1. في الصورة من اليمين إلي اليسار والدي أحمد وجدي صالح وعمي علي بن خالد

      أسدان يتصارعان:

      عندما كنت أرتب مكتبة المرحوم أبي اليوم الصباح (الخميس السادس من يوليو 2017م) وقعت في يدي ورقة كتبت بخط اليد، وضعت في بطن كتاب قديم. كتب الورقة الوالد علي بن خالد بن سعيد السناوي وهو ابن عمة وابن خال المرحوم أبي.

       جزء من هذه الكتابة انمحى بفعل الزمن والورقة ذاتها متهتكة (هالكة) ولكن هناك جزء كبير من الكتابة واضح ويمكن قراءته وقد تمكنت من نقل النص مع بعض التصحيح البسيط في الإملاء من أجل الفهم وذلك حتى لا نفقد النص وجاء النص كالتالي:

      (أسدان يتصارعان)

      في ليلة الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة عام 1375هـ غادر الوالد صالح بن حمود بلدة "المكينكة" وفي أثناء سيره في الطريق اعترضه ليث هصور على مقربة من الطريق الرئيسي فصوب عليه بندقيته، وأطلق عليه النار، فأصابته رصاصة كسرت إحدى ساقيه فأنسحب الأسد من مكانه حيث التجأ إلى غابة هناك، مملوءة بالحشائش والأشجار فاختفى عن الأبصار تماماً ثم واصل الوالد صالح سيره إلى "مهنيجه" حيث مكان إقامته،  وفي الصباح الباكر، رجع إلى مكان الحادث، باحثاً عن الأسد بعدما رافقته جملة من معارفه وكان يثق بهم تماماً، وعندما وصلوا المكان نزلوا من سيارتهم، ودخلوا الغابة باحثين عن ضالتهم وعندما اقتربوا من الأسد، وكانوا قد اطمأنوا من أن الأسد قد لفظ أنفاسه الأخيرة وثب الأسد عليهم فأدركهم الوالد صالح وكان قريباً منه جداً ولم يتمكن من إطلاق النار عليه مرة أخرى فاشتبكا في معركة دامية دامت أكثر من ساعة أسفرت تلك المعركة عن  قتل الأسد ونجا الوالد صالح بعدما إصابه بعض جراح في وجهه ويديه وحمله أصحابه إلى المستشفى بينما كان قد هربوا وتركوه وحيداً بنفسه في ذلك الصراع العنيف وقد خرج من المستشفى وهو يحمل لواء النصر والفخر متمتعاً بالصحة والعافية وهكذا تجري الأحوال، (ليث وليث في مكان ضنكي كلاهما في شدة وفتك)".

      والوالد علي بن خالد من محبي العلم والمعرفة، ينتمي إلى أسرة معروفة بالتدين، جده وأبوه من علماء  الدين في قريتنا - سيح العافية بسفالة إبراء، توفى والده وتركه وهو صغير، وتربى في بيت جده حمود بن جندب والد والدته (نصرى بنت حمود)، وعندما بدأ العمانيون الهجرة إلى شرق أفريقيا طلباً للرزق؛ رافق خاله صالح بن حمود، (والد أبي)، ثم لحق به أخوه سيف وسعيد، وعاش الوالد علي بن خالد بجمهورية بورندي في كنف خاليه صالح وحمد أبناء حمود بن جندب، وانكب الوالد علي بن خالد على تعليمه وتلقى بعض مبادئ الفرنسية بجانب ما تعلمه بالعربية وعلوم الدين في عمان.

      وللوالد علي اهتمامات بالسياسة والثقافة بصفة عامة، ومتتبع للأخبار في الصحف والمذياع وهو من مستمعي الإذاعة البريطانية الـ BBC والإذاعة المصرية - برنامج صوت العرب  ـ (أيام المذيع أحمد سعيد) في عهد الرئيس جمال عبد الناصر في حقبة الخمسينات والستينات.

      أتذكر أن كتبت عدة مقالات في هذا الموقع عن حياة عرب عمان في أفريقيا، وعن حياة أهلي، والتقيت بعدد ممن عاصروا جدي صالح بن حمود الملقب بالسواحيلية صاحب الأسد أو مصارع الأسد: bwana simba

      وقصة الجد صالح عن صراعه مع الأسد سردتها في مقالة سابقة قبل العثور على الورقة السابق ذكرها، وهي تختلف قليلاً عما جاء في ورقة العم علي بن خالد، ومما يبدو عندما وقعت الحادثة كان عمري آنذاك ثلاثة أشهر، حسب رواية والدتي أي أني ولدت في شهر رمضان المبارك من عام 1375هـ والحادثة وقعت في شهر ذي الحجة من نفس العام، وعندما بلغت العقل وجدت العم علي بن خالد مقيماً في بلدة "مكينكه" بينما جدي صالح ووالدي يقيمان معنا في بلدة "موينجا" ولعل جدي صالح فتح متجراً في "مكينكة" وسلم إدارته للعم علي، قبل أن يستقر ويفتح متجره الرئيسي في بلدة "موينجا".

      وقد رويت القصة مستنداً على واحد ممن كانوا معه إذ أنه: في مرة من المرات في أفريقيا بجمهورية بوروندي، ذهب جدي من مقر إقامته ببلدة "موينجا"muuyinga إلى بلدة "مكينكة" mukenka البلدة المجاورة التي يقيم فيها ابن أخته العم علي بن خالد، وكانت الرحلة في مساء اليوم الذي يسبق صبيحة العيد، وبرفقته نفر من أصحابه ليأتوا بالعم علي بن خالد ليعيِّد معهم في "موينجا" وأيضاً ليقيم بهم صلاة العيد. وفي الطريق صادفوا أسداً، لم يتمالك جدي صالح نفسه حتى أنه خلع بندقيته من على كتفه،  ثم صوبها نحو الأسد مطلقاً عليه النار، وكان الوقت ممسياً، هرب الأسد واختفى، وبما أن المكان غابة والوقت مظلم ترك جدي المكان هو ومن معه وواصلوا سيرهم حتى بلدة "مكينكة".

       وفي اليوم التالي بعد تأدية صلاة العيد في "موينجا" وربما بعد الظهر ذهب جدي مع اثنين من رفاقه ليسبروا أثر الأسد وليروا إن كان قد أصيب أم لا؟ ومن ضمن أؤلئك المرافقين شخص يدعى حارب أو حربي من قبيلة المطاوقة، وهو أخ لسالم بن عبد الطوقي الملقب في أفريقيا بـ (مُزاة) mzee يقصد باللغة السواحيلية "بالشايب".

      وبينما كان جدي يمشي مختالاً ومقتفياً أثر مسار الأسد،وكان هو في مقدمة زملائه، فاجأته أنثى الأسد (اللبوة) وأنقضت عليه وهاجمته ربما لتنتقم للذكر، أو ربما أنها وجدته فريسة لتلتهمها، ودار العراك بينهما بالأيدي وتلقى جدي منها كثيراً من اللطمات؛ محاولة خنقه كما تفعل لقتل فريستها قبل التهامها، ولكن جدي كان يقاوم  للإفلات منها محاولاً التقاط بندقيته، وكان يعاركها بمحاولة يائسة من أجل البقاء، ماسكاً بكلتا يديه لإبعاد فكها عن جسمه إلى أنكسر عظمة فكها.

      كان الجد صالح  يتمتع بصحة جيدة، ومحافظاً عليها، مما مكنته ذرابته في النهاية من أن يستعيد بندقيته بكل ما أوتي من وعي ويطلق على اللبوة النار، هربت اللبوة بجرحها تاركة جدي صالح هو الآخر جريحاً طريح  الأرض فاقداً الوعي.

      أثناء تلك المعركة لم يجرؤ أحد من زملائه من الاقتراب منه، كل ما فعلوه أنهم ذهبوا طالبين النجدة من القرويين المقيمين في تلك المنطقة التي أطلقوا منها زعيق الاستغاثة المعتاد بينهم والمعروف عندهم باللغة المحلية "أندورو"، إلى أن أتت الإغاثة الرسمية.

      ويقال بأن جدي رقد في المستشفى أكثر من ستة أشهر للعلاج؛ لعلاج الجروح التي أصابته في يديه ورجليه ووجهه وفي بقية جسمه. عرف الجد فيما بعد عند الأفارقة بلقب "بوانا سيمبا" أي صاحب الأسد أو مصارع الأسد، واشتهر بهذا الاسم في أفريقيا، وأيضاً عند البعض في عمان، وبقي هذا اللقب عالقاً به حتى وفاته في منتصف التسعينات.

      كُرِّم جدي على شجاعته من قبل الحكومة البلجيكية المستعمرة لبوروندي بمنحه بندقية صيد بلجيكية (تعرف في عمان تفق أبو خمس طلقات).

      وفي رواية أخرى وهي أقرب إلى الحقيقة رواها لي الوالد عبد الله بن سالم الوضاحي قبل وفاته بشهور ـ رحمه  الله  تعالى ـوهو من سكان الحيل بولاية قريات، وصديق لوالدي وعمومتي، روى لي القصة بحضور الأخ محمد بن ناصر بن عمار في مجلس العزاء،  في اليوم الثالث من عزاء المرحوم محمد بن سعيد بن سويد السناوي يوم 20 من شهر أغسطس 2015م، حيث روى لنا القصة كشاهد عيان على الحادث.

      وقد حكى: (بأنهم كانوا مستضافين عند الوالد علي بن خالد السناوي في بلدة "مكانكة" بجمهورية بوروندي، وقد ذهب هو ومعه الجد صالح بن حمود في سيارة "بيك آب" خضراء تابعة لأحد الأخوة من بلدة المضيرب بولاية القابل والذي كان يقودها هو بنفسه، وكان الجد صالح كعادته عندما يخرج في أفريقيا يحمل معه بندقيتين بندقية "أبو كسر" لصيد الطيور وبندقية أخرى "أبو خمس" لصيد الظباء، وعندما وصلوا إلى مجرى الماء بقرب البلدة المسمى بالمحلية "متوني" رأى الأسد من خلال عيونه المشعة في الظلام.

       صوب الجد صالح بندقته البلجيكية نحو الأسد،ثم أطلق عليه النار من السيارة، وبما أن الوقت كان ليلاً، واصلوا مشوارهم إلى بلدة "مكينكا" وعند العودة ربما في النهار نزلوا ليقتفوا أثر الأسد، وكان في المقدمة الجد، وبندقيته البلجكية على كتفه، وما أن رآهم الأسد حتى انقض على الجد صالح مطوقاً بيديه على عنق الجد صالح، لخنقه لافاً برجليه على بطن الجد، ولكن الجد صالح تمكن بما أوتي من قوة أن يدفع الأسد عن جسده ثم صوب على الفور وأطلق على الأسد النار وأرداه ميتاً. وقد تأثر الجد صالح من جروح تلك المخالب واللطمات التي أصابته من الأسد، تأثر بتلك الجروح التي أفقدته الوعي وبإصابات في جميع أنحاء جسمه، وأبرزها في وجهه، الأمر الذي تَطلَّب إلى إجراء عملية خياطة، وقد دامت جراحه لمدة ما يقارب الستة أشهر حتى شفي منها.

      وقد ذكر الشيخ سالم بن حمد بن سليمان ألحارثي في أحد كتبه،ربما كتاب "لؤلؤة الرطب" عن قصة صراع جدي مع الأسد حيث رواها له بنفسه ـ الله يرحمهما ـ فقد كانا صديقين حميمين.

      ومما سبق أرى أن القصة التي رواها المرحوم عبد الله بن سالم الوضاحي هي أقرب إلى الحقيقة، ويمكن أن نستند من ورقة العم علي بن خالد فقط تاريخ الحادثة.

      1. عبد الله السناوي - شارك