-
-
زنجبار: الجزيرة التي جمعت بين عُمان وإفريقيا - ٣٢٥
الزيارة والذكريات؛
بعد واحدٍ وستين عامًا من زيارتي الأولى عام ١٩٦٤، عدت إلى جزيرة أنغوجا، كبرى جزر أرخبيل زنجبار التابعة لتنزانيا، والتي كانت ذات يوم جزءًا من السلطنة العُمانية. فقد عشت في طفولتي في مدينة ممباسا الكينية التي كانت بدورها خاضعة للحكم العُماني قبل استقلالها عام ١٩٦٤
نبذة عن زنجبار؛
زنجبار مجموعة من الجزر في المحيط الهندي، أهمها أنغوجا وبمبا. تمتاز بموقع استراتيجي قبالة الساحل الشرقي لإفريقيا، وكانت عبر القرون ملتقى للتجارة العالمية
تشتهر الجزيرة بتاريخها العريق كمركز لتجارة التوابل مثل القرنفل والقرفة والفلفل الأسود، كما تشتهر بشواطئها البيضاء ومدينة ستون تاون التاريخية التي أدرجتها اليونسكو ضمن مواقع التراث العالمي
سياسيًا، تتمتع زنجبار اليوم بحكم ذاتي ضمن جمهورية تنزانيا المتحدة، بينما اقتصادها يعتمد أساسًا على السياحة والزراعة وصيد الأسماك
العُمانيون وزنجبار: وحدة التاريخ والمصير؛
بدأ الوجود العُماني في شرق إفريقيا منذ القرن السابع الميلادي، وبلغ ذروته في عهد السلطان سعيد بن سلطان الذي نقل عاصمته من مسقط إلى زنجبار عام ١٨٣٢، لتصبح مركزًا سياسيًا وتجاريًا لإمبراطوريته الممتدة على طول الساحل الشرقي الإفريقي
بعد وفاة السلطان سعيد عام ١٨٥٦، نشب خلاف على الحكم بين ابنيه ثويني في عُمان وماجد في زنجبار، فتم عام ١٨٦١ تقسيم السلطنة رسميًا إلى دولتين مستقلتين: سلطنة عُمان وسلطنة زنجبار. ومع مرور الوقت، أخذ النفوذ البريطاني بالاتساع حتى أصبحت زنجبار محمية بريطانية، ثم نالت استقلالها عام ١٩٦٣ قبل أن تسقط سلطنتها بعد عام واحد فقط بثورة دامية
الإرث العُماني في زنجبار؛
ترك العُمانيون بصمات خالدة في مختلف جوانب الحياة في زنجبار؛
سياسيًا واقتصاديًا: جعلوا الجزيرة عاصمة للإمبراطورية العُمانية، وأسسوا شبكة تجارية واسعة امتدت إلى موانئ إفريقيا وآسيا
ثقافيًا وعلميًا: أنشأ السلطان برغش بن سعيد المطبعة السلطانية، فانتشرت الكتب والمدارس، وتحولت زنجبار إلى مركز للعلم والأدب في شرق إفريقيا
معماريًا: تميزت مبانيها التاريخية بالأبواب العُمانية المزخرفة، التي أصبحت رمزًا لهويتها المعمارية
اجتماعيًا: امتزجت الثقافة العُمانية بالأفريقية، مما أنتج هوية زنجبارية فريدة تتحدث السواحلية وتحتفظ بجذور عربية وإسلامية عميقة
العلماء العُمانيون في زنجبا؛
برز من زنجبار علماء أثروا الحياة الفكرية في عُمان وشرق إفريقيا، من أبرزهم؛
١- يوسف بن ناصر الخروصي الذي هاجر من عُمان عام ١٣٠٠هج
٢- سعيد بن علي المغيري مؤلف كتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار
٣- محمد بن علي المنذري رئيس القضاء في عهد السلطانين سعيد وماجد
٤- محسن البرواني وسليمان العلوي وغيرهم ممن كان لهم أثر في الحركة العلمية والدعوية
٥- وفي العصر الحديث من ابرز العلماء أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمانالذي ولد ونشأ في زنجبار
٦- ومن ابطال العمانيين في "تانجانيقا" المتحدة مع زنجبار حاليا (تنزانيا)؛ الشيخ الشهيد بشير بن سالم بن بشير البرواني الحارثي كان من أبرز المجاهدين ضد الاستعمار الألماني في شرقي إفريقيا، عُرف بشجاعته وإقدامه، وقاد حربًا عُرفت بـ"الحرب الألمانية". بدأت شرارة الثورة عندما انتهك الألمان حرمة أحد المساجد في تانجا خلال شهر رمضان، باقتحامه ومعهم كلابهم، مما أثار غضب المسلمين. سبق ذلك استفزاز آخر تمثل في تمزيق الحاكم الألماني إميل فون زالفسكي علم سلطان زنجبار وفرض الضرائب على رعاياه. أثارت هذه التصرفات حفيظة المسلمين في عموم الساحل الشرقي الإفريقي، فاجتمعوا تحت راية الشيخ بشير لإعلان الجهاد. دعم سلطان أوسامبارا الشيخ بستة آلاف مقاتل، وانضم إليهم عشرات الآلاف حتى بلغ عدد المجاهدين نحو عشرين ألفًا تمكنوا من دحر الألمان في معظم المناطق. غير أن الألمان استعانوا بمرتزقة سواحليين وبقوات إضافية لقمع الثورة. كما تعاونت بريطانيا مع ألمانيا بفرض حصار بحري لقطع الإمدادات عن الثوار. وبالرغم من بسالة المجاهدين، انتهت المعركة بأسر الشيخ بشير البرواني، الذي أُعدم شنقًا في ١٥/ ١٨٨٩/١٢م، شهيدًا في سبيل الله والوطن. (اقتباس من نقالة ناصر بن عبدالله الريامي مؤلف كتاب (زنجبار: شخصيات وأحداث)
الثورة والانقلاب عام ١٩٦٤ ؛
في ١٢ يناير ١٩٦٤ اندلعت ثورة دامية أطاحت بالسلطان جمشيد بن عبد الله، آخر سلاطين زنجبار
قاد الحركة الثورية عبيد كرومي زعيم الحزب الأفروشيرازي، الذي تشكل من تحالف بين الحزبين الأفريقي والشيرازي. ورغم أن الشرطي الأوغندي جون أوكيلو نفّذ الهجوم العسكري على القصر، إلا أن القيادة الفعلية كانت بيد كرومي
جاءت الثورة نتيجة احتقان اجتماعي وعرقي بين الأغلبية الإفريقية والسكان العرب الذين احتفظوا بالسلطة رغم فوز الأحزاب الإفريقية في الانتخابات. بعد سقوط القصر السلطاني، اندلعت مذابح مروعة قُتل فيها ما بين ١٣ إلى ٢٠ ألفًا من العرب، واضطر السلطان جمشيد إلى الفرار إلى المنفى في بريطانيا، حيث بقي هناك لعقود
من هو السلطان جمشيد؟
السلطان جمشيد بن عبد الله هو آخر سلطان لسلطنة
زنجبار، وقد تولى الحكم من عام ١٩٦٣ إلى ١٩٦٤ قبل أن تتم الإطاحة بحكمه إثر ثورة زنجبار. ولد في زنجبار عام ١٩٢٩ وتوفي في ديسمبر ٢٠٢٤. بعد سقوط حكمه، عاش في المنفى في بريطانيا لسنوات طويلة قبل أن يعود إلى سلطنة عمان ليقضي أيامه الأخيرة هناك.
تاريخ الحكم: تولى السلطنة في زنجبار في يوليو ١٩٦٣، لكن حكمه انتهى بسرعة في يناير ١٩٦٤ بعد ثورة أدت إلى سقوط النظام.
المنفى: غادر زنجبار مع حاشيته واستقر في بريطانيا حيث عاش لسنوات عديدة. رفض عرضًا للعودة إلى زنجبار بعد العفو عنه في عام ٢٠٠٠، مفضلًا البقاء بعيدًا عن الأضواء.
عودة إلى عمان: في عام ٢٠٢٠، عاد إلى سلطنة عمان، بلد أسلافه، ليقضي بقية أيامه بعد الموافقة على طلبه.
الوفاة: توفي في ٣٠ عن عمر يناهز ٩٥ عامًا.
أعلنت الثورة قيام جمهورية زنجبار الشعبية بقيادة عبيد كرومي، وأنهت بذلك حكم سلالة البوسعيد الذي دام أكثر من قر
دور الحزب الأفروشيرازي؛
تأسس الحزب نتيجة اندماج الحزب الشيرازي والحزب الأفريقي، وكان هدفه إنهاء هيمنة العرب على السلطة. وبعد الثورة، أصبح الحزب القوة الحاكمة في الجزيرة، ثم اندمج لاحقًا مع حزب تنجانيقا لتكوين حزب الثورة الذي لا يزال يحكم تنزانيا حتى اليوم
الشيرازيون وتحالفهم مع الأفارقة؛
الشيرازيون هم جماعة من أصول فارسية استقرت في شرق إفريقيا منذ القرن التاسع الميلادي. اندمجوا في المجتمع السواحلي واعتنقوا الإسلام، وتحدثوا السواحلية. ومع الزمن، تحالفوا مع الأفارقة ضد الحكم العربي، وشكلوا معًا القوة الرئيسة في ثورة ١٩٦٤، مدفوعين بشعور بالتمييز الاجتماعي والاقتصادي من الطبقة الحاكمة
نتائج الثورة وتداعياتها؛
١- أدت الثورة إلى تغييرات جذرية في تاريخ زنجبار
٢- سقوط السلطنة ونهاية حكم البوسعيد
٣- إعلان النظام الجمهوري
٤- انضمام زنجبار إلى اتحاد تنجانيقا لتشكيل جمهورية تنزانيا المتحدة في أبريل ١٩٦٤
رغم أن الاتحاد أنهى الصراع السياسي، إلا أن آثار المذابح بقيت جرحًا في ذاكرة العرب الزنجباريين الذين نزح كثير منهم إلى عمان ودول الخليج
زنجبار اليوم: اقتصاد وسياحة؛
اقتصاد زنجبار يعتمد على السياحة التي تمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها الزراعة وصيد الأسماك.
وتُعد الجزيرة وجهة عالمية بفضل شواطئها وطبيعتها الساحرة وتراثها التاريخي
أما علاقتها مع تنزانيا الأم فهي علاقة تكامل اقتصادي ضمن نظام اتحادي يمنح زنجبار استقلالية واسعة في شؤونها الداخلية، مع تعاون مشترك في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتنمية
خاتمة؛
زنجبار ليست مجرد جزيرة جميلة في المحيط الهندي، بل هي ذاكرة تاريخية مشتركة بين عُمان وإفريقيا. شهدت أمجادًا حين كانت عاصمة للإمبراطورية العُمانية، ثم مآسيَ بعد الثورة عام 1964. واليوم، ما تزال آثار الثقافة العُمانية حاضرة في عمارتها وأسواقها ولهجتها، شاهدة على قرونٍ من التفاعل الحضاري بين العرب والسواحليين، ومصدر إلهام لإحياء الروابط التاريخية والثقافية بين عُمان وزنجبار من جديد
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








