1. يقول الشاعر: " إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا، فدَعْهُ ولا تُكثِرْ عليهِ تأسُّفَا"- ٣١٢ 

      أحلى ما في التقدّم في العمر أنّه لا أحد يلومك على أفعالك، وقد يبرّر البعض ذلك بأنه نوع من فقدان الذاكرة، أو لأنك قد بلغت من العمر عتيًّا، ومنهم من يبرّر بأن الكلام الذي يصدر عنك لا إراديًّا، ومنهم من يتغاضى عن بعض التصرفات التي تصدر منك باعتبارك كبيرًا في السن، فلا تُلام على أفعالك. وهناك من يقدّر كِبَر سنّك ويحترمه
      لكن الذكي من كبار السن، أو الذي لا يزال يتمتّع بالتفكير السليم، هو من يرتّب حياته بما يتماشى مع وضعه الصحي، ويستغني عن بعض الأمور ـ إن لم يكن معظمها ـ التي كان يمارسها قبل هذه المرحلة العمرية. وعليه أن يضع في حسبانه أنّ أبناءه سيتركونه عاجلًا أم آجلًا بسبب استقلالهم في بيوتهم وانشغالهم بأسرهم. وقد تكون الزوجة هي التي تدير شؤون الزوج
      وإذا لم يزرك أحد من أبنائك بين فترة وأخرى، أو لم يتواصل معك، فلا تلُمهم، فقد يكون لهم عذر. ومن يحبّك ويودّك لن يتخلى عنك، وسيرى أن لا أحد يرعاك إلا هو
      لكن نصيحتي: أن تُرتّب لهذا العمر وأنت في شبابك؛ فادّخر أموالك، ولا تُسرف في الإنفاق على الأولاد، لأن أحدًا لن ينفعك مثلها. ورتّب أمورك بحيث لا تتّكل على أحد إلا الله سبحانه وتعالى

      يقول الإمام الشافعي؛

      إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا
      فدَعْهُ ولا تُكثِرْ عليهِ تأسُّفَا
      ففي الناسِ أبدالٌ وفي التَّركِ راحةٌ
      وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جَفَا
      فما كلُّ من تهواهُ يهواكَ قلبُهُ
      ولا كلُّ من صافيتهُ لك قد صفَا
      إذا لم يكنْ صفوُ الودادِ طبيعةً
      فلا خيرَ في ودٍّ يجيءُ تكلُّفَا
      لقد كنت أسمع هذه الأبيات يرددها والدي - الله يرحمه، وكنت أشعر بالخوف كلما قصّرتُ في حقه، لذلك حرصتُ على زيارته دائمًا، والجلوس معه طويلًا والتحدث إليه. ومن الأبيات الشعرية التي أعجبتني أيضًا، تلك المنسوبة إلى أمير الشعراء أحمد شوقي، حيث يقول في مطلعها؛
      أنا من بَدَّلَ بالكتبِ الصحابا
      لم أجد لي وافيا إلا كتابا
      صاحبٌ إن عبته أو لم تعبْ
      ليس بالواجدِ للصاحبِ عابا
      كلما أخلقته جددني
      وكساني من حُلي الفضلِ ثيابا
      صحبته لم أشكُ منها ريبةً
      وودادٌ لم يُكلفني عتابا... إلخ
      على كل حال، لعل الهاتف النقال أو "الموبايل" كما يُعرف، أصبح هو البديل الثاني؛ فهو الصديق المخلص الذي قد يغنيك عن مخالطة الناس، خاصةً إذا أردتَ تجنُّب السيئين منهم. وهو أيضًا معينك في حياتك، لا سيما إذا كنتَ كبيرًا في السن أو تقدمتَ في العمر
      الهاتف النقال هو عونك عندما يتخلى عنك الجميع، فلا يبقى أمامك إلا الاعتماد على نفسك وما ادخرته من مال: "قرشك الأبيض ليومك الأسود". فبواسطته يمكنك التسوق لتصلك حاجياتك إلى باب منزلك دون عناء أو تكلف الذهاب إلى المحال التجارية. كما يمكنك طلب سيارة أجرة للتنقل إلى أي مكان، والتصفح بحثًا عن أي معلومة تحتاجها، وإنجاز معاملات وخدمات كنت سابقًا تضطر لمراجعة الموظفين من أجلها
      وبالهاتف أيضًا تستطيع معرفة رصيد حسابك في البنك، وتحويل الأموال إلى أي مكان أو لأي شخص تشاء، إضافة إلى حجز تذاكر السفر والفنادق حيثما تقصد. وفوق ذلك كله، يمكنك الوصول إلى شتى ميادين المعرفة في العالم، والتواصل والمشاركة مع من تحب عبر وسائل التواصل الاجتماعي
      لقد أصبحت الحياة أكثر سهولة ويسرًا بفضل التكنولوجيا الغربية التي يسرت لنا وسائل عدة في التنقل، والاتصالات، والعمل، والمنزل، وحتى في مجالات الأمن وغيرها من جوانب الحياة... وهي وسائل عجزنا نحن عن ابتكارها، عدا تصيد الأخطاء، والكفير والتآمر على بعضنا - الله المستعان

      ١٦ سبتمبر ٢٥

      1. عبد الله السناوي - شارك