
- الصفحة الرئيسية
-
-
-
قصة اطلعت عليها باليوتيوب بعنوان أبي يشعرني بالاشمئزاز - ٢٩٩
من الأمور التي أحرص على متابعتها عبر قنوات التواصل الاجتماعي، وخاصة "اليوتيوب"، تلك المواد التي تحمل فائدة في حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية. ومن أكثر ما يلفت انتباهي القصص التراثية التي تحمل في طياتها عبرًا ودروسًا يمكن الاستفادة منها في حياتنا اليومية. وكما جرت العادة، أحب أن أشارك مثل هذه الفوائد مع أصدقائي وأقاربي وأبنائي، لعلهم يجدون فيها ما ينفعهم
ونحمد الله سبحانه وتعالى الذي هدانا إلى الإسلام، وترك لنا كتابه الكريم هدايةً ونورًا يرشدنا في حياتنا، وهو القرآن العظيم. ومن بين ما شاهدت مؤخرًا على اليوتيوب قصة أجنبية (لاتينية) تحكي عن آب اسمه "دونا أليسو" عن كلمة قالها ابنه: "أبي يشعرني بالاشمئزاز". متهما أباه بالخرف، أمام اصدقاءه مما جعل أباه يسخط عليه ويندم على سنين عمره التي افناها في تربية ابنه العاق هذا
أثّرت في نفسي هذه القصة كثيرًا، حيث وجدت أن معانيها تجسدت في آية من آيات سورة الإسراء.
هذه القصة – ومدتها عشرون دقيقة – تحمل عبرة عظيمة للأبناء في كيفية معاملة الوالدين، وخاصة في مرحلة الكِبَر. فهي تذكّرنا بأن كلمة واحدة قد تصدر عن الابن بقصد أو دون قصد، يمكن أن تكسر قلب والده الذي أفنى عمره في تربيته ورعايته. ومن المؤلم أن يكون الانشغال بالحياة سببًا في عقوق الوالدين أو هجرهما
ويؤكد القرآن الكريم على هذا المعنى العظيم في قوله تعالى؛
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا"؛ [الإسراء: ٢٣-٢٤]
لذلك، أنصح كل من يطّلع على هذه القصة أن يستمع إليها كاملة في وقت فراغه، فهي دعوة لمراجعة الذات والتفكر في بر الوالدين والإحسان إليهما قبل فوات الأوان
تتلخص القصةفيما يلي؛
في قرية هادئة على أطراف المدينة، عاش رجل عجوز يدعى دونا إليسو، يبلغ من العمر ثمانية وسبعين عامًا. كان رجلاً صلبًا، أمضى حياته كلها في تربية ولديه بعد أن هجرتهم أمهم منذ سنوات طويلة. كبر الأبناء تحت جناحه؛ سانتياغو الذي صار رجلاً في الأربعين من عمره ومتزوج، ومونيكا التي رزقت بطفل صغير اسمه إميلانو، أصبح النور الوحيد في حياة الجد
لكن الأيام لا تحمل دائمًا الجميل. ففي أحد الأيام، سمع إليسو ابنه سانتياغو يتهامس مع أصدقائه قائلًا عنه: "أبي مجرد عجوز مثير للاشمئزاز... قطعة أثاث ناطقة لا أكثر."؛
كانت تلك الكلمات كالسكاكين تخترق قلب الأب الذي أفنى شبابه في تربية ابنه، وتحمّل غياب الأم، وأمّن له التعليم والحياة حتى كبر وتزوج. منذ تلك اللحظة شعر إليسو أن قلبه انكسر، وأنه لم يعد له مكان في حياة ابنه
قرر العجوز أن يبيع بيته الذي شهد ذكرياته كلها، ورحل إلى منطقة جديدة ليبدأ حياة مختلفة، بعيدًا عن نظرات ابنه الجاحدة. وحين علم سانتياغو ببيع البيت، حاول أن يسترده بالقانون، مدعيًا أن والده فقد عقله. لكن الوثائق والشهادات أثبتت أن إليسو بكامل قواه العقلية، فسقطت محاولة الابن في الماء
في بيته الجديد، عاش العجوز وحيدًا إلا من زيارات ابنته مونيكا، التي اعتادت أن تأتي كل أسبوع برفقة ابنها الصغير إميلانو. كان الجد يجد في حفيده دفئًا عوضه عن برود قلب ابنه. جلساتهما الصغيرة، وضحكاتهما البريئة، أعادت للحياة شيئًا من المعنى
أما سانتياغو، فقد أخذت حياته تنحدر شيئًا فشيئًا. خسر عمله، تراكمت عليه الديون، وحاول الاحتيال بتزوير توقيع أبيه مدعيًا ملكية البيت، فما كان نصيبه إلا السجن. خرج محطمًا، وحاول مرارًا أن يسترضي والده، بل استعان حتى بأمه التي هجرته قديمًا لتتوسط عند الجد. لكن قلب إليسو ظل مغلقًا أمام ابنه، فقد كانت الجراح أعمق من أن تُشفى
وقبل أن يرحل إليسو عن هذه الدنيا، قرر أن يترك شيئًا لمن يستحق الحب حقًا. كتب في وصيته أن يُعطى حفيده إميلانو جزءًا من مدخراته، إضافة إلى مذكراته التي دوّن فيها حكاية عمره، على أن تُسلّم له يوم يبلغ الثامنة عشرة
وهكذا، ظل الجد رغم الألم، وفيًا لفطرته الحانية... لكنه اختار أن يمنح إرثه الأجمل للجيل القادم، عله يتعلم أن الكلمة القاسية قد تهدم قلبًا، بينما الحنان الصادق يبني حياة
-
عبد الله السناوي
- شارك
