1. التطبيل بين الواقع والتضليل - ٣١٥

      في السبعينات عندما كنت أتهيأ في عملي السابق لتولي موقع إداري قيادي، كان لا بد أن يؤهلني عملي لذلك. لذا التحقت – بمعية زملائي – بعدة دورات في مختلف مجالات الإدارة، استعدادًا لخلافة الإدارة الإنجليزية التي كانت قائمة آنذاك. فإدارة الأفراد والأصول والممتلكات ليست بالأمر السهل، إذ تختلف اختلافًا جذريًا عن هندسة المعدات والآلات. فمن السهل السيطرة على الآلة، ولكن من الصعب السيطرة على عقول البشر وتصرفاتهم، خاصة مع اختلاف جنسياتهم وثقافاتهم
      لقد كان كثير من الوافدين الأجانب يستخفون بنا، ويشككون في قدراتنا العلمية والعملية على تحمل المسؤولية. وهذا يؤكد أن الحكم على الإنسان لا ينبغي أن يُبنى على شكله أو مظهره الخارجي
      العُمانيون يختلفون عن جيرانهم الخليجيين؛ فقد بنوا وطنهم في حقبة السبعينيات بجهودهم الذاتية، معتمدين على قائد عظيم وعلى أبنائهم الذين عادوا من الخارج بخبرات متنوعة، ولم يسلموا بلدهم كليًا للوافدين. بينما نرى اليوم، ورغم وفرة مخرجات التعليم، أن النظام لم يحسن استغلال هذه الكفاءات، ولم يوجهها إلى المسار الصحيح. بل اعتمد على استشارات أجنبية طبّقت نظريات لا تناسب الواقع المحلي، أو حاولت محاكاة تجارب دول تختلف عن بيئتنا. ونتيجة لذلك تشتّت التطبيق العملي، وترك الحبل على الغارب، مما أفسح المجال للتذمر الشعبي وفتح أبواب الجدل في وسائل التواصل الاجتماعي
      وأصبحنا نرى مفارقة واضحة: بدلاً من أن يعمل الوافد عند المواطن، صار المواطن يعمل عند الوافد. وزاد عدد المسرحين والباحثين عن عمل، نتيجة لسياسات مثل الخصخصة، والاستثمار الأجنبي، والتملك العقاري للأجنبي، وهي سياسات صيغت في الأساس لخدمة مصالح غير وطنية
      وقد أتاح هذا الواقع أيضًا بروز فئة جديدة تُعرف في التداول الشعبي باسم "المطبلين". والمطبل – في أصله – هو من يضرب على الطبل، والطبل آلة تُحدث ضجيجًا لافتًا دون معنى. ومن هنا جاء الاستخدام المجازي، للدلالة على من يُبالغ في مدح المسؤول أو الحاكم بلا نقد أو اعتراض، وكأنه مجرد صدى أو ضوضاء لتلميع السلطة
      إذن: المطبل: شخص يصفق ويمتدح المسؤول باستمرار حتى لو كان مخطئًا
      المطبلون: جماعة من هؤلاء الذين يُعرفون أحيانًا بالبطانة المصفقة أو جوقة المديح
      وللأسف، كثر هؤلاء في الإعلام الرسمي والخاص ووسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى في بعض المجالس التمثيلية، كـ مجلس الشورى، حيث يُفترض أن ينحاز العضو لمصالح ناخبيه، فإذا به يسرف في المدح والتقرب للسلطة، متناسيًا واجباته الأساسية
      وهكذا، نرى أن غياب الرؤية الوطنية السليمة في إدارة الموارد البشرية والتعليمية فتح المجال لثقافة التمجيد الأجوف، على حساب النقد البنّاء والعمل الجاد لخدمة الوطن والمواطن

      1. عبد الله السناوي - شارك