أساس الضعف العربي - ٣١١
نعلم أن الإسلام وحَّد العرب، وجعلهم قوة مكَّنتهم من فتح بلدان الفرنجة والعجم، ونشر الإسلام فيها. إلا أن العرب تفرّقوا في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقاد بعضهم حملات ضد بعض بعد اغتياله، ولم يتمكّن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه من احتواء الفتنة. وكان من أسبابها تمرّد والي الشام آنذاك معاوية بن أبي سفيان ـ لا كما يُشاع ـ إذ كان ابن عم الخليفة الثالث
وعندما خرج الخليفة علي رضي الله عنه لمواجهة التمرد، خرجت السيدة عائشة رضي الله عنها ـ زوج النبي ﷺ ـ مطالِبة بقتلة عثمان، فالتقى الجيشان في معركة الجمل، وتبعتها معركة صفين. ومن هذه الفتن الكبرى تفرّق العرب، وظهرت المذاهب والفرق الإسلامية التي بلغت اثنتين وسبعين فرقة، وكان بعضها موالياً للحكّام أكثر من موالاته للدين. هذه الخلافات هي أساس تفرّقنا إلى اليوم، وأصبحنا لا ندري: هل نحكم بلداننا بنظام الإسلام، أم بنظام الغرب؟
وقد استغل الغرب هذا التشرذم فتدخل في شؤوننا، يعزل الحكام الذين لا يتفقون مع سياسته الاستغلالية بسياسة "فرّق تسُد"، ثم يُعد البديل في كلياته العسكرية ويغذيه بما يخدم مصالحه، ليُهيَّأ بعد ذلك للإطاحة بأبيه أو أخيه. وهذا ما جرى في بعض بلدان الخليج: في أبو ظبي وفي البحرين وفي عمان، وفي قطر، و قبل ذلك في الاردن، كل ذلك يتم بطرية غير مباشرة من الغرب. وهكذا. والمتتبع يرى أن أغلب هؤلاء اذين قدوا الانقلاب هم من خرّيجي كلية "سانت هيرست" العسكرية
أما في بلدان الشام أو البلدان التي قديما تعرف ببلدان "هلال الخصيب" تشمل العراق، وشمال أفريقيا، واليمن فقد حدث ما هو أعظم، والسبب في كثير من مصائبنا في الخليج هو تصدير تلك الأزمات إلينا باسم "العروبة". ومن أبرزها قضية فلسطين التي مكَّنت إسرائيل من التغلغل فيها وتهجير شعبها، وبقيت غير مستقرة بسبب خلافات الفلسطينيين الداخلية وتعدد انقساماتهم حتى صار كل فريق بمثابة دولة مستقلة، وهذا ما جعل إسرائيل في مأمن من خطرهم، مستغلة الوضع في توسيع مطامعها، مدعومة من قبل الغرب، وملياديراتها في شتى بقاع العالم
أغنياء إسرائيل هم من اليهود الذين يملكون نصف ثروات العالم تقريبًا، ومعظمهم يسيطرون على سياسات أكبر دوله، في مقدمتها أمريكا، ثم فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ولإسرائيل استثمارات واسعة في معظم دول العالم، منها دول آسيوية نستورد منها بضائعنا، وأخرى عربية أقامت علاقات تطبيع معها سياسيًا واقتصاديًا
بل إن الأمر تجاوز ذلك، حتى فُتحت أراضينا لإنشاء قواعد عسكرية تخدم داعمي إسرائيل ضد جيراننا المسلمين. وأصبحت إسرائيل تشن غاراتها الجوية من أراضينا نفسها، دون رقابة، وكأننا نُعيد قصة "أم عامر" التي تُروى عن العربي الذي حمى الضبع بسيفه من القتل، ثم أطعمها من حليب شاته، فلما نام مزّقت بطنه. ولما علم ابن عمه طاردها وقتلها، فأنشد؛
"ومن يصنع المعروف في غير أهله، يلقَ الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ"؛
وهكذا نحن اليوم، حين نفتح قواعدنا للأمريكان فهي في النهاية تصب في مصلحة إسرائيل. وإن كنا نريد أن نتوحد ونستعيد قوتنا، فعلينا أن نتخلى عن خلافاتنا المذهبية، ونصلح أنظمتنا السياسية، ونعتمد على أنفسنا بدل الاتكال على غيرنا. غير أن هذا يظل – حتى الآن – مطلبًا بعيد المنال
ربما من المقترحات المفيدة للإصلاح السياسي والدستوري في بلداننا حسب تصوري البسيط، كمواطن عربي كالآتي؛
١. فصل الدين عن السياسة: يُعتبر الدين ممارسة شخصية واجتماعية لا علاقة لها بإدارة الدولة أو شؤون الحكم
تُفصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، بما يضمن حيادية الدولة تجاه مختلف المذاهب والديانات
٢ إصلاح نظام الحكم: تكون السيادة للشعب وفقًا لمبدأ الحكم البرلماني
يظل الحاكم أو الملك رمزًا وطنيًا شرفيًا للدولة، يمارس دورًا بروتوكوليًا واستشاريًا، دون سلطة تنفيذية أو تشريعية مباشرة، على غرار مكانة العلم الوطني كرمز سيادي
٣. توزيع السلطات بين المجالس: البرلمان: يتولى تشكيل الحكومة، ويمنحها الثقة، وله صلاحية مساءلة الوزراء واقتراح عزلهم
مجلس الدولة: يختص بسن القوانين، وتقديم الدراسات والخبرات والاستشارات الإدارية بوصفه بيت خبرة للدولة
مجلس الشورى: يعزز دوره في الرقابة على أداء الحكومة ومساءلتها
مجلس القضاء: يضطلع بمهمة مراجعة القوانين والأنظمة الصادرة عن البرلمان والمجالس الأخرى، وضمان مطابقتها للدستور، مع سلطة البتّ والتنفيذ القانوني
مجلس الوزراء: يتولى إدارة الدولة وتنفيذ السياسات والقرارات الصادرة عن البرلمان
مجلس الدفاع: يختص بمتابعة الوضع الأمني والعسكري، وحماية استقرار الدولة ومنع أي تهديدات أو أضرار داخلية وخارجية
٤. صلاحيات الحاكم أو الملك: تقتصر على التصديق الرمزي على القوانين، وإبداء الرأي الاستشاري عند الحاجة، دون امتلاك حق نقض أو تعديل القرارات الحكومية. ربما هذا التصور، قد يقلل من انفراد الحكام في إدارة بلدانهم، واتهامهم بتدخل الغرب في سياسات الدول العربية
-
عبد الله السناوي
- شارك
