1. روّاد سيح العافية - ٢٢٩ ذك

      في الحقيقة، من الواجب على كل مثقف أن يقدّم ما بوسعه من معرفة، سواء بكتابة المقالات أو بإلقاء المحاضرات، وأن يكتب عن المكان الذي ينتمي إليه، مبرزًا معالمه الحضارية والتاريخية وشخصياته البارزة، شريطة أن يتوخّى الأمانة ويتحقق من المعلومة التي يدوّنها
      كما يجب أن يكتب عن البطولات وتضحيات أبناء وطنه كنوعٍ من التوثيق التاريخي، وأن يكون صادقًا دون مبالغة في الوصف، فذلك من سمات الكاتب الجيد، وعليه أن يتجنب الاندفاع والعاطفة التي قد تؤدي إلى المبالغة المفرطة التي تُغيّب الحقيقة
      في هذه المقالة، سأتناول بالحديث أبرز الذين خدموا وبرزوا من أبناء سيح العافية في القطاعين العام والخاص، من الرعيل الأول، ولا سيما المتقاعدين، دون التطرق إلى ذكر الأسماء إلا لمن تيسر لي ذلك
      هؤلاء هم الذين ساهموا في تأسيس الدولة من مدنيين وعسكريين، ومن أبناء تلك القرية الهادئة الوديعة بأطلال مبانيها التراثية، القابعة في الجانب الشرقي من سفالة إبراء
      تأسرك سيح العافية بجمالها عند الشروق والغروب، ويبهر الزائرَ كرمُ أهلها وتسامحهم وبساطة تعاملهم. هي القرية التي صدّرت تجارًا إلى شرق أفريقيا، فاستوطنوا في تنزانيا، أوغندا، رواندا، وبروندي، حاملين معهم الثقافة الإسلامية والعفاف والتسامح
      ومن باب "الأقربون أولى بالمعروف"، أودّ أن أسجّل شيئًا من الإطراء لأحد شجعانها، دون الخوض في التسلسل التاريخي لشخصيات القرية، لأن ذلك يحتاج إلى بحث أكاديمي متعمّق، ولستُ من أهل هذا التخصص
      من بين الذين حُكي لي عنهم جدي صالح، الذي واجه أسدًا باغته في أدغال بروندي بشرق أفريقيا. أسفرت المعركة عن جروح عميقة في جسده كادت تودي بحياته، لولا أن نجّاه الله وشفاه بعد ستة أشهر من المعاناة حتى التحمت جراحه
      وقد روى مَن كانوا معه أنه تغلب على الأسد في النهاية بعد أن أطلق عليه النار وهو منهك تحت فكيه، فكتب الله له النجاة بأعجوبة، وأصبحت قصته تُروى في ألسنة العمانيين الذين عاشوا في تلك الديار
      وقد نشرتُ عن هذه الحادثة مقالة في هذا الموقع بعنوان: "أسدان يتصارعان – رقم ١٧٣" وهي مقتبسة من مقالة كتبها العم علي بن خالد السناوي (ابن أخت جدي "نصرى بنت حمود") في خمسينيات القرن الماضي عند وقوع الحادثة. وقد كرّمت الحكومة البلجيكية جدي على شجاعته آنذاك، ومنحته بندقية تُعرف باسم "أبو خمس"؛
      ومؤخرًا، نُشر مقال في أحد وسائل التواصل الاجتماعي (الواتساب) عن الرائد المرحوم سيف بن ناصر السناوي الحارثي – رحمه الله – بمناسبة مرور سبعة عشر عامًا على وفاته. لا شك أن المقال كان جيدًا من ناحية تدوين الحدث، غير أن الواجب علينا كقراءٍ ومدونين أن ندقّق ونتحقق ونبدي الملاحظات على ما نقرأ، ليُعرض الموضوع بأسلوب موضوعي ومنطقي. ولا شك أن الأخ الكاتب يوافقني الرأي في هذا
      لقد كان المرحوم سيف – رحمه الله – زميلًا وأخًا للجميع. كنت ألتقي به بين حين وآخر أثناء عمله، وكان يحدثني عن مغامرات الطفولة، كما حكى لي عن معركته مع المهربين
      لكنني لم أسمع منه قط عن قصة السبع عشرة رصاصة التي قيل إنها اخترقت جسده، ولعلّ في الأمر التباسًا في الرواية
      وربما المقصود مجموع الرصاصات التي أُطلقت على المجموعة كلها، إذ كانت المهمة تضم ثلاثة أفراد: الشرطي السائق، والميكانيكي الهندي، والمرحوم سيف، وليس اثنين كما ورد في المقال
      من المنطق أنه لو كانت السبع عشرة رصاصة أصابت جسده فقط، لبُترت أطرافه أو تمزق صدره أو بطنه! فكيف له أن يعيش بعدها؟ خصوصًا إن كانت الطلقات من بندقية أوتوماتيكية من نوع "كلاشنكوف" عيار يفوق ٨ ملم، لا من بندقية "سكتون" خفيفة. وأنا أعلم أنه أصيب بعدة طلقات فقط، منها في فخذ رجله وإحدى أصابع يده اليسرى (الأوسط)، وقد شاهدت ذلك بنفسي، وكان يعرج قليلًا في مشيته، دون أن يتكئ على عصا، وكان يقود سيارته ذات الدفع الرباعي بنفسه
      كما أذكر أنه وصف لي نوع بندقية خصمه، إذ كانت من نوع "كلاشنكوف AK-47" قديمة، مغطاة بجلد حيوان في مسند الخد
      المرحوم سيف كان جاري، كما هو جار كاتب المقال، وهو أصغرنا سنًا، وربما كنا متقاربين في العمر. وتربطنا صلة رحم من جهة جده محمد بن حمد بن حمود، فجدّ المرحوم سيف أخ غير شقيق لجدّ أبي (حمود بن جندب)، وأمهما واحدة وهي شيخة بنت سيف السناوية. وهي أيضًا جدة لأمهات أخريات من قرية سيح العافية – رحمهن الله جميعًا
      أما أبناء وبنات السناويين الذين يسكنون قرية سيح العافية بولاية إبراء، فهم في الغالب أقارب وأصهار، تجمعهم أواصر النسب نتيجة التزاوج المتبادل في الماضي، وخاصة خلال فترات السفر إلى شرق أفريقيا. فإذا طلّق أحدهم امرأة، تزوجها آخر من بينهم كنوع من التكافل الاجتماعي وتقاسم أعباء الحياة
      وكان لنساء سيح العافية دور رائد في تأسيس الشرطة النسائية والتجنيد العسكري في السبعينات، إذ التحقت ثلاث نساء منهن بالسلك العسكري: اثنتان في الشرطة، وواحدة في الجيش السلطاني، وقد خضن التدريب ذاته الذي خضع له الرجال دون استثناء. ومن عائلتي التحقت أختاي عزيزة وزكية بالخدمة الشرطية في بداية التسعينات؛ فالتحقت الأخت عزيزة في أغسطس ١٩٩٠، وتلتها الأخت زكية في ديسمبر من العام نفسه. وبعد انتهاء التدريب الأساسي في مايو ١٩٩١، عُيّنت عزيزة في الجمارك البرية، ثم في المطارات، بينما عُيّنت زكية في أكاديمية الشرطة برتبة شرطية مدربة للفصائل النسائية، واستمرت في تدريب المجندين والمجندات طوال ستة عشر عامًا، ترقّت خلالها حتى رتبة نقيب ثم رائد، ثم مقدم
      وقد تولّت لاحقًا رئاسة قسم الرقابة والإسناد لدوريات المرور، ثم مديرة لإدارة المخالفات المرورية، قبل نقل خدماتها إلى قيادة شرطة محافظة الداخلية حيث عُيّنت ضابطًا لمركز شرطة بدبد
      إن هذا الإنجاز الممتد على مدار اثنين وثلاثي
      عامًا لم يكن ليأتي لولا الإرادة والإصرار
      كانت الأخت زكية مثالًا للتفوق، ومن القلائل من الإناث اللاتي التحقن بالشرطة بشهادة الثانوية العامة في بداية التسعينات، ثم أكملت دراستها الجامعية على نفقتها الخاصة بجامعة الإسكندرية، وحصلت على بكالوريوس في القانون

      خاتمة؛

      هكذا هي سيح العافية؛ قرية تجمع الأصالة بالبساطة، والعطاء بالوفاء. أنجبت رجالًا ونساءً حملوا راية الوطن بإخلاص، وأسهموا في بناء عمان في شتى المجالات
      إن توثيق سيرتهم هو وفاءٌ للتاريخ، واعترافٌ بالجميل لأرضٍ ولّادة بالرواد و الابطال

      ١٧ أكتوبر من كل عام

      1. عبد الله السناوي - شارك