذه القضايا بسيطة أو عابرة، لكنها في الواقع تتفاقم مع مرور الوقت حتى تُحدث آثارًا عميقة تمسّ البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة. ومن أبرز نتائجها: ارتفاع معدلات البطالة، وكثرة النزاعات والقضايا في المحاكم، وازدياد حالات السجن، وانتشار التذمر الشعبي من السياسات العامة
ويؤدي ذلك إلى اضطراباتٍ سياسيةٍ محتملة، وإلى ضعف إحساس المواطن بالعدالة الاجتماعية، خاصة عندما يلمس عدم التوازن بين الطبقات، حيث تتسع الفجوة بين الطبقة الغنية المتنفذة والطبقة الفقيرة المحدودة الدخل، أو عندما يرى أن البعض يتسلط على القوانين دون محاسبة
إن مثل هذه الأوضاع تستدعي دراسةً معمقة من قبل الخبراء والمختصين، لما لها من تأثير مباشر على سمعة الدولة واستقرارها، وثقة المواطنين بقيادتها، إذ إن استمرار هذا الخلل قد يفتح المجال أمام تزايد الأصوات الناقدة والمعارضة لسياساتها
٨ نوفمبر ٢٥
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








