-
-
بداية حياتي العملية - ٣١٨
ذكريات من السبعينات
أتذكر في السبعينات من القرن الماضي، تلك الفترة التي كنت أنتظر فيها أن يُذاع اسمي في الإذاعة للالتحاق ببعثة دراسية إلى القاهرة. خلال فترة الانتظار عملت في مكتب أحد أصحاب السعادة الولاة بمسقط، في وظيفة مؤقتة "طباع" على الآلة الكاتبة. كان يُسمح للطلبة آنذاك بالعمل في وظائف مؤقتة خلال العطلة الصيفية، وهي سياسة مفيدة للطرفين؛ فالحكومة تستفيد من سد النقص في عدد الموظفين، والطلبة يجدون مصدرًا ماديًا يعينهم على المعيشة. ولم تكن هذه التجربة خاصة بعُمان فحسب، بل كانت شائعة أيضًا في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ كان الطلبة العمانيون يعملون خلال الصيف في مدينة العين بإمارة أبوظبي، حيث كان العماني يُعامل معاملة المواطن في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيّب الله ثراه
كانت تلك فترة صعبة من حيث المعيشة، إذ شهدت السلطنة هجرة واسعة من القرى إلى المدن، سعياً وراء الرزق، مما تسبب في تكدّس سكاني في مسقط، وازدحام على الوظائف المتوفرة، خصوصًا مع بدايات الانفتاح على العالم واهتمام الحكومة بتنمية البنية الأساسية
انتظار البعثة
بعد أن اجتزت امتحان القبول والمقابلة الشخصية ضمن مجموعة من المتقدمين، طال انتظاري لإعلان الأسماء حتى كدت أفقد الأمل. كان المرحوم والدي يلحّ عليّ كثيرًا للالتحاق بإحدى الجهات الأمنية، وكان ذلك ممكنًا بيسر نظرًا لإمكانياتي. لكني رفضت ليس عنادًا، بل لأن ميولي لم تكن عسكرية، وخشيت أن أفشل في ذلك المجال
كان والدي محبًا للعسكرية، أما أنا فكنت أميل إلى الأعمال الفنية والتقنية، ربما بتأثير أفلام "جيمس بوند" التي كنت أشاهدها في سينما الجنود المكشوفة في معسكر بيت الفلج، حيث كانت تُعرض أفلام مليئة بالتقنيات الحديثة التي كانت حينها خيالًا، ثم أصبحت واقعًا بعد ذلك بسنوات
--- تأجيل السفر إلى القاهرة
في عام ١٩٧٣ تقرر سفرنا إلى القاهرة، لكن حرب أكتوبر أجلت البعثات الدراسية إلى ما بعد الحرب. واصلت عملي في مكتب الوالي، وكنت أجيد عملي بإتقان
كان سعادته يعتمد عليّ في طباعة رسائله الغزيرة بفضل مهارتي في الضرب على الآلة الكاتبة. كما كنت أعمل في الوقت نفسه لمكتب القاضي المجاور، إذ كان مكتب الوالي في تلك الفترة يضم خدمات عدة، منها القضاء والبلدية وإثبات الملكيات
ومع ذلك، لم تكن بيئة العمل مريحة، فقد كان يغلب عليها طابع "المشيخة والبرزة" أكثر من الطابع الإداري الخدمي. كثيرًا ما كُلِّف الموظف بأعمال الفراش كتحضير القهوة وتقديمها للزوار عند غياب العسكر، وهو ما كنت أتحرج منه كثيرًا
بيئة العمل في مكتب الوالي
عملت خلال العطلة الصيفية في عدة قطاعات، منها مكتب الوالي بوظيفة "طباع". كانت مكاتب الولاة في بداية السبعينات تؤدي خدمات إسكانية وبلدية قبل إنشاء الدوائر الحكومية المتخصصة
لاحظت آنذاك أن بعض الناس يستغلون هذه التسهيلات لمصالح شخصية، وكثيرًا ما كان البعض يأتي يوميًا بحجج واهية فقط لمقابلة الوالي أو لإلقاء التحية
هذا الأسلوب لم يكن يروق لي، فقد كنت أرى فيه مضيعة للوقت، كما كان يحرج الوالي نفسه. والأسوأ أنه عند غياب العسكر، كان يُطلب من أصغر الموظفين تقديم القهوة، دون أي تحديد واضح للمهام أو ما يُعرف اليوم بالوصف الوظيفي.
هواية الطباعة
كانت الطباعة هوايتي منذ المدرسة، حيث تعلمتها في الحصة المهنية ضمن المنهج الأردني الذي كان يُدرّس حينها في إمارة أبوظبي
مارست الطباعة في عُمان على آلة والدي القديمة، ووجدت لديه كتيبًا بعنوان "كيف تتعلم الطباعة وتنسيق الرسائل"، فكنت أتدرب منه يوميًا حتى أتقنت الطباعة بسرعة ودقة. كما تعلمها أخي وأختي بعدي، وكانت تلك المهارة نقطة انطلاق لمساري المهني لاحقًا
-- العمل في مكتب الأرشيف
في مكتب الأرشيف، كنا ثلاثة موظفين نخدم مكتب الوالي والقاضي. كانت مهمتي الطباعة، وكنت أعود إلى البيت في نهاية اليوم متعبًا ومفاصلي متورمة من الضغط على الآلة الكاتبة الميكانيكية
كرهت بيئة التملق تلك، وكنت أترقب لحظة إذاعة اسمي في الراديو بفارغ الصبر للتخلص من هذا العمل
أول راتب
أول راتب استلمته في حياتي كان ستين ريالًا، وهو ضعف ما كان يتقاضاه والدي قبل عام ١٩٧٠. كان ذلك المبلغ بالنسبة لي ثروة، فاشتريت به طباخة غاز لوالدتي كهدية، لتستغني عن الموقد الكيروسيني، وكانت تلك من أجمل اللحظات في حياتي
في ذلك الوقت، لم تدخل الكهرباء إلى دارسيت بعد، فاضطر والدي لشراء مولد كهرباء استُخدم حتى أواخر الثمانينات
المتجر العائلي الأول
بعد استقالة والدي من عمله في الأمن، افتتح متجرًا صغيرًا في دارسيت. بدأت فكرته من أخي الذي كان يبيع البسكويت لأطفال الحارة، ثم تطور المتجر تدريجيًا حتى أصبح مؤسسة صغيرة للتجارة والمقاولات استمرت حتى أواخر التسعينات. ساهمت الأسرة كلها في تشغيل المتجر، وكنت أعمل فيه أثناء العطل الصيفية بعد عودتي من الدراسة في الإمارات
البعثة الدراسية المنتظرة
عندما أُذيع اسمي أخيرًا عبر التلفاز، كنا جميعًا نجلس لتناول العشاء أمام جهاز التلفزيون الأبيض والأسود الذي يعمل ببطارية السيارة
التفتت والدتي إليّ وقالت بنبرة حنونة: «أما هذا اسمك عبدالله؟» نظرت إليها مبتسمًا، بينما رمقني أبي بنظرة صامتة تحمل عتابًا خفيًا، وكأنه يقول: «أهذا ما كنت تنتظره؟» كانت تلك لحظة مصيرية بالنسبة لي، رأيت فيها بداية الطريق الذي حلمت به طويلًا
حبّي لمصر
كنت أحلم بالسفر إلى مصر منذ الصغر، فقد سمعت الكثير عن ثقافتها وفنها ورموزها
كنت أتابع الصحف المصرية وأحفظ أسماء شوارعها دون أن أراها، وتمنيت زيارة الأهرامات والنيل. في بيتنا كان الكبار يتابعون إذاعة BBC، ويستمعون إلى برامج مثل قول على قول لحسن الكرمي، وبين السائل والمجيب، وبرامج فاروق شوشة الأدبية
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت لا أستغني عن الراديو حتى في نومي، وكان لذلك أثر كبير في ثقافتي واهتماماتي السياسية
مصر بين الأمس واليوم
للأسف، لم تعد مصر اليوم كما عرفناها في الماضي بلد الثقافة والفن الراقي. تغيّر سلوك الناس، وغابت الرقيّات القديمة التي كنا نراها في شوارع عدلي وطلعت حرب والعتبة، وفي مطاعمها التي كانت لا تسمح بدخول من لا يرتدي اللباس الرسمي أو ربطة العنق
من رسميات السفر
عندما تقرر سفري إلى القاهرة، سهرت أنا ووالدي حتى الفجر مع الخياط في مطرح لإنهاء خياطة بدلتي التي سأرتديها في الطائرة
في ذلك الزمن، كان المسافر يُقاس بهندامه، فكان الحرص على المظهر من سمات الاحترام
وقد قالوا: «كلْ لنفسك والبسْ لغيرك»؛
ميولي التقنية
كنت منذ الصغر شغوفًا بالتقنية. في بيت الفلج كنت أراقب الجنود وهم يتعلمون الإرسال اللاسلكي بشفرات "المورس"، وبعد مغادرتهم كنت أجمع الأسلاك والبطاريات المتناثرة محاولًا فهمها
كنت أتساءل: كيف يصل صوت المذيع إلينا عبر الأثير من آلاف الأميال؟ ذلك الفضول كان شرارة اهتمامي بالإلكترونيات والاتصالات لاحقًا
-بدايات التعليم والسفر
تعلمت القرآن في قريتي سيح العافية بولاية إبراء، ثم سافرت مع والدي إلى ممباسا في كينيا عام ١٩٦٣ للدراسة، وزرت زنجبار قبل أن أعود إلى عمان عام ١٩٦٥ بعد أحداث الانقلاب
درست مبادئ النحو واللغة العربية في مسجد الجامع بإبراء، ثم انتقلت إلى مسقط لتعلم اللغة الإنجليزية، وبعدها إلى دبي ثم العين في الإمارات لمواصلة التعليم
في عام ١٩٧٣ حصلت على منحة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لدراسة هندسة الاتصالات، برعاية الاتحاد الدولي للمواصلات التابع للأمم المتحدة
درست في القاهرة ثم في كلية بوليتكنيك لندن بالمملكة المتحدة، وتلقيت تدريبًا عمليًا في شركة الاتصالات الإيطالية (إيطال كابلاه).#
- المسيرة المهنية
تعينت في شركة عمانتل عام ١٩٧٥ بمسقط، وتدرجت في المناصب حتى أصبحت المدير الإقليمي للمنطقة الشرقية، وتقاعدت عام ٢٠٠٣ بعد خصخصة الشركة
خلال ٢٨ عامًا من العمل، زرت أكثر من ٣٥ دولة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا وأستراليا، لحضور المؤتمرات والدورات التدريبية، ومثلت عُمان في اجتماعات المنظمة البحرية الدولية
(IMO). إسهاماتي في قطاع الاتصالات
ساهمت في تطوير خدمات الاتصالات في السلطنة، ومن أبرز مشاريعي؛
إنشاء مركز استعلامات دليل الهاتف
تطوير خدمة تلكس الملاحة البحرية والمبرقات الإلكترونية
إدخال دوائر تراسل المعطيات للبنوك وشركات الطيران قبل دخول الإنترنت
تطوير مكاتب الخدمة في شمال وجنوب الشرقية
وبعد التقاعد عملت لحسابي الخاص سبع سنوات، ثم توقفت عن العمل تمامًا عام ٢٠١١ بعد أن استعدت جميع حقوقي القانونية من الشركة عن طريق القضاء. --- ؟
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








