1. الجيل التائه:

      يلاحظ أنه في العشر سنوات الماضية بدأت القنوات الفضائية تنتشر بشكل متزايد ومضطرد، حتى أصبح اقتناؤها سهلاً وميسراً لكل من يملك مال الاستئجار ومال تأسيس الاستوديوهات لبث برامجها.

      أذكر عندما كنت أعمل في شركة الاتصالات كنا نعاني لضيق الحجز الترددي وعدم إمكانيات التوسع في القنوات الساتلية (الفضائية) لسببين الأول لضيق نطاق التردد، والشيء الآخر التكلفة الباهظة في حمل الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء وصيانتها. وكانت قنوات الإعلام (التلفزيونية( تشغل حوال 75% من الحجز الكلي من الساتل  بينما قنوات الاتصال الهاتفي تشغل الباقي.

      وفي الثمانيات كنا نقرأ كثيراً عن الاتصال الضوئي، وكانت كابلات الألياف البصرية قد بدأت دخول مجال الاتصال، باستخدام النظام الرقمي، والنظام الرقمي أيضاً ساعد كثيراً في عملية التوسع في القنوات الفضائية وأصبحت قناة الأقمار الاصطناعية الواحدة (الساتلية)satellite channel بالإمكان تحميلها عدة وسائط: (صور وصوت وفيديو) مما شجع شركات الاتصال في الاستثمار أو امتلاك أقمار اصطناعية لتأجير قنواتها.

      التقنية الرقمية الحديثة جعلت إمكانية بث البرامج التلفزيونية ممكنة من محطات متنقلة محمولة على مركبات، دون الحاجة إلى استوديوهات ثابتة، أما على المستوى الرسمي فقد قامت بعض الحكومات بالاستثمار في مجال الإعلام، وبنت مدن عرفت بالمدن الإعلامية، ووفرت كافة السبل والتجهيزات اللازمة للتوصيل عبر هوائيات الأقمار الاصطناعية.

      ولكن للأسف الشديد بجانب كل نافع ضار، أنها قاعدة الحياة (الموجب يقارنه سالب)، فوجدبعض المستثمرين بأن الإقبال على السالب أكبر، وأكثر ربحية عن الموجب، وظهرت  على إثر ذلك قنوات تبث برامج فيها إغراءات للشباب من رقص، وغناء، وأفلام تشغل عقول المراهقين، وأفلام لمشاهير؛ كنجوم السينما والرياضة، وأصبح الشاب المراهق متعلق بهؤلاء المشاهير، ومنهم من يزين جدران غرفته بصورهم، ومنهم من يطبع الصور على صدر  قمصانه.

      واستُخدِم بعض هؤلاء المشاهير أو استؤجروا من قبل شركات الدعاية والإعلان للترويج عن بضائع ذات (البراند) brand - trademark  (الماركات) لجذب عقول الشباب نحو الموضة، وتسريح عقولهم في عالم الخيال.

      وبعض القنوات اتجهت إلى برامج السياسة، وجعلت من برامجها مساحة واسعة للتحاور أو التفاعل بين متضادين في الفكر لتجعل من المشاهد كالمتفرج على مباراة كرة قدم بين طرفين. وهناك قنوات أخرى أو القناة ذاتها تستضيف علماء دين (أوالمفتون)لإدارة حوار بينهم إلى أن يصل حوارهم إلى درجة التشابك بالأيدي، وأحيانا بالقذف والسب، لاختلاف الفكر بينهما، كما شاهدنا ذلك مع بعض العلماء من جامع الأزهر الذين يستضافون في بعض الفضائيات  لمناقشة مسائل  فكرية.

      راعني بعض ما سمعته من هؤلاء العلماء بعدم تحريم الخمر، وإجازة عدم ارتداء الحجاب بالنسبة للمرأة، والتشكك في صحة بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في كتاب البخاري. حتى أنه قيل عن البخاري نفسه بأنه رجل كفيف البصر أعمى لا يتقن العربية، ولا يوجد له كتاب. كانت هناك آراء مفاجأة بالنسبة لي وردت على لسان علماء مصريين أمثال الدكتور سعد الدين الهلالي والشيخ مصطفى راشد، والدتور إسلام، وغيرهم ممن استضيفوا في قناة تلفزيون المحور، أو سي- بي - سي. هذه الأفكار اعتقد بأنها غريبة ومخيفة، تنسف كل ما تعلمناه عبر السنين عن الدين الإسلامي. على كل حال هذه المناقشات كلها مدونة وموجودة على قنوات (اليوتيوب).

      شاهدت جدالاً دار بين اثنين من العلماء في الفقه، إلى أن وصل بهم الحال إلى المشاجرة، والضحية كما نرى هنا المشاهد، وأصبح المشاهد متشككاً في العقيدة، أيهما على صواب؟ ومن سيتبع؟ هذا ناهيك عن بعض الحروب بين العرب بسبب الطائفية والمذهبية، إذن المواطن العربي أين سيكون موقعه في الإعراب من هذه التداخلات التي تجتاح بلاده؟ أيهما أرحم حكم الاستعمار الأجنبي أم حكم  تجار البلد؟

      لذا نرى بلداننا في نزاع دائم (طائفيـ عرقي- ونزاع حدودي إلخ...) ونلوم الغرب على فعلتنا قبل أن نلوم أنفسنا، أين الوعظ الديني؟ ثم من نتبع؟ إذا كان علماؤنا يتقاذفون بالسب والشتائم على الملأ في قنوات الفضائيات. كل يرى نفسه هو الصح: لتصل مناظرتهم أحياناً إلى تبادل الاعتداءات بالأحذية على شاشات التلفاز وأمام الملأ. كيف سنربي أجيالنا ونقنعهم بمعتقداتهم الدينية أمام هذا المشهد؟ وهم يرون أيضاً المسلم يذبح المسلم ويكبر على ذبحه.

      نزاعاتنا وخلافاتنا جعلتنا غير متفرغين للعمل والانتباه لمسؤوليتنا تجاه أوطاننا، الأمر الذي أدى إلى أن الوافد الأسيوي يقوم بسحب البساط من تحتنا، وكما قلت في مقالات سابقة: (رأي من لا رأي له) تركنا كل شيء للأجانب، وأصبحنا مستعمرين ذهنياً ومادياً واقتصادياً وسياسياً.

      إننا شعب تائه في وسط الزحام (شطيرة شاورما) في يد الأجنبي الأسيوي والغربي .

      وقد رأينا تأثير الأسيوي، ليس فقط في اقتصادنا، بل امتد أيضاً إلى سلوكنا الأجتماعي، ومظاهر حياتنا؛ شوارعنا وأزقة مساكننا، حدائقنا قذرة، من جراء مخلفات هؤلاء الأسيويين، (لا يؤمنون بأن النظافة من الأيمان) حتى عندما يأتون لصلاة الجماعة في مساجدنا لا يحافظ البعض منهم على نظافته الشخصية، مما يجعل المصلي ينفر من روائح جسده. الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأعراف الآية (31) :

      (يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).

      ولكن، هل هذا الشخص يفهم متطلبات الصلاة في المساجد من نظافة وسلوك حتى لا يؤذي غيره؟ بصراحة لا أخفي سراً إن قلت أضطر أحياناًإلى تغيير موضعي في صلاة التراويح، عدة مرات مبتعداً عمن يصلون بجانبي من الأجانب، بسبب روائح أجسادهم الكريهة، المؤذية، خاصة في رمضان (رائحة سمبوسة الأفطار والباجيا) العالقة بهم ربما من المطبخ. هذا، وناهيك عن السوالف التي تحدث في الصفوف الخلفية، سواء أكانت صادرة من أجنبي أو من مواطن؛ إذن هنا يجعلنا أن نتساءل عن غياب دور إمام المسجد؟ أو دور أمة المساجد عموما في التوعية والإرشاد.

      لا شك أن المصلي الوافد الأسيوي عندما يبدأ الحديث مع زميله في المسجد عند قراءة الإمام دعاء التراويح، أو خطبة الجمعة لا يفهم ولا يعي ما يقوله الإمام، خاصة عندما تطول  الخطبة أو الدعاء، لذا قد ينتابه الملل ويبدأ بفتح سالفة الحديث مع زميله إذا مالم يقم الأمام بالتنبيه قبل الشروع في الصلاة.

      أعتقد لإمام المسجد دور في تثقيف المصلين حول كيفية أداء صلاتهم، والالتزام بآداب المسجد. والتنبيه لا يقتصر على المواطنين فحسب، بل يجب أن يشمل  المقيمين و الأجانب بصفة  خاصة، حتى لا تؤثر سلوكياتهم على البقية، وتصبح عادة يتبعها الناس دون إدراك؛ كعدم الالتزام بالمظهر العام، وارتداء الملابس غير اللائقة في المساجد، والأصوات والروائح التي تصدر من الفم، أو اقتحام الصفوف أومزاحمة الفقهاء (من هم أفقه في الدين)على الاصطفاف في السطر الأمامي. وأظن أنه من المناسب أن تخصص دورات إدارية لأمة المساجد بجانب الدورات الدينية، في كيفية إدارة المساجد، مما يحفظ للمساجد قدسيتها، وهيبتها، ووقارها.

      1. عبد الله السناوي - شارك