-
-
الصورة للوالد أحمد بن صالح السناوي - الحارثي، بعد رفع العلم العماني عند استرجاع مدينة حبروت في حرب ظفار ضد الشيوعيين في بداية السبعينات من القرن الماضيملاحظة؛
يمكن سماع هذه المقالة، من القراءة التلقائية، لعمل ذلك اتبع الخطوات التالية؛
١- بعد فتح المقالة انقر على الثلاث نقاط في الجانب الأيمن باعلى صفحة المقالة
٢- اختار ايقونة القراءة التلقائية مثلث داخل دائرة صغيرة بعنوان؛
listen to this page
بداية التحاق المرحوم والدي بالجيش السلطاني العماني – ٣١٧
في منتصف ستينيات القرن الماضي، عدتُ من مدينة ممباسا التي كانت آنذاك تابعة لحكومة زنجبار في ظل الحكم العُماني هناك، حيث جاء والدي ليأخذني إلى جمهورية أوغندا للقاء أبناء خالي سالم بن حمد في بلدة "نيجوبيا"، والتي كان يسكن فيها عمي سالم بن منصور، ابن عم والدي وزوج عمّتي (أخت والدي). كان اجتماعنا في تلك البلدة استعدادًا لمغادرتنا جميعًا عبر ممباسا متجهين إلى سلطنة عُمان، على متن باخرة هولندية كنا نستقلها من أحد موانئ ممباسا. فقد كانت السفن البحرية آنذاك الوسيلة الوحيدة للتنقل بين القارات، حيث كانت تأتي من أوروبا إلى الهند مرورًا بمسقط، ثم إلى بلدان شرق إفريقيا لإنزال الركاب والبضائع في ممباسا
وبعد أن استقر بنا المقام في ولاية إبراء بعُمان، وجدنا أنفسنا أمام واقع صعب؛ فلم يكن أمام الكبير منّا إلا أن يبحث عن عمل بسيط، مثل خدمة أو صيانة مجاري الأفلاج (المعروفة بالسواقي)، أو جلب التراب من المناطق الزراعية التي تنتشر فيها أشجار النخيل، أو جمع الحصى من الأودية وأطراف الجبال لاستخدامها في تشييد بيوت الطين، التي كانت السائدة آنذاك. وكان التراب والحصى يُنقلان في أكياس من خوص النخيل، تُحمل على ظهور الحمير وتُعرف بلهجة أهل إبراء باسم "الثوي"؛
وتنقسم هذه الأعمال إلى نوعين رئيسيين؛
١- عمل النَّحوة: أي العمل بأجر يومي يبدأ مع طلوع الشمس وينتهي قبيل صلاة الظهر، مقابل مبلغ متفق عليه لا يتجاوز في ذلك الوقت (٦٠ بيسة نحاسية)، وهي العملة المتداولة في المناطق غير الساحلية بعُمان. وهذا المبلغ لم يكن سوى جزء صغير من القرش الفضي (دولار مدام تيريزا). وبعد انتهاء العمل مباشرة، كان الناس يتناولون وجبة الغداء قبل صلاة الظهر، ثم يأخذون قيلولة قصيرة، ليجتمعوا بعد صلاة العصر في "السَّبلة" (المجلس العام للقرية)، حتى يحين وقت نزول السوق لشراء متطلبات العشاء؛
٢- عمل المِقطاع: أي مقاولة العمل بمبلغ محدد مقابل إنجاز مهمة معينة، سواء استغرقت يومًا أو أكثر. ولصاحب العمل الحق في الاستعانة بمن يشاء لمساعدته على إنجاز المطلوب
ومع مرور الوقت، أجبرتنا الظروف الصعبة على تقبّل مثل هذه الأعمال، حتى ونحن في سن العاشرة، من أجل توفير لقمة العيش لإخواننا الصغار
وقبل ذلك، كنا قد التحقنا بمسجد الجامع في قرية القناطر لتعلّم قواعد اللغة العربية وحفظ ما تيسّر من السور والآيات القرآنية، على يد أستاذ فاضل يُدعى سعيد بن عبد الله بن غابش النوفلي، والذي كان مُعيَّنًا من قبل شيخ القبيلة ويتقاضى راتبه من بيت المال (المعروف بمال البكار، وهو ريع عام يُجمع من ثمار نخيل التمر المخصصة للمسجد)، وهو تقليد اجتماعي درج عليه أهل القرية خدمةً للمنفعة العامة
غير أنّي، ومن وجهة نظر شخصية، لم أكن مرتاحًا لتلك الفترة التي قضيتها بصحبة أبناء حارتي في حضور تلك الدروس، بسبب سلوكهم غير اللائق أثناء الطريق من قريتنا "سيح العافية" إلى مسجد القناطر. فقد كان سلوكًا صاخبًا وهمجيًا بعيدًا عن روح طلاب العلم، مما جعلني أنفر من مجالستهم ومخالطتهم، خصوصًا إذا قارنته بما اعتدت عليه عندما كنت طالبًا مهذبًا ومتحضرًا في مدارس حديثة وراقية في إفريقيا، حيث درستُ مع زملاء من جنسيات متعددة. وكان هذا الشعور مشتركًا أيضًا بين بعض الزملاء الذين عادوا مع أهلهم من تلك الديار
بعد فترة وجيزة، جاءنا ضابط إنجليزي من الجيش السلطاني العُماني إلى البيت، يرافقه عدد من العساكر. فاستقبلناه في "البرزة" أو المَبرَز، وهي الساحة المخصصة للجلوس خارج البيت، وفرشنا له المكان كما جرت العادة في الضيافة العُمانية. كان الغرض من زيارته توظيف عدد من أبناء قريتنا والقرى المجاورة، بعد أن نسّق ذلك مع شيخ القبيلة. وكان الشيخ قد أرسل سائقه الشخصي – الملقب بـ "العفريت" – على سيارته اللاندروفر ليُبلغ والدي بمجيء الضابط. وأذكر أن والدي جمع له سبعة أفراد من قريتنا ومن القرى القريبة، وكان هو أكبرهم سنًّا. وأثناء تقديم القهوة العربية للضابط وجنوده – على عادة الضيافة – دار بيني وبينه حديث باللغة الإنجليزية التي كنت قد تعلمتها خلال وجودي في ممباسا. فأُعجب الضابط بذلك، عندها طلب والدي منه أن يجد لي مدرسة أستكمل فيها دراسة اللغة الإنجليزية التي بدأتُها في إفريقيا. فقال الضابط لوالدي: "لا بأس، سأرى ماذا يمكن أن أفعل بعد توظيفك في الجيش." وبالفعل، تحقق ذلك بعد أن أنهى والدي وزملاؤه دورة التدريب العسكري في مركز الغبرة، بإحدى مناطق مسقط آنذاك.
أذكر من أبناء قريتنا أن ابن خالي محمد بن سالم بن حمد التحق بسلاح الإشارة، وبعد أن اجتاز التدريب العسكري وتأهيله عُيِّن ضابطًا لاسلكيًا في المشاة. كما التحق سعيد بن سيف بن سواف بسياقة الشاحنات العسكرية لنقل الجنود، بينما عمل عبيد بن سالم بن سليمان الملقّب بوالده "ولد خير" في الجيش، لكنه توفي أثناء تأدية عمله في حادث أليم إثر انقلاب ناقلة جنود بولاية بدبد
ومن سيح العافية أيضًا، التحق سليم سحلوف بالخدمة العسكرية، لكنه توفي بعد فترة نتيجة إصابته بالفشل الكلوي. أما من قرية الجبل المجاورة لسيح العافية، فقد التحق محمد بن حمد الذي امتهن التمريض. كذلك من قرية الدريز بولاية القابل، التحق محمد بن حمد – فيما أظن من فخيذة الرشاشدة
وبطبيعة الحال، كان والدي من بينهم، إذ التحق بكتيبة الحدود الشمالية بعد اجتيازه التدريب العسكري، وتنقّل في مختلف المراكز بالمناطق الداخلية والظاهرة والبريمي والباطنة في تلك الفترة. وقد امتهن عدة أعمال عسكرية، فكان راميًا لمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، ومنها مدفع البازوكا المضاد للدبابات. ثم نُقل بعد ذلك إلى معسكر الكتيبة حيث عُيِّن أمينًا لمستودع الأسلحة، نظرًا لإلمامه بمبادئ اللغة الإنجليزية، وهي اللغة الرسمية التي كان الجيش يستخدمها آنذاك بحكم وجود الخبراء الأجانب، حتى استُبدلت بالعربية بعد تولي السلطان قابوس – طيب الله ثراه – الحكم
شارك والدي – رحمه الله – مع كتيبته كتيبة الحدود الشمالية (فرقة المشاة) في حرب ظفار ضد الثوار الشيوعيين. وفي مطلع السبعينيات، نُقلت خدماته إلى القيادة في بيت الفلج، حيث عُيِّن أمينًا لمستودع قطع غيار مركبات الجيش، ثم مساعدًا لضابط الورشة البريطاني "الميجر هيل". في تلك الفترة كنا قد غادرنا بيت الفلج أنا وشقيقي علي، بعد أن سكنا هناك لبعض الوقت أثناء مواصلتنا التعليم في ولاية مطرح
وفي بداية عهد جلالة السلطان قابوس – رحمه الله – اختاره "الميجر ديناسون" (الذي كان قد وظّفه أول مرة في الجيش) ضمن مجموعة مقربة لتأسيس جهاز الأمن الداخلي، والذي كان آنذاك مجرد وحدة استخباراتية صغيرة تابعة للجيش
جميع الذين ذكرتُهم توفوا لاحقًا بأمراض مختلفة، عدا ابن خالي – أمدّ الله في عمره – والذي يكبرني بخمس سنوات، وما زال ينعم بالصحة والعافية
٣٠ سبتمبر ٢٥
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








