-
-
العزاء – المُوَاسَاة -د - ١٢٨
أقصد بهذه الكلمة هنا: المكان الذي يجلس فيه المصاب، ليستقبل فيه المعزين من الرجال، الذين يأتون إليه لتقديم التعازي له في ـ مصيبته ـ فقيده المتوفى.
وكلمة عَزاء (اسم) وتعني مُوَاساة مصدر عزِيَ، وتقال للمصاب في فقيده (أحسن اللهُ عَزاءَك)، أي يرزقك الصبر الحسن، وهنا في عمان نسمع هذه العبارة مع السرعة (أحسن الله عزاك / عزاكم)، ومنهم من يقول عظم الله أجرك/ أجركم، وهناك عبارات عديدة بدأت اسمعها في وقتنا الحاضر، من مختلف فئات المعزين، عندما يأتون للسبلة أو المجلس - المقام فيه العزاء.
لكن ربما من المستحسن أن تقال عبارة (أحسن الله عزاءك أو عزاءكم لأقارب المتوفى)، والباقي يقال لهم (عظم الله أجركم)، على كل حال، يختلف غرض مجيء المعزين، (منهم لتعزية فرد أو جماعة، أو قبيلة كما هو الحال في السابق) إذ يتضح ذلك عند دخولهم المجلس أو السبلة، وفي السابق نستخدم مصطلح سبلة بدلاًمن مجلس عندنا في إبراء بحارتنا- سيح العافية ـ بقرية السفالة، و الكلمة قد تكون وردت من كلمة سبيل – مسبل،المكان المسبل (أي مفتوح للعامة) والله أعلم. خبراء اللغة العربية أدرى مني بذلك.وربما هذا المصطلح يستخدم في معظم المناطق في عمان، ونطلق على المكان المفتوح أمام السَبلَة (مجلس)، وإذا كان المكان أضيق في المساحة، والجلوس على شكل سطر واحد تحت جدار مبنى؛ على سبيل المثال قلعة أو حصن نسميه مبرز من فعل (بَرَزَ) المكان الذي يبرز فيه الرجل (يظهر)، أي يجلس بارزاً كالشيخ أو الشخص المعروف عند جماعته ليستقبل الناس (أو رعيته).
ونسمع أيضا مصطلح (برزة)ويقصد به نفس المعنى، وعند العمانيين العرب في أفريقيا البرزة هي الشرفة الأرضية veranda المظلة التي أمام مدخل البيت أو المحل التجاري، ويحرصون العرب في أفريقيا الجلوس في البرزة بعد صلاة العصر لتناول الشاي أو القهوة العمانية مع أصدقائهم (القهوة مع التقدوم ).
والتعزية من السنن الحميدة بين الناس، إذا كانت قبائل عمان في السابق خاصة في الولايات الشرقية من عمان تحرص على مواساة بعضها بعض، كنوع من البرتوكول، والصلح فيما بينها، وعهدتهم في السابق منهم من يأتي على ظهور الحمير من أماكن بعيدة عندما كانت الدواب الوسيلة الوحيدة المستخدمة في التنقل، ذلك الوقت.
وعندما يتوفى عندنا أحد، نرى هناك مجموعة من الكتبة أثناء العزاء يجلسون على زاوية السبلة ممن عُهد لهم الكتابة لرؤساء القبائل المجاورة، أو القبائل لإعلامهم، خاصة الجماعة الذين نرتبط معهم بصلة رحم، أو صلح، ويكلف شخصاً بحمل نسخ من هذه الرسائل تسمى: (البَرَو ـ جمع بَروَه) إلى السوق- سوق الحرث بحارة القناطر)، ليسلمها من يراه، هابط السوق من الجماعة أو القبيلة المعنية..
ويُضَيف المعزون فقط بالتمر والقهوة العمانية لا غير، إلا بعض الخاصة، يتكفل أحد سكان الحارة، بضيافتهم للغداء أو العشاء هؤلاء يكون عددهم قليل جداً، خاصة إذا كانت الإمكانيات المادية لدى المصاب ضعيفة، والكل يتبرع بالتمر والقهوة طيلة فترة العزاء التي لا تزيد عن ليلتين (ثلاثة أيام). وربما سبب هذه المدة لإعطاء الفرصة للقادمين من الأماكن البعيدة لتمكينهم من تقديم واجب العزاء، بسبب ظروف النقل. أما في وقتنا الحاضر والحمد الله أصبحت وسائل التنقل متوفرة وميسرة إذ أصبح السفر إلى أقصى بقاع العالم في سويعات.
العمانيون حافظوا على هذه الصلة إلى اليوم إلا أنها أصبحت مكلفة للمصاب، وعبئاً مالياً إضافياً عليه عندما يتوفى أحد أقاربه، إذ يقوم بتوفير وجبة غداء للمعزين بالإضافة إلى القهوة والتمر التي تُدَوَر على الحضور في المجلس كل دقيقة. ومنهم من يبالغ في الضيافة، وترى مرجلاً بعد مرجل من الأرز واللحم يساق إلى السبلة، وترسخت هذه العادة، مما أصبح من الصعب للإنسان غير الميسور العدول عنها، ومحرجة مما يترتب على المصاب دين، من تكاليف العزاء، وكذلك يكون التوقف عن هذه العادة محرجاً حتى لا يتهم المصاب أو عائلته أو جماعته بالبخل، حتى أن بعض الناس يعتقد بأنها من الصدقة. لكن كيف تكون صدقة ونحن نطعم الشُبَع وليس الجَوَعى؟
وفي وقت قريب حددت الحكومة أوقات الجلوس للعزاء (إذ اقتصر على فترة النهار)، وقامت الحكومة بإرشاد الناس عن سلبية هذا الإنفاق عن طريق بعض مكاتب الولاة، ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة منع الموظفين من القيام بواجب التعزية في فترة الدوام الرسمي، للتقليل من الازدحام على المصاب وأيضاً حفاظاً على مصالح الناس من التعطيل، ولكن هذا لم يكف،إذ لم يحد من عملية الإنفاق على وجبات الأكل (الولائم)، التي تمول من المطاعم،وقد تصل كلفتها أحياناًلأكثر من أربعمائة ريال عماني للمرجل الواحد من الأرز باللحم وهذا يتوقف علىجودة الأرز واللحم المطلوب.
هناك فتوى من سماحة المفتى الرسمي في السلطنة الشيخ أحمد الخليلي، فيما يتعلق الضيافة في الأعزية، ولكن ينقصها التفعيل. أما فيما يتعلق بقيام العزاء لمدة ثلاثة أيام، فهذا سوف يشجع مثل تلك الوجبات التي اعتاد الناس على إقامتها إن لم تقلل.
الفتوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (حفظه الله) هذا نصها :-
- ما حكم إطعام المعزين أيام العزاء، وهل فيه أجر؟
الجواب: أحذركم من هذه البدعة الضالة والعادة السيئة.. لا ريب هذه مخالفة صريحة لهدي الرسول صلى عليه وسلم فلا جرم إنه ممنوع شرعاً وبدعة محرمة والوصية به باطلة. هذا الذي اعتمده أراه واعمل به وأدعو إليه لذلك كان ترك هذه الولائم هو عين الصواب ولا أجر في الإطعام بل فيه وزر لأنه خلاف للسنة، والله أعلم.
- ما لذي يجوز تقديمه من الطعام للمعزين؟
الجواب: التمر والقهوة والماء بغير زيادة والله أعلم.
- هل يجوز للمعزين الأكل من طعام العزاء؟ ومن حلف من أصحاب العزاء عليه أن يأكل من طعام العزاء هل يبر بقسمهم؟؟
الجواب: هو من ضمن الممنوعات فلا يسلم الأكل من الوزر، ولا يبر بقسمهم لما فيه من مخالفة السنة والله أعلم.
- من أين يأكل الضيوف الذين يأتون إلى العزاء إذا كان الأكل من طعام العزاء لا يصح؟
الجواب: يأكلون من بيوتهم ولا داعي إلى حضورهم إلى العزاء إذا كان لا بد من ضيافتهم والله أعلم.
- هل التبرع بتغطية ولائم العزاء فيه أجر ويعد تعاوناً عل الخير؟
الجواب: لا ثواب للمنفق فهي بدعة محرمة ومن شارك في بدعة أو أعان عليها فهو آثم والله أعلم
- هل لأهل العزاء معازمة المعزين ودعوتهم للجلوس للطعام؟
لا يجوز لهم ذلك والله أعلم
- ما هي السنة في العزاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نتبعها؟
الجواب: السنة أن يصنع طعام من قبل جيران المصاب ليأكل منه أصحاب المصيبة لأنهم مشغولين بمصيبتهم عن الاشتغال بطعامهم والله أعلم.
- المصدر :فتاوي الجنائز للشيخ أحمد الخليلي ملخص (ص 148- 160)
وقد نوقش موضوع إقامة ولائم العزاء عدد من المرات شاركت أنا فيها، ولكن للأسف ًمازلنا ندور في حلقة مفرغة. الميسور يعمل كما يشاء، ولكن المشكلة تكمن في المعسور؛ عندما يكون العزاء عند من ذوي الدخل المحدود، على سبيل المثال: (شخص معروف اجتماعياً- يتدفق عليه المعزون من كل صوب، نظراً لكثرة معارفه، وغير قادر لضيافتهم)، ماذا يفعل؟ فهذا لا سبيل له إلاأن يستدين لتغطية كلفة الولائم.
حتى لو اقتصرت الضيافة على الأقارب، على أساس أنهم أتوا من أماكن بعيدة والمطاعم قد تكون مقفلة، خاصة إذا كان معهم مرافقين من أصدقائهم، فهذه مشكلة أيضاً، سيكون وضع صاحب العزاء محرجاً إن لم يضيفهم.ولن يدعهم دون ضيافة حيث أنهم تكبدوا العناء لتعزيته وسيصبح محرجاً دون قيامه بواجب الضيافة.
هكذا إذن، وأرى الحل للحد من هذه العادة كما اعتقد إتباع أسلوب التضييق بقدر المستطاع، حيث المنع التام قد يعتبر تدخلاً في الخصوصيات من قبل الحكومة، قد لا يتقبله البعض، ومن الأفضل، بأن تبدأ الجهة المعنية بالحكومة بعملية التنبيه أولاً على شكل بيان يصدر بتنبيه المواطن عن السلبيات من إقامةالولائم في الأعزية من الناحية الاقتصادية، والدينية، حيث الفتوى من سماحة الشيخ المفتي لا تجوز من الناحية الشرعية إقامة الولائم في العزاء،وصنفت مثل هذه الولائم بأنها بدع. وأيضاً من الناحية الاجتماعية والاقتصادية لأن الشخص عندما يعجز عن تحمل تكاليف معيشته بسبب سوء تصرفه يصبح عالة على الدولة يستهلك حقه وحق غيره. كما أن نصف الأكل المتبقي من الولائم يهدر في الزبالة، هذا بحد ذاته إسراف، نهى عنه الدين.
ويمكن البدء بتقصير فترة العزاء ليوم واحد، وأنا أرى تعزية الناس لبعضها بعد إتمام الدفن في فناء المقبرة ربما تكون من الأنسب، حيث الأجر في الجنازة والدفن، ويترك يوم واحد للمجاملة بعد الدفن، ليتجنب المصاب عتاب معارفه، وعندما يعتاد الناس التعزية بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي،هذا سوف يسهل ويريح المعزين وصاحب العزاء على حد سواء من العناء والتكاليف.
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








