-
-
الشعب بين المثابرة والتنافس والتجربة الشخصية - ٣١٣
الشعب الهندي بمختلف أطيافه شعب مسالم، مكافح، وجاد في طلب الرزق، يتميز بالإصرار على تحقيق طموحاته ولا يعرف الكسل. تجده منافساً في كل مجال، ولعل ذلك نابع من البيئة التنافسية التي نشأ فيها، نتيجة الكثافة السكانية الهائلة والازدحام الشديد في المدن والشوارع. فالهندي مجبر على أن يزاحم وينافس ليحصل على ما يريد
لكن ما يثير الانتباه أن النظام الاجتماعي هناك لا يعرف الالتزام بالصف أو الدور كما نعرفه نحن، وربما يعود ذلك إلى عيوب في نظام الخدمات الذي يقوم غالباً على الرشوة والمحاباة. وعندما جاءوا إلى الدول العربية، حمل بعضهم هذا السلوك معهم، فنلمسه عند مناضد الدفع في السوبر ماركت، أو في البنوك، أو عند سداد فواتير الكهرباء. إلا أن هذه الظاهرة بدأت تختفي تدريجياً في دول الخليج بفضل "الكيو سيستم" (أجهزة تنظيم الأدوار) وخدمات الدفع الإلكتروني عبر الهاتف
في المقابل، نجد أن العرب يتميزون بالتسامح في حياتهم اليومية؛ تسامح في الشوارع، وفي أولوية الحصول على الخدمات، وتوسيع الصفوف لإفساح المجال لكبار السن والنساء، بل وحتى في التنازل عن مبالغ بسيطة عند ردود النقود. العربي بطبيعته يرحّب بالغريب والأجنبي، ويقتنع بأن ما يقدمه من تسهيل أو خدمة هو نوع من الصدقة
ومع ذلك، يبقى ما يثير إعجابي في الهنود هو جدّيتهم في التعليم، وسعيهم المستمر لتحقيق أعلى الدرجات. وهذا ما يفسر حضورهم القوي في سوق العمل بمختلف التخصصات، حتى أصبحت الهند تصدر ملايين المتخصصين إلى الدول العربية والأوروبية
تجربة من السبعينات والثمانينات
أذكر في حقبة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، عندما كان والدي – رحمه الله – يمتلك شركة مقاولات بعد تقاعده من الخدمة الأمنية، كان لديه عدد كبير من العمالة الهندية في مختلف التخصصات: النجارة، الكهرباء، البناء، السباكة، وغيرها من أعمال التشييد
وقد كان معظم هؤلاء العمال من ولاية كيرالا، يسكنون في بيتنا الحالي بولاية إبراء، وكانوا مثالاً في الجدية والصبر، يتحملون حرارة الجو ويتقنون عملهم. وبعضهم تعلّم المهنة من زميله هنا في سلطنة عمان. وأذكر أنهم بعد انتهاء ساعات العمل، كانوا يتجهون مباشرة إلى فراشهم ليسحب كل واحد مجلة خبأها تحت وسادته ليكمل قراءتها، رغم بساطة عمله كعامل بناء أو إسمنت
هذه المجلات كانت تصلهم من كيرالا بانتظام وتباع في المكتبات المحلية بالولايات العُمانية خصيصاً لهم. وكانوا يحرصون على اقتنائها للاطلاع على أخبار بلادهم، وهو ما جعل أبناء كيرالا أكثر ثقافة وحضوراً في مختلف المجالات مقارنة بغيرهم من الهنود
تجربتي الدراسية مع الهنود
أما عن تجربتي الشخصية، فقد درست في بداية تعليمي في مدرسة هندية بعد أن ختمت القرآن في مدرسة سيح العافية بولاية إبراء. اصطحبني والدي إلى أفريقيا في بداية الستينات، وبعد بحث طويل في مدن أوغندا قرر أن يرسلني إلى ممباسا التي كانت آنذاك تابعة لحكومة زنجبار العُمانية، قبل أن تستردها كينيا بعد انقلاب زنجبار عام ١٩٦٤
سكنت هناك مع أسرة عمانية، كان ربّها من ولاية بهلا بمحافظة الداخلية، يتحدث بلهجة أهل بهلا كأنه لم يغادرها قط، إضافة إلى إتقانه اللغة الإنجليزية، حيث كان يعمل مديراً لميناء جزيرة ممباسا. وقد طلب من والدي أن أقيم مع أسرته ليتعلم أولاده العربية مني، باعتباري لا أتحدث السواحيلية. ثم ألحقني بمدرسة هندية درست فيها لأكثر من ستة أشهر، قبل أن أتحول إلى مدرسة عربية بمنهج إنجليزي يُدرَّس بأساتذة هنود
لقد رأيت بنفسي القسوة والانضباط في المدرسة الهندية، حيث لا مكان للكسل أو التهاون، فالمقصر يُحاسب بصرامة. ومن هنا لا أستغرب أبداً من ذكاء الهنود وتفوقهم في مجالات العلم والعمل
قصة طريفة من بدايات الألفية
أتذكر قصة طريفة أجد من المناسب أن أرويها؛
في بداية الألفية، وبعد تقاعدي من العمل الرسمي، افتتحت محلاً تجارياً في ولاية إبراء – مسقط رأسي – لبيع الكتب والصحف والمجلات والأدوات القرطاسية؛ أي مكتبة تجارية. كما أبرمت عقداً مع شركة النقل العام لاستلام الطرود والرسائل التي تصل بالحافلات إلى الولاية وتوزيعها، مقابل أجر محدد
كانت مكتبتي تقع بجوار عمارة من طابقين تضم عدة مكاتب. استأذنت الحارس والمنظف الذي يعمل فيها، ويدعى "راج"، أن أضع صندوقاً خشبياً تحت الدرج المؤدي إلى الطوابق، ليضع فيه الرسائل عند غيابي، على أن يساعدني هو أيضاً في توزيعها مقابل مبلغ شهري بسيط
لكن بعض طلاب المدرسة المجاورة – وكانوا مشاغبين – اعتادوا العبث بالصندوق، بل ويستخدمون المصعد للتجوال بين الطوابق بدافع الفضول والتسلية. وكان "راج" يحاول منعهم، فيسخرون منه، وعندما أتدخل لنصحهم يفرّون
وفي إحدى المرات نجحت في تهدئة أحدهم، ناديته أمام "راج" وقلت له: "هذا العامل لديه أبناء قد يكونون في عمركم، يعمل ليل نهار براتب زهيد ليكمل تعليمهم. فلا تكونوا سبباً في قطع رزقه."؛
فعلّق "راج" قائلاً: "لدي بالفعل ولدان خارج الهند، أحدهما مهندس يعمل في إمارة دبي، والآخر طالب جامعي في الولايات المتحدة الأمريكية."؛
مرت السنوات، وبعد نحو خمس سنوات، كنت واقفاً أمام العمارة بانتظار الحافلة لاستلام الطرود. وإذا بسيارة "بيك أب" تابعة لإحدى شركات الكهرباء تتوقف أمامنا، نزل منها سائق عماني وبرفقته مهندس هندي يعمل في الشركة
اقترب المهندس من الحارس "راج" ليتحدث معه، فابتسم راج وقال لي: "أتدري من هذا؟ هذا ابني الذي كان يعمل مهندساً في دبي."؛
ولم تمض لحظات حتى أشار إلى السائق العماني قائلاً؛
"أما هذا السائق، فهو أحد أولئك الطلبة المشاغبين الذين كانوا يعبثون بصندوق الرسائل!"؛
نزلت على الفور من درج مدخل العمارة لأُعرّف ابن الحارس بالسائق، الذي بدا مستغرباً من هذه المفارقة العجيبة
تجربة شخصية مع الهنود في سوق العمل
الهندي معروف بجدّيته في طلب الرزق، وقدرته على التكيف مع أي وضع يضمن له المعيشة. لا يتكبر على أي عمل، فقد تجده مهندساً يعمل سائقاً، أو اختصاصياً في مجال معيّن يزاول مهنة بعيدة عن تخصصه. أما غير المهرة منهم – ما يُعرف بالإنجليزية بـ Unskilled Workers – فإنهم يتعلمون المهن من زملائهم بالممارسة والخبرة المباشرة
بعضهم استطاع أن يستولي على مهن معينة من العُمانيين، خصوصاً من أولئك الذين يكثرون الكلام ويسرّبون أسرار المهنة دون إدراك لقيمتها
أذكر أنني عندما أُحلت إلى التقاعد المبكر الإجباري بسبب توجه الشركة التي كنت أعمل بها إلى الخصخصة (تحويلها إلى قطاع خاص)، خرجت أنا ومعي نحو ٢٠٠ موظف بين مدير عام، ومهندس، ورؤساء أقسام، وفنيين. وكانت علي ديون للبنوك المحلية، لكن البنك رفض إعادة جدولة القرض بما يتناسب مع ظروفي الجديدة، فاضطررت إلى البحث عن مصدر رزق يسد هذا الدين
في مسقط، وجدت من الصعب منافسة الهنود الذين كانوا يستأجرون السجلات التجارية من كفلائهم ويعملون لحسابهم الخاص في مختلف المهن والخدمات. كانوا يسيطرون على المناقصات الحكومية، سواء في توريد المواد أو الأجهزة الطبية والهندسية أو حتى القرطاسية. وقد تمكنوا من ذلك بفضل نفوذهم وعلاقاتهم مع المسؤولين عن المشتريات في بعض الدوائر الحكومية
لذلك قررت الانتقال إلى ولاية إبراء، تاركاً أولادي في مسقط تحت رعاية والدتهم – وهي موظفة أيضاً. وبحكم أنني مهندس ولدي خبرة في صيانة الأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى خبرة إدارية اكتسبتها من عملي السابق، قررت أن أجمع بين نشاط المكتبة وخدمات الطرود (التي تحدثت عنها سابقاً) وبين خدمات صيانة الحواسيب والطابعات وآلات النسخ (الفوتوكوبي)
حوّلت بيتي إلى ورشة صغيرة للتصليح، وتعاونت مع بعض الشركات في مسقط لتزويدي بآلات النسخ والفنيين عند الحاجة. وكنت أتعامل مع مكاتب "سند" للخدمات الحكومية في ولاية إبراء، بحيث إذا تعطلت إحدى آلات النسخ لديهم، أصلحها لهم أو أستبدلها مجاناً، وأوفر لهم الورق والحبر دون مقابل مباشر، على أن أحاسبهم شهرياً وفق قراءة العداد – تماماً مثل نظام احتساب استهلاك الكهرباء والماء
بهذا الأسلوب جذبت ثقة المكاتب، وانتشرت خدماتي حتى خارج حدود إبراء. وقد تضرر الهنود والباكستانيون الذين كانوا يعملون في الصيانة بالخبرة فقط، حتى كدت أُخرجهم من السوق المحلي. ومن هذه التجربة تعلمت درساً مهماً: ألا أبوح بسر مهنتي
الحمد لله، تمكنت من سداد ديوني البنكية، لكن صحتي تدهورت لاحقاً فتركت المهنة، وهو ما أتاح للعمالة الوافدة أن تعود مجدداً، مستفيدة مما تسرب لها من أسرار المهنة على يد بعض الثرثارين من العمانيين
- العمالة الهندية وتحولها عبر العقود
العمالة الهندية التي كنا نستخف بها في حقبتي السبعينات والثمانينات، وحتى التسعينات، أثبتت مع مرور الزمن أنها أكثر جدية وحرصاً على المستقبل. فقد ربّى الآباء أبناءهم خير تربية، ووفّروا لهم أفضل تعليم ممكن، حتى إن كثيراً من الآباء شدّوا على بطونهم وتحمّلوا ضيق المعيشة كي يضمنوا لأبنائهم تعليماً جيداً
ومع انتشار المدارس الهندية وغيرها من المدارس الأجنبية في سلطنة عمان، تخرجت دفعات جيدة من الطلبة الذين واصلوا تعليمهم الجامعي في بلدانهم أو في الخارج، ثم عادوا ليعملوا في عمان أو في دول الخليج. هؤلاء المتعلمون اليوم هم من يديرون كثيراً من الأعمال في السلطنة، ويوظفون بدورهم عمالة أقل تعليماً، مثل البنغاليين، للقيام بالأعمال البسيطة وبأجور أقل
ومن أبسط الأمثلة: إذا ذهبت إلى محل حلاقة، أو خياطة، أو حدادة، أو حتى بقالة صغيرة، وسألت البائع البنغالي: من كفيلك؟ سيجيبك: كفيلي هندي من كيرالا، مع أنه لا يدرك أن الكفيل الأساسي هو عماني، وأن الهندي مجرد مستأجر للسجل التجاري
وأذكر أنني ذهبت منذ مدة إلى إحدى الصيدليات الناشئة في حي دارسيت، وسألت الموظفة التي تعمل هناك: من أي بلد أنتِ؟ فأجابت: "من كيرالا." فسألتها: ومن الكفيل؟ فقالت: "أيضاً من بني جنسي، من كيرالا." ولم تكن تعلم شيئاً عن الكفيل العماني أو عن نظام السجل التجاري. لكن ما شدّني إليها هو ثقافتها وحسن تعاملها، حتى أصبحتُ أحرص على التردد على محلها
الهنديون يميلون كذلك إلى التجمّع والتكدّس في أماكن محددة، فيؤسسون أحياء شبه مغلقة لهم. فمن يزور بعض الأحياء في مسقط، مثل مطرح أو روي أو دارسيت، يكاد لا يصدق أنه في بلد عربي، خصوصاً في دارسيت التي تنتشر فيها المدارس الهندية ويكاد الهنود يستحوذون على كثير من المرافق العامة فيها
ولكي أكون منصفاً، ليست العمالة الهندية وحدها في عمان، فهناك أيضاً جاليات آسيوية أخرى، مثل البنغاليين الذين يحتلون المرتبة الثانية من حيث العدد، لكنهم أقل اهتماماً بالنظافة، ثم الباكستانيون، وغيرهم
١٨ سبتمبر ٢٥
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








