1. ممباس قرينة زنجبار في التاريخ العماني - ٣٢٠ 

      ممباسا "دار الوناسة" كما يتغنى بها العمانيون في تراثهم
      في تعداد كينيا لعام ٢٠١٩، بلغ عدد سكان مدينة ممباسا أكثر من مليون ٢٠٠ الف نسمة
      أما التقديرات الحديثة لعام ٢٠٢٥ فتُشير إلى أن التجمّع الحضري لممباسا بلغ أكثر من مليون ٥٥٣ الف نسمة تقريبًا
      كما أن مشروع “CityPopulation” ؛ (سكان المدينة)، يُعطي تحسينًا مماثلاً لتقديرات النمو في المدينة الحضرية
      بالتالي، يمكن القول إن عدد سكان ممباسا اليوم في حدود ١.٥ مليون تقريبًا إذا شملنا المناطق الحضرية المحيطة
      من الصعب تحديد نسبة سكان العرب في ممباسا، نسبة دقيقة معتمدة على بيانات رسمية حديثة تُفرّق العرب كجماعة عرقية منفصلة، لكن ما توفر؛
      وفقًا لمصادر ديموغرافية عامة، العرب في كينيا يُشكلون أقلية صغيرة، حيث يُذكر في المصادر أن عدد العرب في كينيا حسب تعداد ٢٠١٩ بلغ حوالي ٥٩.٠٢١ شخصًا
      في مقالة “Ethnic Groups – East Africa Living Encyclopedia” يُقال إن معظم العرب في كينيا يتركزون في ساحل البلاد، وأكثر من نصفهم في ممباسا
      لكن حتى لو افترضنا أن نصف العرب في كينيا في ممباسا (تقريبًا ٣٠.٠٠٠) من بين مليون و٢٠٠ الف، فهذا يعطي نسبة أقل من ٣٪ تقريبًا
      بعض المقالات تشير إلى أن العرب في الساحل لديهم مكانة تاريخية وثقافية مهمة رغم عددهم النسبي الصغير
      إن أهم معالم الحكم العماني في ممباسافي فترة سيطرة السلاطين العُمانيين؛ (خصوصًا من سلطنة زنجبار / البوسعيديين) على ساحل شرق أفريقيا، ترك العمانيون وبعض الأسر المرتبطة بهم بصمات معمارية وتاريخية في ممباسا، من أبرزها؛
      ١. قلعة فورت جيسوس
      (Fort Jesus) قلعة عيسى المسيح
      القلعة بُنيت في الأصل في أواخر القرن السادس عشر بواسطة البرتغاليين، لكنها تغيّرت ملكيتها عدة مرات، وفِي سنة ١٦٩٨ استولى عليها العمانيون بعد حصار دام نحو عامين
      العمانيون أضافوا تعديلات على القلعة وتركوا بعض النقوش الإسلامية والإضافات المعمارية.
      اليوم القلعة هي متحف وموضوعة ضمن التراث العالمي لليونسكو
      ٢. مسجد المندري
      (Mandhry Mosque / Mandhry Masjid)
      هذا المسجد يُعَدّ من أقدم المساجد في ممباسا، وقد أنشأه مستوطنون عُمانيون في حوالي عام ١٥٧٠م
      له مميزات فريدة من حيث الطراز المعماري، ويضم مئذنة بنمط محدّب ولديه اتجاهان للصلاة (ميْرابان)
      ٣. مقبرة عائلة مزروي
      (Mazrui Graveyard / Mazrui Cemetery) 
      أسرة "المزاريع" من أصول عمانية (من منطقة رستاق في عُمان) حكمت ممباسا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، هذه الأسرة نافست الأسرة البوسعيدية في حكم ممباسا ولم يستطيعوا البوسعيديين اخضاعهم تحت سلطتهم بالرغم من الحصار الذي ضربوه على المدينة، بعد تمرد الوالي المزروعي الذي ولي على ممباسا من قبل البوسعيديين، هذا وكانت للمزاريع مقبرة خاصة في ممباسا
      مقبرة "المزاريع" القبيلة التي حكمت ممباسا؛ تقع في زاوية من شوارع المدينة القديمة وهي من المعالم المرتبطة بوجود الأسرة الحاكمة العمانية
      ٤. مساهمة الشخصيات العمانية في الحياة الثقافية والتعليمية
      من بين هؤلاء علي بن سالم البوسعيدي، الذي كان من أفراد البيت العماني البوسعيدي، وقد لعب دورًا في الدفاع عن حقوق العرب في كينيا، وأنشأ مكتبة وبعض المدارس في ممباسا
      بعض الأعمال المعمارية في المدينة القديمة استخدمت عناصر الزخرفة الإسلامية والعربية تأثرًا بفترة الحكم العماني
      هذه المعالم — القلعة، المساجد القديمة، مقابر الأسر الحاكمة، وبعض البنايات في الحي القديم — تشكّل البصمات المادية البارزة التي خلفتها حقبة الحكم العماني في ممباسا
      ممباسا؛ بما أذكر، كانت نقطة وصل بين مسقط وبقية بلدان شرق أفريقيا، إذ ترسو فيها السفن الشراعية والسفن الميكانيكية التي تعمل بوقود الديزل. وأذكر في زيارتي الأولى لممباسا في بداية الستينات، حين سافرت من مسقط إلى أوغندا، ومن أوغندا إلى مسقط، كنا ننزل في بيت على طراز بيوت مطرح القديمة؛ يتكون من غرفة واسعة على هيئة "سبلة" (مجلس)، ملحق بها دورة مياه خارج المبنى، بمرحاض أرضي (عربي)
      وكان البيت ضيقًا مرتفعًا عن الشارع، يُسمّى "بيت الجمعية"، ويأوي إليه المسافرون العابرون إلى مناطق أخرى في أفريقيا. لست أدري إن كان يُدفع إيجار للسكن في هذا البيت أم أنه مجانًا، وكان العمانيون يطلقون عليه اسم "مسافر خانه"، وهو مسمى عجمي يُقصد به (بيت المسافرين
      جميع النزلاء يفترشون الأرض للجلوس والنوم، ولا توجد في هذه الغرفة أسِرّة، وكانت هناك زاوية خُصصت لإعداد الشاي والقهوة على موقد من الكيروسين (ستوف)، أو "البابور" كما يُعرف عند المصريين. وأذكر أن هذا المقر لم يكن يبعد كثيرًا مشيًا على الأقدام عن مركز المدينة؛ إذ كان والدي يتركني دائمًا أنتظره في دكان بائع الحلوى العمانية "الحلاو البطاشي"؛ 
      وممباسا بلد جميل، كونها شبه جزيرة ساحلية، وسكان بلدان الساحل لشرق أفريقيا يتميزون ببساطة العيش، وقد أثّرت فيهم الحضارة العربية، العمانية واليمنية، خاصة القادمة من حضرموت، ويُطلق عليهم الأفارقة "وشيهيري" أي الشحارى (شحري)
      هذه الثقافة العربية التي تأثرت بها بلدان الساحل الشرقي الأفريقي في المأكل والملبس هي مزيج من الثقافات الهندية والفارسية والعمانية واليمنية، التي تجسدت في المأكل والملبس واللغة والدين والحياة الاجتماعية
      ونرى ذلك جليًا في اللغة السواحيلية المركبة، التي تتكون مفرداتها من العربية والهندية والفارسية، وأيضًا في اللباس النسائي المعروف باسم "الجانجا" أو "اليسو" أو (بفتقة مصر حريم) كما يُعرف بمناطق شمال الشرقية في سلطنة عمان
      وهذا النوع من القماش يُصنع بألوان زاهية في الهند خصيصًا لسلطنة عمان واليمن وشرق أفريقيا (تنزانيا، كينيا، رواندا، بروندي، وبقية بلدان الساحل الشرقي الأفريقي)
      ومن الملاحظ أن في أطراف هذا القماش توجد عبارات مكتوبة باللغة السواحيلية، غالبًا ما تكون رسائل اجتماعية مبطّنة تتداولها النساء في أفريقيا. وقد لا تنتبه لها العمانيات واليمنيات، لكنها جزء من التراث السواحيلي الاجتماعي
      في أفريقيا، يتكون لباس هذا النوع من القماش من قطعتين متجانستين: اللحاف ليغطي الرأس والصدر، ولفة للجسم ما بعد السرة، أما في اليمن وعُمان، فتُستخدم قطعة واحدة، وهي اللحاف الذي يُغطى به الرأس والصدر

      ١٦ أكتوبر ٢٥

       

      1. عبد الله السناوي - شارك