-
-
من متجر ٢٣ إلى مؤسسة السناوي – د ت (١) – ١٦٢ ت-ج
في الصورة الثانية يظهر محل الوالد «لبيع المواد الغذائية والأدوات المنزلية والكماليات – متجر السناوي»، كما تظهر في الصورة سيارته (باص – سيارة نقل) لنقل البضائع، ويبدو والدي في الصورة وهو يتحدث مع أحد الباعة. وفي الصورة الأولى يظهر نشاط المحل بوضوح على اللافتة، كما تظهر لافتة المكتبة على الممر. تاريخ التقاط الصورة: ٢٣ سبتمبر من عام ١٩٩٦م.
عندما عدت من مشواري، وجدت أبي في البيت، في بيتنا بدارسيت، ينتظر والدتي لتكمل له تحضير القهوة (قهوة الظهيرة). وهو تقليد متبع في عُمان الداخل في الماضي، حيث كانت الأسرة تتناول وجبة خفيفة قبل صلاة الظهر، وهي عبارة عن قهوة عمانية سادة مع التمر، أو الرطب إذا كان ذلك في وقت القيظ. وأحيانًا يُستبدل التمر بأقراص الخبز العماني الصغير (الغراميل)، التي تؤكل مع العسل، أو بالسيويا (الشعيرية)، التي تُقلى بالسمن الصافي مع حب الهال، ويُذر عليها السكر.
وعندما دخلت البيت، استقبلني والدي بابتسامة عريضة، وكان جالسًا على الفراش على الأرض، وأمامه القهوة، كأنه ينتظر مجيئي بشغف. وكالعادة، عرفت أن لديه ما يقوله لي، فطلب مني الجلوس لمشاركته في تناول القهوة، وقبل أن يقول أي شيء، بادرته بالسؤال:
هل وُفِّقت مع وزارة التجارة؟
نعم.
ولكنهم يريدون منا أن نبحث عن اسم آخر غير «٢٣ يوليو»، فقد سبقنا غيرنا إلى هذا الاسم.
بعد كل هذه المدة من وضع اللافتة؟
لقد أخطأنا حين تباطأنا في عملية التسجيل.
لكن المشكلة لم تكن من جانبنا، إذ لم تكن هناك وزارة للتجارة؟
على كل حال، وكالعادة، ساعدني لنبحث عن اسم سهل ومقبول.
وبعد تفكير طويل، ونحن نرتشف القهوة، قلت له: «ما رأيك بالسناوي؟» فقال: «فعلاً، كيف غاب عن ذهني اسم قبيلتنا؟».
وما إن انتهينا من القهوة حتى حمل أوراقه وحقيبته السوداء «سمسونيت»، وخرج مسرعًا ليلحق بالوزارة قبل أن تُغلق. وهكذا كانت بداية ميلاد مؤسسته «مؤسسة السناوي».
ومن سيقرأ مذكراتي السابقة (ذكريات ٢٧د)، سيرى كيف تطورت تجارة والدي من متجر صغير إلى مؤسسة. وكما ذكرت، فإن الفضل الأكبر، بعد الله سبحانه وتعالى، في إنشاء هذا المتجر الصغير يعود إلى أخي علي، الذي بدأه ببيع البسكويت لأولاد الحارة في حي دارسيت.
لاحظ أخي أن السكان يحبون أكل البسكويت المالح مع الشاي في الصباح، وعندما كانت والدتي ترسله لشراء السمك من مطرح في الصباح، كان يعود ومعه غلاف من علب البسكويت، ويبدأ ببيعها لأولاد الحارة. وبالتدريج، ونظرًا لعدم وجود دكان في الحي، أقبل الناس على شراء ما يأتي به أخي، حتى أصبح يبيع أشياء أكثر من البسكويت، بل ما يلزم ربات البيوت من أغراض في ذلك الوقت، مثل علب صلصة الطماطم، والملح، والحليب المعلب، والشاي، والسكر، إلخ.
وعندما عدنا إلى أبوظبي لمواصلة الدراسة بعد قضاء عطلة الصيف، اهتم والدي بتطوير المتجر بسبب حاجة الأهالي إليه، وهكذا استمر الأمر إلى أن كبر المتجر.
وقد تفرغ والدي لهذا المتجر بعد استقالته من عمله الرسمي، إذ لم يكن عمله يتناسب مع ظروفه العائلية آنذاك، ففضّل الدخول في العمل الحر. وبفضل الله تعالى، وخبرته السابقة التي اكتسبها في أفريقيا، كما ورد في المذكرات السابقة، وبقليل من الجهد والصبر، استطاع أن يقف على رجليه. فأضاف نشاط المقاولات إلى سجله التجاري، وكان أول بيت بنته مؤسسته بيتي في حي وادي العدي، بتمويل من بنك الإسكان، إذ كنت من أوائل الذين حصلوا على قرض إسكاني من هذا البنك في أواخر السبعينيات، بعد أن استقررت في العمل.
وأثناء وجودي في بريطانيا لمتابعة دراستي الهندسية، كنت على اتصال دائم بوالدي عن طريق المراسلات الكتابية؛ للاطمئنان على سير عمله، إذ يكاد لا يمر أسبوع واحد دون مراسلة بيننا. واستطعت أن أخمّن، من خلال الرسائل المتبادلة بيننا، ما إذا كانت الأمور غير مستقرة لديه، إذ بدا أن هناك تأخرًا في دفع الإيجار من مستأجري بيتي في وادي العدي، الذي شُيّد من الخشب أثناء وجودي في بريطانيا.
وفي لندن، كنت أزور المعارض و«السوبر ماركيتات» (supermarkets)، أي المحلات الشاملة، كما كان يُطلق عليها في ذلك الوقت، آملًا أن أطور تجارة أبي عند عودتي. حتى إنني أتذكر أنني طلبت من صاحبة البيت أن تحدد لي موعدًا مع شركة NCR، الشركة المشهورة في تصنيع «آلات تسجيل المدفوعات النقدية» (cash register). وفعلاً، قابلت البائع لمعرفة كيفية عمل هذه الآلة في ضبط عملية البيع.
وعندما انتقلت إلى إيطاليا للتدريب العملي، كنت أقابل كثيرًا من التجار الأفارقة من إريتريا وقبرص، وهما من البلدان التي لها تعامل مع الطليان، وكانوا يعرضون عليّ خدماتهم. وكتبت إلى أبي، لكنه، كعادته، لم يكن يتخذ القرارات الصعبة بسرعة.
وبعد عودتي إلى عُمان بفترة وجيزة، ومن خلال مراجعتي لوزارة الأراضي (الإسكان حاليًا)، قابلت مهندسًا عمانيًا من مواليد أفريقيا، يعمل استشاريًا في الوزارة. وسألته عما إذا كان باستطاعته أن يدلني على مكتب استشاري لإعداد الخرائط، فعرض عليّ مكتبه الخاص، فسلمته الأوراق.
وبعد مدة، استلمت منه رسومات البيت، وتقدمت بطلب قرض إلى بنك الإسكان، الذي كان في بداية عهده آنذاك. وفور الموافقة على القرض، عهدت إلى مؤسسة والدي بمهمة البناء، وكانت تلك أول خطوة يدخل فيها والدي مجال المقاولات. والحمد لله، كانت تجربة ناجحة.
ولما علم الناس بجودة عمله، ولا سيما موظفو شركة تنمية نفط عُمان، تراكمت عليه الطلبات، سواء لإجراء صيانة للمساكن القائمة أو لإنشاء مساكن جديدة، بدءًا من حي وادي العدي، مرورًا بالعامرات، وامتدادًا إلى سيح الظبي. ثم امتد عمله إلى إبراء، بعد استيلاء الحكومة على أرض دارسيت للمنفعة العامة، كما سبق ذكره.
وقبل إخلاء الأرض في دارسيت في مارس من عام ١٩٨٥م، كان لا بد من البحث عن سكن للعائلة، وفي الوقت ذاته إيجاد محل لتجارته. هنا شعرت بالمسؤولية، إذ كان لا بد من إيجاد حل فوري واقتصادي. ولم أجرؤ على سؤال والدي عن حجم مبلغ التعويض الذي حصل عليه، لكنني استطعت أن أخمّن أنه كان كافيًا لاستئجار محل وبيت وغير ذلك.
وبحكم صداقتي وتقربي من مدير عام الخدمات العامة بالشركة التي كنت أعمل بها، استطعت الحصول على مسكن مؤقت مجاني لعائلتي، لحين ترتيب أوضاع والدي. وخلال تلك المدة التي سكنا فيها بسيح الظبي، في البيت الذي أُمِّن لنا من جهة العمل، استطاع والدي إكمال بناء بيت أخي علي في الخوير، ثم انتقلنا إليه. وبعد مدة وجيزة، اشترى والدي أرضًا في الخوير بالمبلغ الذي كان لديه، وبنى بيته ليستقر فيه أفراد العائلة.
ولم أحظَ أنا بالسكن فيه، إذ كنت في ذلك الوقت، أي في عام ١٩٨٦م، قد تزوجت وانفصلت عن العائلة، وسكنت في بيت مستأجر مستقل بذاتي في منطقة الحيل بولاية السيب.
وفيما يخص ترتيبات المتجر، ذكرت الأمر لزميل لي من سكان حارتنا في إبراء، حارة سيح العافية، فعرض عليّ محله، الذي كان مناسبًا لنشاط تجارتنا في بيع المواد الغذائية. وكان موقع المحل في روي، مقابل مدرسة روي، فوافق والدي بعد معاينة المكان.
نقلنا تجارتنا إلى هناك، وبمرور الوقت اكتشف والدي أن المكان لا يصلح لبيع المواد الغذائية، وربما كان ذلك هو السبب الذي دفع مالكه السابق إلى بيعه لنا والتخلص منه. فقام والدي أيضًا ببيعه، وانتهت بذلك تجارتنا، وبقي مجرد نشاط تجاري مسجل في السجل التجاري.
وبعد فترة وجيزة، وجدت لوالدي محلًا آخر يصلح لأن يكون مكتبًا للمقاولات. وكان يقع على الشارع العام، مقابل معسكر بيت الفلج، بعد تقاطع طريق مطرح، في الدور الأرضي من عمارة يملكها المرحوم الشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي.
وقد زكّى لنا هذا المحل أحد الزملاء من الجماعة، ممن زاملتهم في المدرسة بإمارة أبوظبي، إذ كان لديه مكتب مجاور يشاركه فيه أخوه. وكانا قد افتتحاه حديثًا، بعد تخرجهما، لتقديم الاستشارات الهندسية. فوافق والدي على الفكرة لكونه يعرف الشابين، فهما من الجماعة، كما أنه يعرف صاحب العمارة وأخاه، المرحوم الشيخ سالم بن حمد بن سليمان، إذ كانا من أصدقاء والده المرحوم.
اجتهد والدي في تأثيث المكتب بما يليق بموقعه، قدر الإمكان، لكن المكتب لم يكن سوى (برستيج) لا غير؛ إذ لم يكن يغطي قيمة إيجاره. كما أن أعمال المقاولات تتطلب معدات وسكنًا للعمال، فضلًا عن أن المكتب لم يكن جاذبًا للزبائن. وكان لدى والدي أيضًا ارتباط اجتماعي بخدمة بلده، فهو من الأعيان الذين يُستشارون في تنمية الولاية، مما كان يجعله يذهب إلى إبراء كلما تطلب الأمر مقابلة الوالي.
ولم يكن والدي متفرغًا للجلوس في المكتب، كما لم يكن لدى أيٍّ منا، نحن أبناؤه، وقت لمعاونته؛ لارتباط كل منا بعمله. لذلك كان يشرف على أعماله بنفسه، ويقضي معظم وقته في ميدان العمل في منطقتي العامرات وسيح الظبي. فقرر إغلاق المكتب ونقل جميع أعماله إلى إبراء.
ولم يكن المكان في إبراء مهيأً لإسكان عمال المقاولات، إذ كنا، عندما نذهب إلى هناك، نسكن في البيت الذي شيده والدي في بداية السبعينيات من ألواح الخشب المضغوط المعروف محليًا باسم (البلاي وود) (plywood)، بوصفه مأوى سريعًا، وذلك بعد أن استقر سكن والدي ووالدته في بيتهما، بيت الحدري، وأُعيد البيت الشرقي الذي كنا نسكنه إلى الورثة.
سبق أن كتبت عن هذين البيتين بإسهاب، وعن مراحل بناء بيت الوالد السابق ذكره، الذي أسماه «صلالة»، تيمّنًا بسنوات كفاحه في جبال ظفار. (يرجى مراجعة ذكريات – ١٤د، وذكريات – ١٥د، وذكريات – ١٢د في هذا الموقع).
يتكون البيت الحدري من ثلاثة أجزاء: الجزء العلوي، وهو الجزء الذي كان في الأصل لجدتي، والدة والدي، وقد ورثته من أبيها؛ والجزء الأوسط، الذي اشتُري فيما بعد، وشيد والدي فيه مسكنًا لنا؛ والجزء الحدري، الذي اشتراه جدي صالح من أحد الجماعة المقيمين في أفريقيا بأوغندا.
وفي الثمانينيات، دُمجت الأجزاء الثلاثة دون تغيير معالمها. وعندما نقل والدي أعماله إلى إبراء، جعل الجزء الحدري مسكنًا لعماله، إلى أن نُقلوا فيما بعد إلى بيته المسمى «صلالة»، بعد أن شيده من وحدتين: مسكن له، ومسكن لنا (أولاده)، إلى جانب مسكن آخر للعمال، ومخزن لأدوات البناء.
وعندما توسعت العائلة، نقل العمال إلى الأرض التي يملكها أخي علي، عند مدخل شارع سيح العافية من الناحية الشرقية، والمتفرع من الشارع العام.
وفي الوقت الذي كانت تجري فيه أعمال المقاولات، التي كان والدي يديرها من بيته، استعاد نشاطه التجاري بإنشاء (السوبر ماركت). وكان ذلك بعد حصوله على نصيبه من قسمة الأرض التجارية التي اشترك في شرائها مع مجموعة من أصدقائه، ثم باعوا الجزء الأكبر منها لمجموعة من الأهالي، وقُسمت إلى قطع صغيرة، أُقيمت عليها دكاكين سوق سفالة إبراء الحالي.
خصص والدي ستة دكاكين من نصيبه، ودمجها مع بعضها لتكون محلًا لبيع المواد الغذائية والأدوات المنزلية والكماليات (السوبر ماركت). وبناءً على نظام اللافتات التجارية الجديد في البلدية، غيّر المسمى إلى «متجر السناوي»، واشتهر محله بهذا الاسم الأخير. وخصص الدكانين الملاصقين لهذا المحل لبيع الأدوات الكهربائية والساعات.
وبفضل سمعة والدي الطيبة وتضحياته من أجل مجتمعه، أحبه الناس وتوسعت تجارته، وأصبح لديه عدة محلات في السوق الذي سبق ذكره، إلى جانب محل بيع المواد الغذائية، ومنها: محل لبيع الأدوات الكهربائية والإلكترونية، ومحل للحوم، ومنجرة، ومحل للخياطة، فضلًا عن نشاط المقاولات.
إلا أن ارتباطه بعدة أمور محلية، منها خدمة المجتمع، وعضويته في لجان محلية عدة، ورئاسته فرع غرفة التجارة والصناعة، وتوليه رئاسة إدارة النادي السابق (نادي إبراء الرياضي)، جعله ينشغل عن تجارته، خاصة مع عدم وجود أحد منا لمعاونته؛ لارتباطنا بأعمالنا الرسمية في مسقط.
واعتمد في إدارة أعماله على العمالة الآسيوية الوافدة، سواء في إدارة محلاته أو في إدارة المقاولات. وإلى جانب ذلك، واجه منافسة غير شرعية من بعض العمالة الوافدة المكفولة من قبل موظفين في القطاعين العام والخاص، الذين كانوا يمارسون التجارة المستترة، وهي ظاهرة تفشت في ذلك الوقت.
وعلى الرغم من أن والدي كان يبذل قصارى جهده، هو ومن معه في إدارة الغرفة وإدارة التجارة، لتوعية أرباب العمل بخطورة تسريب العمالة الوافدة، وخطورة تأجير سجلاتهم التجارية لهذه العمالة لممارسة الأعمال التجارية دون تدخل منهم، ومنحها صلاحية استخدام تلك السجلات مقابل مبلغ زهيد يُدفع لهم كل شهر، فإن هذه الممارسات ظلت تشكل تحديًا أمام أصحاب الأعمال..
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








