1. العلاقات العمانية الزنجبارية بين الماضي والحاضر - ٣٢٨ 

      يُعدّ الشعب الزنجباري في غالبيته من المسلمين السنة، غير أن الوجود الإباضي كان بارزًا في فترة الحكم العماني، إذ كان كثير من المسؤولين والإداريين العمانيين من أتباع المذهب الإباضي

      أما اليوم، فإن الإدارة المحلية في زنجبار يغلب عليها الطابع الشيرازي، وهم فئة تنتسب أصولها إلى مدينة شيراز في إيران، حيث هاجرت جماعات من التجار الشيرازيين في القرن التاسع الميلادي إلى سواحل شرق إفريقيا، فاستقرت هناك واعتنقت الإسلام، ثم اختلطت وتزاوجت مع السكان الأفارقة. ومنذ ذلك الحين أصبح من النادر أن ترى شيرازيًّا ببشرة غير سمراء، نتيجة التمازج العرقي والثقافي الذي استمر قرونًا طويلة

      كان الانقلاب على الحكم العماني في زنجبار عام 1964م نتيجة توتر سياسي واجتماعي متصاعد بين العرب والشيرازيين والأفارقة. فبعد فوز الحزب الموالي للعرب في الانتخابات البرلمانية، شعر الشيرازيون والأفارقة بالتهميش والإقصاء عن المشاركة السياسية، مما أجّج الغضب وأدى إلى الثورة الدموية التي أنهت الوجود العماني الرسمي في الجزيرة

      ومع مرور الزمن، أدرك الشيرازيون والأفارقة فداحة ما جرى، وتبيّن لهم أن ما ارتكبوه من مجازر ضد العمانيين ومصادرة لمزارعهم وممتلكاتهم قد أضرّ باقتصاد زنجبار واستقرارها الاجتماعي. لذلك سعت الحكومة الزنجبارية لاحقًا إلى إعادة بناء علاقات ودية مع العرب العمانيين

      إلا أنّ السلطنة في عهد السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله، تعاملت بحذر في مسألة استعادة العلاقات المباشرة مع زنجبار، نظرًا لتبنّي الأخيرة النظام الاشتراكي بعد اتحادها مع تنجانيقا وتشكيل جمهورية تنزانيا الاتحادية، في وقت كان فيه السلطان قابوس يخوض صراعًا ضد الحركات الشيوعية في ظفار

      ورغم كل ذلك، ما زال الزنجباريون الأفارقة يكنّون الولاء والتقدير للعمانيين، لما تركوه من أثر حضاري وإنساني في الجزيرة. فقد أسهم العمانيون في نشر الإسلام، وتعليم السكان، وبناء المساجد، وتأسيس نظم إدارية وتجارية متقدمة في زمانهم. واليوم تُعدّ زنجبار بلدًا مسلمًا ذا طابع عربي واضح، تنتشر فيها المساجد، ويُسمع الأذان في أرجاء الجزيرة، خصوصًا في المدن الكبرى، بينما في القرى الصغيرة تتخذ المساجد شكل المصليات البسيطة، لكنها تحظى بعناية ونظافة ملحوظة

      أما من الناحية الاجتماعية، فإن الزنجباريين – شأنهم شأن الأفارقة عامة – يتميزون بالود واللطف في التعامل، خصوصًا مع من يحترم ثقافتهم ويتحدث بلغتهم، حتى وإن كانت بلهجة مكسّرة، إذ يشعرون نحوه بالمودة والتقدير

      وعلى نطاق أوسع، نجد أن الشعوب الإفريقية في شرق القارة – من تنزانيا وأوغندا وكينيا إلى بوروندي ورواندا والكونغو – تشترك في علاقات تاريخية وثقافية عميقة مع العرب، وخاصة العمانيين. فهناك مصاهرة وتشابه اجتماعي وثقافي واضح، يمتد حتى إلى المأكولات والعادات اليومية التي تأثرت بالعلاقات القديمة منذ القرن التاسع الميلادي، وربما قبل ذلك، حين هاجر بعض العمانيين إلى سواحل إفريقيا فرارًا من بطش الدولة العباسية آنذاك

      ولذلك، حين يزور العُماني اليوم إفريقيا، لا يشعر بالغربة، فـاللباس متقارب، والعادات متشابهة، والروابط التاريخية ما زالت حية بين الشعبين العماني والزنجباري، شاهدة على حضارةٍ امتدت عبر قرون من التفاعل والتسامح

      ٢ نوفبر ٢٥

      1. عبد الله السناوي - شارك