1. الصورة (الرواندا وبوروندي شمال غرب تنزانيا)

       

      الحياة في مطرح ومعايشة والدي -3د

      بداية السفر:

      كان وضع عمان منذ عهد السيد فيصل (1888م)  وحتى آواخر عهد السيد سعيد بن تيمور (1970م) لم يكن يسير بشكل مرضٍ، بسبب تدخل الأجانب في شئون الحكم لحماية مصالحهم في البحر العربي وخليج عمان وجنوب شبه القارة الهندية، وكان الأجنبي في بلدة "كلاكوت" في الهند وهو من يسير الأمور بشكل مباشر الحكم في الخليج، الأمر الذي أثار حفيظة الإمامة من جديد في عهد السيد عزان بن قيس (1899م) إلى أن انتهت بحرب الجبل الأخضر وقيام ثورة الشيوعيين في ظفار في منتصف الستينات إلى أن أنهاها جلالة السلطان قابوس في منتصف السبعينات، مما حقق بعد ذلك الاستقرار الأمني والاقتصادي لعمان.

       

      هكذا نرى بأن نزوح العمانيين إلى أفريقيا في بداية القرن الماضي له مسبباته من أهمها أسباب معيشية. وقد كان أول المغتربين من العائلة كما يبدو لي هو جدي حمود بن جندب الذي استقر في زنجبار وتزوج من أفريقية أنجبت له جدتي "صفية"، ثم غادرها إلى بوروندي واستقر في "جيتيجا" العاصمة التجارية بعد العاصمة "بوجمبورا" وكان يتنقل بين تلك المناطق المجاورة كتاجر تجزئة ولما رجع إلى عمان استقر في بلده إبراء بعد أن تغرب لفترة طويلة حسبما ذكرت سابقاً في فصول أخرى إلى أن توفي في نهاية الأربعينات حوالي عام 1947م، ثم تلته البقية إلى أفريقيا من أولهم ابنه الجد حمد والد والدتي، وابنه الجد منصور الذي ربما هو من رافقه أولاً لأن أمه توفيت وهو صغير،ومن ثم لحق بهم الجد صالح، وتلوهم أحفاده الذين لحقوا بآبائهم، وكان آخرهم أبي، والعم ناصر بن منصور.

       

      أماكن الإقامة في أفريقيا:

      استقر الجد حمود بن جندب مع أولاده الثلاثة: منصور، وحمد، وصالح، وأحفاده كبقية العمانيين في البلدان التي تقع بشرق أفريقيا غير الجزر التي تقع على ساحل كينيا Kenya  وتنزانياTanzania وموزامبيق Mozambique، ولو أن وجهتهم الأولى كانت تتجه إلى بعض هذه الجزر كجزيرة زنجبار  Zanzibarوبمبا Pemba وممباسا و"دار السلام"dare salaam الواقعة على اليابسة من الساحل الشرقي لتنزانيا.

       

      استقر الجد حمود بن جندب في "كتيجا" والجد صالح في "موينجا" فيما بعد، والجد حمد في "رويجي" مقيمين في هذه البلدان مع أولادهم في جمهورية بوروندي Burundi وربما الجد منصور مع أولاده في أوغندا Uganda الله أعلم لست متأكداً، ولكن من المؤكد بأن أولاده ناصر وسالم كانوا يقيمون هناك في بلدة تدعى "نيكوبيا" سبق ذكرها، لقد زرت هذه البلدة "أوغندا"مع أهلي مرتين، المرة الأولى كانت عندما عبرنا من  خلالها إلى "كينيا" ومن ثم إلى عمان مع أهلي بصحبة عمومتي (العم علي بن خالد، وناصر بن منصور وعائلته) عن طريق ممباسا إلى عمان على ظهر سفينة بحرية في أواخر الخمسينات.

       

      وفي مطلع الستينات عزم جدي صالح العودة إلى بوروندي ليعيد تجارته من جديد في بلدة "مكينكا" البلدة التي كان يقيم فيها عمي علي بن خالد أثناء وجودنا في بلدة "موينجا"، وبعد فترة وجيزة عزم والدي اللحاق به واصطحبني معه لاستكمال دراستي في أفريقيا  لعدم توفر مدارس التعليم الحديث في عمان، وكنت للتو قد أكملت دراسة القرآن الكريم على يد المعلم عبد الله بن سليمان بن عبد الله البراشدي من سكان بلدة المنجرد بوادي نام، الذي تولى تدريس أولاد حارة سيح العافية حتى بداية السبعينات من القرن الماضي.

       

      سافرت مع والدي وبصحبة مجموعة من سكان إبراء، وكنت الأصغر في الرحلة، لم أكن قد تجاوزت السادسة أو السابعة من العمر، لا أتذكر من كان في صحبتنا إلا القلة منهم بما أذكر أمثال الوالد ماجد بن سعيد البرواني، وولده سعيد، وعبد الله بن محمد بن راشد العيسري، على كل حال بعد رحلة طويلة شاقة بالشاحنة من إبراء استغرقت يوماً كاملاً إلى مطرح، هناك سكنا في خيام من سعف النخيل على سفح جبل أمام مقبرة بمطرح تعرف بخيام "سيف المعشري بحلة الزبادية" لأكثر من شهر في انتظار المركب الهولندي الذي سيقلنا إلى بر أفريقيا عن طريق ميناء ممباسا.

       

      ممباسا:

      وصلنا ممباسا من رحلتنا الطويلة التي استغرقت ثلاثة أيام أو أسبوعاً في عرض البحر، وعند وصولنا ممباسا استقبلنا أحد المقيمين العمانيين هناك المختص بتخليص المعاملات اسمه ناصر البحري، وأقمنا في مكان مؤقت في ممباسا في بيت يعرف "ببيت الجمعية"، مخصص لإقامة العمانيين القادمين من عمان، وهذا البيت عبارة عن غرفة واسعة يفترش فيها الأرض للنوم وبه دورة مياه بدائية. أقمنا في هذا البيت لعدة أيام حتى تيسرت أمورنا واستقلنا الحافلة إلى العاصمة "نيروبي" ومنها إلى أوغندا بلدة "نميوا - نيكوبيا" البلدة التي يقيم فيها العم سالم بن منصور (زوج شقيقة أبي).

      يتبين من الخارطة البلدان التي سكنوها العمانيين وهي : Zanzibar, Tanzania Uganda, Burundi, Rwanda, & Zaire  البلدان: زنجبار، تنزانيا وأوغندا مستعمرات بريطانية، أما بوروندي ورواندا، وزئير فهي مستعمرات بلجيكية و التعامل الرسمي فيها باللغة الفرنسية.

      ويقول الدكتور غباش في كتابه: "عمان الديمقراطية الإسلامية" بأنه: توصل العمانيون إلى إقامة إمارات عربية عدة في شرق أفريقيا. فقد أنشأت قبيلة الحرث مدينتي مقديشو (Mogadishu) وبرافا (Brava) حوالي عام 924م وتمتعت هذه المنطقة باستقرار سياسي واقتصاد مزدهر دام أكثر من سبعة قرون، ولم يضطرب إلا مع وصول البرتغاليين مطلع القرن السادس عشر.

       

      وهكذا، عند وصولنا ممباسا، لا أتذكر أين اختفى الذين كانوا بصحبتنا إلى ممباسا، حيث أنا ووالدي اتجهنا إلى أوغندا دون أن أدري أين ستكون محطتنا الأخيرة؟ على كل حال أقمنا في "النميوا" في بيت العم سالم بن منصور لعدة أشهر وكنا نتنقل بين حين وآخر لزيارة معارفنا من العرب في المناطق المجاورة ومن البلدان التي بها قبيلة السناويين

      أي البلدان التي سكنها السناويين في أوغندا هي كالتالي:-

      (Iganga, Kaliro, Nayigobya. Chani.Nawaikoke, Namwiwa. Namwendwa.Namtumba.Ivukula.Tirinyi.Busembatia.Kyere.Soroti.Mbale.Bugiri )

      (بيانات بعض البلدان في أوغندا التي لم أزرها حصلت عليها من قبل صديقي الأخ محمد بن ناصر بن عمار السناوي.)

       

      كانت نية والدي أن يلحقني بإحدى المدارس الهندية ببلدة كاليرو (Kaliro) التي كان يدرس فيها زميل لي كان معي في مدرسة القرآن بسيح العافية (أيام حبوة سعدة) وهو الأخ سالم بن راشد بن محمد بن رشيد إلا أن والدي عدل عن رأيه، ولا ادري كيف تم اتخاذ قرار نقلي إلى ممباسا للدراسة والإقامة مع صديقه محمد بن حمود بن سالم البهلاني، (الصورة FP 73) في الفصل السابق (الحياة في أفريقيا 5-4د).

       

      محمد بن حمود بن سالم البهلاني  :

      هذا الرجل زارنا في بلدة "مهينجا" بجمهورية بورندي (الصورة FP 73) التقطت لنا الصورة في دكاننا قبل سفرنا بمدة (لأول مرة إلى عمان)، وعرفت الوالد محمد فيما بعد بأنه صديق لجدي حمد بن حمود والد والدتي، والوالد محمد يقيم في ممباسا، متعلم و يتقن اللغة الانجليزية بطلاقة ومتزوج من مواطنة صومالية، لديه منها: عدد من الأولاد ومنهم في مناصب عليا في عمان، وعندما عاد إلى عمان في بداية السبعينات تزوج مرة ثانية في مسقط لاشك أن لديه عدد من الأولاد وشغل وظيفة حكومية في عمان إلى تاريخ وفاته، والتقيت في عمان ببعض من أولاده الذين كنت معهم في ممباسا.

      لا أعرف عن حياة العم محمد بن حمود شيئاً في أفريقيا عدا أنه يعمل ربما لدى حكومة كينيا قد يكون في أحد الدوائر الحكومية في ممباسا، ولديه من العلم ما يؤهله بان يكون موظفاً مرموقاً إذ يتقن لغته الأم العربية بلكنة أهل داخلية عمان، بجانب اللغة السواحليه التي قد يكون درسها في المدرسة، وربما لديه الجنسية الكينية مما يبدو أنه قد تأقلم هناك، ومن يرى مظهره يعتقد من عرب الشام أو من باكستان.

       

      الرجل فاضل، محافظ على صلاته، طيب القلب ولم أحس خلال مدة إقامتي معه بأني غريب وكان يعاملني كأحد أبنائه ويصطحبني مع عائلته في تنقلاتهم أيام العطل الرسمية حتى إني زرت زنجبار مع عائلته لرؤية أخته، وهي جميلة وبيضاء أقصر منه في الطول بشرتها كبشرة أهل داخلية عمان (نزوى أو بهلا). كانت تعاملني معاملة خاصة باعتباري ) motto wa kimangaولد مانجا) وتعني باللغة السواحليه ولد عماني قح الذي لم تطرأ عليه التغيرات الخارجية. وقد لاحظت أهل زنجبار الذين من أصول عمانية بالذات لهم حب واحترام وود لأبناء بلادهم عمان أكثر عن غيرهم خاصة النساء دون غيرهن من العمانيات القاطنات في بلدان البر من أفريقيا كتنزانيا ورواندا وبوروندي وأوغندا.

       

      السفر إلى زنجبار الصورة  (FP 76)   في الفصل السابق (الحياة في أفريقيا 5-1د):       

      كنا قد انتقلنا من مسكننا الذي يقع على مرتفعات البحر على المرتفع الأخضر الشبيه بمرتفعات فندق الخليج بالقرم في عمان، ولكنه مكسو بثوب أخضر من الحشائش- الله أعلم ـ ربما تلك المنطقة التي كنا نسكنها منطقة يقطنها الأوروبيون لأن جارنا الذي كان يسكن في الطابق الأعلى من المبنى الذي كنا نعيش فيه إنجليزي متزوج من صومالية.

       

      محمد بن حمود بن سالم البهلاني:

      ومن الصورة (FP 73) التي التقطت لي مع محمد بن حمود البهلاني في ببوروندي. كما ذكرت هو عماني وكما سبق أن قلت، عاش وعمل في ممباسا بكينيا، جاء إلى بوروندي لزيارة والدي وجدي صالح ببلدتنا حيث كان جدي ووالدي يعيشان ويقيمان تجارتهما, وقد ولدت أنا وثلاثة من أخوتي هناك وكانت لنا تجارة نشطة في تلك البلدة قبل كسرها وانتقالنا إلى الوطن عمان في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، ذلك عندما بدأ الوضع يتدهور إثر الانقلاب الذي أطاح بالحكم ومطالبة السكان بالاستقلال من الحكم البلجيكي.

      لست أدري كيف تعرف الوالد محمد على أهلي ولكن بما سمعت يقال عنه بأنه كان صديقاً لجدي حمد والد والدتي كما قلت، ومن المعروف أن جدي حمد كانت له تجارة  واسعة ونشطة ورثها عن أبيه حمود بن جندب، وكان يتنقل بين تنزانيا وكينيا وزنجبار، ربما قد يكون هذا سبب التعارف بينهما، ومحمد بن حمود البهلاني ربما كان موظفاً في سلطة الجمارك أو الجوازات لدى الحكومة الكينية في ممباسا الميناء التجاري لكينياـ الله أعلم ـ لست متأكداً.

      لست أدري المدة التي قضاها محمد بن حمود معنا في بلدة "مهينجا" ولكن بما علمته فيما بعد بأنه كان يزور عدداً من معارفه ومن بينهم جدي حمد الذي يقيم في بلدة "روهيجي" هو وعائلته. وكان محمد بن حمود من هواة التصوير والصورة التي التقطت لي معه (الصورة FP 73) كانت بواسطة كاميرته التقطتها  لنا والدي, ويبدو من الصورة بأني كنت في سن السادسة.

       

      والدي يهوى التصوير الفوتوغرافي:

      أحب والدي التصوير الفوتوغرافي واستهواه، ربما يعود الفضل لصحبته مع هذا الرجل، وقد رافقت والدي الكاميرا فيما بعد لمدة من الزمن حيث وثق بالصور كثيراً من المناسبات واللقاءات كلما أتيحت له الفرص إثناء تنقلاته في بوروندي وأوغندا وفي عمان، فقد التقط العديد من الصور وبعض هذه الصور باقية إلى الآن في خزانة مكتبه، كل الصور التي وردت بالأبيض والأسود غير صور الأستوديو من تصويره بكاميرته الخاصة التي ابتاعها.

      أتذكر تلك الكاميرا ماركة "كودك" صندوقية الشكل بها عدسة ثابتة من الأمام لدخول الصورة ومقبض على اليمين على شكل حرف "L" باللاتينية لتدوير الفلم بالرغم من بساطة تقنيتها إلا أنها كانت فعالة، ولعل سبب جودتها ربما يعود على مهارة المصور ذاته الذي يلتقط الصور، وطبعاً كانت الصور في ذلك الوقت باللون الأبيض والأسود.

       

      وعند عودتي إلى إفريقيا برفقة أبي للدراسة في مطلع الستينات سكنت مع والوالد محمد في ممباسا، وكنت كأحد أولاده الثمانية، إذ لم اشعر في يوم من الأيام قط بالغربة، بالرغم من أنه كان من المناسب أن يتركني والدي لأدرس في أوغندا التي بها كثير من جماعتنا السناويين، ولست أدري ما السبب أيضاً الذي دعا والدي أن يتركني وحدي بعيداً عنهم، لعل الثقة وإلحاح صديقه البهلاني كان السبب، لأني لاحظت حب هذا الرجل لي كثيراً لعله كان يود أن يتعلم مني أولاده العربية، ولم أكن أنا أيضاً أتقن اللغة السواحليه على الإطلاق بالرغم من ولادتي كانت في إفريقيا.

       

      لم أكن أجيد النطق بالسواحليه حتى ولو بحرف واحد أنا وأخوتي، حيث كان أهلنا لا يرغبون أن نتعلمها، وبالذات جدي صالح كان شديد الحرص ألا نختلط بالأفارقة  حتى لا نتعلم شيئاً من طباعهم؛ فيغيب سلوكنا العماني، ولا أخفي سراً أن قلت بدأت أتعلم السواحليه من خلال معايشتي مع أولاد البهلاني في ممباسا وتعلمت وأتقنت أيضاً اللكنة الزنجبارية إثناء إقامتي مع أهل زنجبار في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة عدما كنت ادرس هناك في أواخر الستينات، حسبما ورد في فصول سابقة من مدوناتي.وزاد تعمقي باللغة السواحلية عندما التحقت بالعمل بشركة الاتصالات في منتصف السبعينات واحتكاكي بالموظفين العمانيين الذين قدموا من تنزانيا وزنجبار حيث كان البعض منهم  لا يتقن العربية مما اضطرني إلى التحدث معهم بالسواحليه.

      1. عبد الله السناوي - شارك