1. اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة - ٣٠٠

      كثر الجدل في الآونة الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول المذهب الإباضي الإسلامي، بين مؤيد يرى فيه مذهبًا أصيلًا ضمن مدارس الفقه الإسلامي، ومخالفٍ يشكك فيه بدعوى أنه امتداد لفرقة الخوارج، وبالتالي يطعن في صحته. غير أن المتأمل في واقع هذا المذهب يجد أنه لا يختلف في أصوله العامة عن المذاهب السنية الأربعة: الحنفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي، إذ يشترك معها في أركان الإسلام وأسس العقيدة. ومع ذلك، جرى أحيانًا وضعه في نفس الخانة مع المذهب الجعفري الشيعي الذي يرفض بعض علماء السنة الاعتراف بعقيدته. ويُرجع بعض الباحثين سبب هذه النظرة السلبية إلى غياب الاطلاع المباشر لعدد من علماء السنة على مؤلفات الإباضية ومصادرهم الأصلية، إذ اكتفوا بما ورد عنهم في كتب خصومهم ومجادليهم من الأئمة الأوائل. وقد أعاد إلى الواجهة هذا الجدل ما حدث مؤخرًا في الكويت، حيث تم إعفاء الداعية الكويتي سالم الطويل من مهامه كإمام وخطيب في أحد مساجد منطقة الأحمدي في الثالث عشر (أو الثاني عشر) من أغسطس ٢٠٢٥، بعد أن وجّه إساءات علنية إلى المذهب الإباضي وشنّ هجومًا على مفتيه وبلغ حدّ اتهامه بالإلحاد. هذا الموقف أثار استياءً واسعًا في الأوساط العمانية، واعتُبر مساسًا بعقيدة شريحة أصيلة من المسلمين في السلطنة، ما دفع – بحسب ما يتداول – إلى تدخل رسمي من قبل الحكومة العُمانية لدى نظيرتها الكويتية، حفاظًا على متانة العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع بين الشعبين الشقيقين

       

      يبدو أن الداعية الكويتي سالم الطويل يحمل ضغينة تجاه سماحة الشيخ أحمد الخليلي، مفتي سلطنة عمان، وذلك بسبب المكانة البارزة التي حققها الخليلي في العالم الإسلامي. فقد استطاع أن يلمّ شمل الأمة، كما تم تعيينه نائباً للشيخ يوسف القرضاوي في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي الخطوة التي لم ترق لسالم الطويل، إذ اتهم المنظمة بأنها واجهة لجماعة الإخوان المسلمين

       

      كما أن تبنّي الشيخ الخليلي للقضية الفلسطينية ودعمه الواضح للمقاومة في غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي شكّل سبباً إضافياً لامتعاض الطويل، إذ ينظر الخليلي إلى فلسطين على أنها قضية دينية إسلامية تمس جميع المسلمين، وليست مجرد نزاع سياسي أو صراع على أرض محتلة

       

      وعندما حاول سالم الطويل إحراج المفتي أحمد الخليلي بطرح أسئلة علنية حول العقيدة، لم يكن هدفه طلب العلم أو الاستفادة، بل إثارة الجدل أمام الملأ. ومع ذلك، آثر الشيخ الخليلي تجاهله، معتبراً أنه لا يليق الرد عليه مباشرة، تاركاً الأمر لعلماء الإباضية من مستواه لبيان الردود. وبالفعل، تكفل كثير من العلماء بالإجابة على تساؤلات الطويل، إلا أن الأخير ظلّ متشبثاً بموقفه وحقده على الشيخ الخليلي، حتى وصل به الأمر إلى التطاول عليه بألفاظ غير لائقة، الأمر الذي تسبب له في مشاكل وصلت إلى حد المساس بوظيفته بسبب "طول لسانه"؛

       

      لماذا التشدد في المذاهب بين علماء المسلمين؟

      يقال: اختلاف علماء المسلمين رحمة، واتفاقهم حجة

      المسلمون جميعًا – مهما اختلفت مذاهبهم – يجتمعون على أصول العقيدة وأركان الإسلام والإيمان، ومنها الشهادة، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر

      لكن وجه الاختلاف بين المذاهب يظهر في عدة مستويات، وكلها أمور اجتهادية وليست في الأصول، ويمكن تلخيصها كالآتي؛

      ١. الاختلاف في الفروع الفقهية (الأحكام العملية)

      مثل: عدد الركعات في النوافل، أو تفاصيل كيفية الوضوء (هل يُغسل أو يُمسح على الأذنين؟، هل يُمسح على الخفين أو لا؟)

      في الصلاة مثلًا؛

      موضع اليدين بعد التكبير (على الصدر، تحت السرة، أو إرسال اليدين)

      التشهد الأول: بعض المذاهب يرونه واجبًا وبعضهم سنة

      الوتر: عند الحنفية ثلاث ركعات بسلام واحد، وعند الشافعية ركعة واحدة، والمالكية يعتبرونه سنة مؤكدة

      الأذان: بعض المذاهب تزيد جملة "الصلاة خير من النوم" في الفجر، وبعضهم لا

      --- ٢. الاختلاف في أصول الاستنباط

      الحنفية اعتمدوا على القياس والاستحسان

      المالكية اعتمدوا أيضًا على عمل أهل المدينة باعتباره حجة

      الشافعية اعتمدوا على الحديث الصحيح أكثر من غيره

      الحنابلة شددوا على الأثر والحديث وقلّلوا من الرأي

      الإباضية والجعفرية لهم اجتهاداتهم ومصادرهم في فهم النصوص

      ٣. الاختلاف في بعض العقائد الفرعية كلهم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكنهم قد يختلفون في تفاصيل دقيقة مثل؛

      صفات الله (هل تُؤوَّل أم تُفوض؟)

      مسألة "رؤية الله يوم القيامة"؛

      تعريف الإيمان (هل يزيد وينقص بالأعمال أم هو ثابت؟)

      ٤. الاختلاف التاريخي والسياسي بعض المذاهب ارتبطت بظروف سياسية وتاريخية (مثل نشأة المذهب الجعفري عند آل البيت، والإباضي في بيئة الخوارج الأوائل لكنه صار مذهبًا مستقلًا متوازنًا)

      هذه الظروف أدت لاختلاف المدارس والبيئات، لكن بقي القاسم المشترك بينهم هو الإسلام

      الخلاصة؛

      الاختلاف بين المذاهب ليس في أركان الإسلام ولا في العقيدة الأساسية، وإنما في تفاصيل التطبيق والفقه وبعض المسائل العقدية الفرعية التي هي محل اجتهاد

      ١- تميّز المذهب الإباضي من ناحية وحدة الأمة

      المذهب الإباضي وُصف تاريخيًا بأنه لا يكفّر من قال "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، بخلاف ما شاع عن بعض المذاهب في فترات من التاريخ التي كفّرت مخالفيها

      الإباضية يؤكدون على مبدأ الشورى واختيار الإمام بالرضا، وليس بالوراثة، مما جعلهم يُنظر إليهم كأصحاب اتجاه أقرب إلى المساواة والعدل

      منهجهم في الفقه يميل إلى التيسير والابتعاد عن التعصب المذهبي، وهذا جعله في نظر بعض الباحثين مذهبًا أقرب للحفاظ على وحدة المسلمين

      ٢- لماذا بعض علماء المذاهب الأربعة لم يعترفوا بالمذهب الإباضي؟

      خلفية تاريخية: الإباضية ارتبطوا قديمًا بتيار الخوارج المعتدل، وهذا جعل بعض العلماء من المذاهب الأخرى ينظرون إليهم بعين الريبة

      الاختلاف العقدي: عند الإباضية بعض الآراء في مسائل العقيدة (مثل الحكم على مرتكب الكبيرة) تختلف عن المدارس السنية والشيعية، فاعتبر بعض الفقهاء أن هذا يخرجهم عن "الجماعة"؛

      الميل إلى التقليد المذهبي: أغلب الفقهاء تمسّكوا بالمدارس الأربعة باعتبارها الأكثر انتشارًا، واعتبروا ما عداها شاذًا أو غير معتمد، حتى لو كانت أصوله فقهية معتبرة

      ٣- لماذا يتمسك بعض علماء السنة بالأئمة الأربعة كأنهم أنبياء؟

      ليس لأنهم يرونهم أنبياء، بل لأنهم يرون أن هؤلاء الأئمة الأربعة أكثر من نُقل عنهم علمًا وضبطًا وانتشر مذهبهم بين الناس

      مع مرور الزمن، أصبحت المذاهب الأربعة مؤسسات فقهية كبرى فيها آلاف الكتب، والشروح، والمدارس، فصار الخروج عنها عند بعض العلماء يُعتبر "تفريقًا للأمة"؛

      بعض العلماء بالغوا في التقديس، فبدلاً من اتباع الدليل صاروا يقلّدون المذهب نفسه وكأنه وحي، وهذا نوع من التعصب المذهبي الذي حذّر منه كثير من الأئمة أنفسهم (مثل الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي الذين قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبي)

      --- خلاصة القول؛

      المذهب الإباضي يتميز فعلًا بروح التسامح والوحدة في بعض القضايا مقارنة بما حدث من تعصب في بقية المذاهب

      عدم الاعتراف به سببه التاريخ والاختلاف العقدي والتعصب المذهبي

      التمسك بالأربعة هو نتيجة الانتشار التاريخي والتقليد الفقهي، لا لأنهم أنبياء، بل لأن مدارسهم أصبحت المرجع الأكبر

      ولهذا قال العلماء؛ "اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة."؛

      1. عبد الله السناوي - شارك