1. العرب بين الدين والحياة العامة - ٢٩٦

      هناك من يخالفني الرأي؛ ولكن لا بد من القول: العرب اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة نظر في ثقافتهم الدينية بشكل افضل، يلم شتاتهم - ليس من باب التنصل من الدين، وإنما من زاوية كيفية التعامل معه في الحياة اليومية
      فالأوروبيون على سبيل المثال حددوا قاعدة واضحة: "دينك لك، مارسه كما تشاء، لكن لا تجعله سببًا لإزعاج الآخرين". وبهذه البساطة استطاعوا أن يحيدوا خلافاتهم الدينية عن الشأن العام، فعاشوا في سلام، وازدهرت اقتصاداتهم وصناعاتهم، حتى أصبحنا نحن نعتمد على ما ينتجونه ونلجأ إلى بلدانهم بحثًا عن الأمن
      في المقابل، نجد أنفسنا كعرب نرفع شعار الإيمان، لكننا ننغمس في الصراعات والانقسامات المذهبية التي تعيق التنمية وتزرع الفتن. والمفارقة أن دولًا إسلامية غير عربية – مثل باكستان، بنجلاديش، إيران، إندونيسيا، وحتى الهند التي تضم ملايين المسلمين – تعيش بتنوع مذهبي واسع، ومع ذلك لم نسمع أن خلافاتهم الدينية تحولت إلى صراعات دامية كتلك التي يعيشها العرب
      الخلاصة: ليست المشكلة في الدين، بل في أسلوبنا نحن في فهمه وتطبيقه؛ كل منا يدعي المعرفة على الآخر، لا يوجد تسامح للفكر حتى كدنا لا تعرف الصح من الخطأ - حسبي الله ونعم الوكيل 

      المذاهب الدينية الاسلامية وسبب تباينها؛ 

      الأئمة الأربعة الذين تتبع مذاهبهم عند أهل السنة والجماعة؛ 
      ١ الإمام أبو حنيفة النعمان (٨٠هج – ١٥٠هج / ٦٩٩م – ٧٦٧م) 
      مؤسس المذهب الحنفي، وهو أقدم المذاهب
      انتشر في العراق ثم في المشرق (الهند، باكستان، تركيا، البلقان) 
      ٢ الإمام مالك بن أنس (٩٦هج – ١٧٩ / ٧١١م – ٧٩٥م) 
      مؤسس المذهب المالكي 
      اعتمد على "الموطأ" وعمل أهل المدينة 
      انتشر في شمال إفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) والأندلس والسودان 
      ٣. الإمام محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠هج – ٢٠٤هج / ٧٦٧م – ٨٢٠م) 
      مؤسس المذهب الشافعي
      تميز بضبط أصول الفقه وجمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي 
      انتشر في مصر، اليمن، شرق أفريقيا، جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا) 
      ٤. الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤هج – ٢٤١هج / ٧٨٠م – ٨٥٥م) 
      مؤسس المذهب الحنبلي 
      اشتهر بتمسكه الشديد بالنصوص (القرآن والحديث) ورفضه للتأويلات الواسعة 
      انتشر في الجزيرة العربية (خصوصًا السعودية) 
      ٢. سبب تباين اتباع هذه المذاهب؛ 
      اختلاف البيئات العلمية؛ 
      العراق كان مليئًا بالجدل والرأي، بينما المدينة غنية بالحديث والأثر 
      تنوع مصادر الفقه؛ 
      الإمام مالك اعتمد على عمل أهل المدينة، أبو حنيفة اعتمد على القياس، الشافعي وضع أصول الفقه، وأحمد بالغ في الاعتماد على الحديث 
      الانتشار الجغرافي والسياسي: كل مذهب وجد سندًا من الحكام أو المجتمعات في مناطق معينة، فترسخ وانتشر 
      الاختلاف الطبيعي في فهم النصوص: النصوص الشرعية تحتمل أحيانًا أكثر من وجه، وهذا ما جعل التعدد ممكنًا 
      ٣. هل الاختلاف المذهبي ساعد أو أضر الأمة العربية؟
      من الناحية العلمية والفكرية؛ التعدد المذهبي كان مصدر ثراء حضاري، إذ أتاح تنوعًا في الفقه والاجتهاد وحل المشكلات بمرونة 
      من الناحية السياسية والاجتماعية؛ أحيانًا أدى الاختلاف إلى تعصب مذهبي وصراعات خاصة حينما تدخل الحكام أو العصبيات القبلية 
      في سياق التقدم والسيادة؛ 
      الاختلاف الفقهي لم يكن سببًا مباشرًا لتخلف العرب أو ضعف دولهم، بل المشكلات الكبرى كانت الاستعمار، الفساد، التخلف العلمي والصناعي، الانقسام السياسي 
      بينما الأوروبيون مثلاً تجاوزوا خلافاتهم المذهبية وأسسوا نهضتهم على العلم والعمل، بقي العالم العربي والإسلامي منشغلًا أحيانًا بصراعات داخلية مذهبية لا تخدم التنمية 

      الخلاصة؛ 

      الأئمة الأربعة ظهروا على الترتيب: أبو حنيفة → مالك → الشافعي → أحمد. تباين المذاهب كان لثراء فقهي وعلمي طبيعي، لكنه تحوّل في بعض الفترات إلى سبب للتعصب والفرقة. أما تقدم الأمم فلا يتوقف على وحدة المذهب، بل على وحدة الرؤية نحو العلم والعمل والإنتاج
      ١. نشأة المذهب الإباضي 
      المذهب الإباضي يُنسب إلى عبد الله بن إباض التميمي (ت ٨٦هج تقريبًا)، لكنه في الواقع تأسس علميًا على يد جابر بن زيد الأزدي العماني (٩٣هج)، وهو من كبار التابعين وتلميذ ابن عباس وغيره من الصحابة 
      يُعد المذهب الإباضي من أقدم المذاهب الإسلامية؛ فقد سبق ظهور المذاهب السنية الأربعة، بل حتى المذهب الجعفري 
      الإباضية انتشرت أساسًا في عُمان، شمال إفريقيا (الجزائر وليبيا سابقًا)، وبلدان شرق أفريقيا، (نقله العمانيون) عندما استوطنوا في مناطقها 
      ٢. خصائص المذهب الإباضي 
      الحياد: لا يكفرون من قال "لا إله إلا الله" إلا إذا جحد معلومًا من الدين بالضرورة، وهم ضد الغلو في التكفير 
      السياسة: يؤمنون بما يمكن أن نسميه اليوم "الشورى/الديمقراطية"، أي أن الحاكم يُختار بالبيعة من أهل الحل والعقد، وليس بالوراثة المطلقة 
      الفقه: قريب جدًا من مذاهب أهل السنة في العبادات والمعاملات، مع اجتهادات خاصة 
      العقيدة: عندهم تمايز عن المذاهب السنية في بعض المسائل الكلامية (مثل صفات الله، مرتكب الكبيرة، الإمامة) 
      ٣. أسباب الحملات ضد المذهب الإباضي 
      الخلط التاريخي؛ 
      الإباضية نشأت في بيئة عُرفت فيها جماعة "الخوارج"، فاتهمهم بعض المؤرخين بأنهم امتداد لهم، رغم أن الإباضية ينفون الغلو والتطرف الذي اشتهر به الخوارج 

      الخلاف العقدي؛ 

      الإباضية خالفوا الأشاعرة والحنابلة في بعض قضايا العقيدة (مثل الصفات، الإيمان والكفر)، مما جعل علماء تلك المذاهب يصنفونهم خارج "أهل السنة". المنافسة السياسية 
      في فترات تاريخية، أسس الإباضيون دولًا قوية (مثل الإمامة العُمانية والدولة الرستمية في المغرب العربي)، ما جعل خصومهم السياسيين يستخدمون الدين لتشويههم 
      هيمنة المذاهب الأربعة؛ 
      مع الزمن، صارت المذاهب الأربعة هي المعترف بها رسميًا عند أغلب الحكام المسلمين، فتعرضت المذاهب الأخرى (كالإباضي والجعفري والزيدي) للتهميش وربما التشويه 
      ٤. هل المذهب الإباضي إسلامي صحيح؟ 
      نعم، الإباضية مذهب إسلامي صحيح، يشهد أهله أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويؤدون أركان الإسلام كما يؤديها المسلمون جميعًا
      الخلاف بينهم وبين غيرهم هو خلاف فقهي وعقدي، مثل الخلافات بين المذاهب الأربعة أو بينها وبين الشيعة 

      ٥. الخلاصة؛ 

      المذهب الإباضي أقدم من المذاهب السنية الأربعة، ويتميز بالاعتدال في التكفير وبنظام سياسي قائم على الشورى 
      الحملات ضده جاءت نتيجة الخلط التاريخي مع الخوارج، والاختلاف العقدي، والمنافسة السياسية 
      في الواقع، وجود هذا المذهب جزء من ثراء الأمة الإسلامية، والاختلاف لا يلغي وحدة الإسلام 

      1. عبد الله السناوي - شارك