-
-
ذكريات مسقط ومطرح وموانئ شرق أفريقيا - ٤٢٤
ذكريات مسقط ومطرح وموانئ شرق أفريقيا وبيوت الضيافة في ستينيات القرن الماضي
لم يكن استخراج جواز السفر في الماضي أمرًا سهلًا، فقد يستغرق عدة أسابيع، إن لم يكن شهرًا أو شهرين. وكان يتوجب على كل من يرغب في استخراج جواز سفر جديد أو استبدال جواز سفره أن يأتي برسالة من شيخ قبيلته المعيّن من قبل الحكومة، موجّهة إلى مسؤول الجوازات في مسقط.
وأتذكر أنه في الستينيات، عندما أردت السفر إلى دبي، كان السيد ملك يعمل في مكتب يقع في عمارة مقابلة لمسجد الخور بمسقط. ولم يكن يجلس خلف مكتب كما هو الحال الآن، بل كان يجلس على الأرض على الطريقة الهندية، وأمامه طاولة يكتب عليها. وكان الناس ينتظرون في الخارج، جالسين تحت ظلال جدران المباني المجاورة، حتى تُنادى أسماؤهم. ومن يحالفه الحظ ويحصل على الموافقة، تُحال أوراقه إلى مكتب السيد شهاب لاستكمال إجراءات استخراج جواز سفره.
ولم يكن يُسمح بالحصول على جواز سفر دون تقديم رسالة دعم من شيخ القبيلة أو الوالي. وكانت هذه الرسائل، التي تصدر عن شيخ القبيلة أو الوالي، تُسمّى «بروة»، وأظن أن أصل هذه الكلمة برتغالي، إذ إنها تُستخدم بالاسم نفسه في اللغة السواحيلية، حيث تُنطق «بارووا». ويقابلها في الوقت الحاضر ما يُعرف بمأذونية استخراج جواز السفر.
وكان مقدم الطلب يقدّم هذه الرسالة في مكتب السيد ملك، الذي سبق أن وصفت موقعه في المبنى المقابل لمسجد الخور بمسقط. وكان الناس يجلسون تحت ظلال المباني المجاورة في انتظار مناداة أسمائهم لإجراء المقابلة الشخصية ومعرفة سبب طلب جواز السفر. وبعد مقابلة السيد ملك، الذي كان يوجّه إلى مقدم الطلب بضعة أسئلة، تُحال معاملته إلى مكتب السيد شهاب لاستكمال الإجراءات النهائية لاستخراج الجواز، ما لم تكن هناك ملاحظات سلبية تحول دون ذلك.
وأظن أن هذه الإجراءات كانت متّبعة أيضًا عندما استُخرج جواز سفر والدي للسفر إلى إفريقيا، إذ كنت مضافًا إلى جواز سفره بسبب صغر سني آنذاك.
كنا نعرف مسقط في الماضي، قبل عام ١٩٧٠، باسم «مسكد»، وكنا نعرفها على أنها تتكون من مدينتين: مدينة حكومية، بها المؤسسات الحكومية، وهي مسقط، ومدينة تجارية، وهي مطرح.
وكان سكان المناطق الداخلية والساحلية من عُمان، عندما يأتون لإنجاز معاملاتهم الرسمية، يقيمون في مطرح. ولم تكن توجد في مطرح فنادق أو بيوت إيواء مستأجرة للزوار، باستثناء الخيام، وهي بيوت مصنوعة من سعف النخيل، كانت بمثابة خيام يقيم فيها القادمون إلى مطرح أو مسقط.
وكانت هناك محطتان لركوب سيارات الأجرة (التاكسي)، إحداهما من مطرح إلى مسقط، والأخرى من مسقط إلى مطرح. وكانت المحطة الأولى في مطرح تقع في المكان نفسه الذي يوجد فيه مركز الشرطة حاليًا، شمال دروازة مطرح. أما المحطة الأخرى، في مسقط، فكانت تقع على الجانب الأيمن من المدرسة السعيدية، وكانت تقابلها دروازة سوق مسقط، الذي كان شبيهًا بسوق سكة الظلام في مطرح. إلا أن المكان تغيّر الآن، إذ ضُمّت ساحة وقوف سيارات الأجرة إلى ساحة قصر العلم بعد توسعته.
وكانت بيوت الأهالي في مطرح، المبنية بالمواد الثابتة، تبدأ من خلف سور دروازة مطرح، وتشمل سور اللواتيا، وحي منازي موجا، وحارة الشمال، والأحياء في مطيرح والعرين، والأحياء الواقعة خلف مستشفى الرحمة (ثومس سابقًا)، وكذلك الأحياء التي تقع خلف عمارة طالب، التي بُنيت في أواخر الستينات على الطراز الهندي.
هذا ما أتذكره عن مطرح في حقبة الستينات.
وكان هناك ميناءان للسفن، من دون أرصفة، يُسمّى الواحد منهما «فرضة»، وبالسواحلية «فرضاني». أحدهما في مسقط، والآخر في مطرح بجوار قلعة مطرح. أما الفرضة التي في مسقط، فكانت تقع بجوار قصر العلم.
وكانت السفن ترسو في البحر، ثم تُنقل البضائع منها بواسطة قوارب خشبية صغيرة تُسمّى «هوري». أما الميناء الرسمي لاستقبال الركاب، فكان الميناء الذي في مسقط.
وكان رؤساء جميع الوظائف الحكومية والرسمية من السادة، أي من الأسرة الحاكمة، مثل الجمارك والجوازات والولاة، وكذلك المسؤولين عن إصدار رخص قيادة المركبات ورخص شراء المركبات.
في الستينات، لاحظت أن الفرض (جمعة فرضة)، أو الموانئ في مسقط وممباسا وزنجبار، متشابهة إلى حد كبير في طريقة استقبالها للركاب والبضائع، وكيفية التعامل معها، وحتى في مظهر ملابس عمال الشحن والتفريغ؛ إذ كانت ملابسهم متشابهة تقريبًا. ففي مسقط، كانوا يلبسون الإزار الهندي الملباري، مع الفلينة أو القميص والكمة، وكذلك كان يفعل بعض العمال في ممباسا وزنجبار.
إلا أنهم كانوا يختلفون في اللغة؛ ففي مسقط، كانوا يتحدثون العربية والبلوشية، ونادرًا ما كنت ترى عربيًا يعمل في هذا المجال، إذ كان معظم العاملين فيه من العجم. أما في ممباسا، فكانوا يتحدثون العربية المكسّرة والسواحيلية، وكذلك الحال في زنجبار.
وكانت السفن ترسو في البحر، أي إنه لم تكن لها مراسٍ مباشرة في الميناء، وكانت البضائع تُشحن وتُفرّغ بالطريقة نفسها، أي تُنقل على قوارب الهوري إلى الميناء. أما فيما يتعلق بمستندات الدخول والخروج، فكان يتولى إنجازها في مسقط عمانيون عرب، بينما كان يتولاها في زنجبار عمانيون من مواليد أفريقيا.
وفي عُمان، توجد ثقافات مختلفة بسبب الحكم العماني الذي امتد إلى شرق أفريقيا وغرب آسيا.
وعلى كل حال، إن كنت في ممباسا أو دار السلام في تنزانيا أو في زنجبار، فلن تشعر بالغربة أبدًا، وخاصة في زنجبار؛ إذ كانت تكاد تكون بلدًا عربيًا في الستينات وما قبلها.
وكانت توجد بيوت إيواء مجانية في كل من ممباسا ودار السلام وزنجبار، تُعرف ببيوت الجمعية، أي بيوت الضيافة المجانية. وكانت هذه البيوت وقفًا لإيواء المسافرين أو القادمين من عُمان.
وعلى الرغم من أنها لم تكن توفر الخصوصية، فإنها كانت تفي بالغرض؛ إذ كان النوم جماعيًا على الأرض في غرفة مجلس واسعة، ولكل شخص فراشه ومخدته وبطانيته. أما دورة المياه، فكانت خارج المبنى، وكان المرحاض من النوع الآسيوي، أي غير الإفرنجي.
وكان الطعام يُشترى من المطاعم المحيطة بمبنى الضيافة، وعادةً ما كانت وجبات الطعام رخيصة ومشبعة.
وقد سكنتُ في هذا المبنى أنا وأبي عدة مرات، وأقصد المبنى الذي في ممباسا، عند قدومنا من عُمان ومغادرتنا عائدين إليها.
عندما قدمنا من عُمان إلى ممباسا بمعية الجماعة الذين ذكرتهم، والذين رافقونا من عُمان، وهم الوالد ماجد بن سعيد البرواني وابنه سعيد، وعبد الله بن محمد بن راشد العيسري، نزلنا في بيت الضيافة بممباسا. وبعد وقت قصير، أو ربما بعد يوم واحد، غادرت الجماعة الذين قدموا معنا، وبقينا أنا ووالدي في هذا البيت مدة قد لا تقل عن أسبوع أو أكثر، فيما أظن. ولا أدري ما سبب بقائنا طوال هذه المدة، ولا إلى أين كانت وجهتنا.
كل ما أعرفه أننا كنا ننهض كل صباح لصلاة الفجر، وبعد الصلاة نتوجه لتناول الإفطار في أحد المطاعم. ولا أتذكر إن كنا نصلي في مسجد أو في مصلى بالقرب من بيت الضيافة، ولكني أتذكر أن والدي كان يصطحبني بعد الإفطار، ويتركني عند بائع الحلوى العُمانية لكي أنتظره، ثم يختفي. وكان يفعل ذلك يوميًا وبانتظام.
وعلى كل حال، فقد اعتدت الجلوس في ذلك المكان، وكان صاحب الدكان يتصدق عليَّ بقطعة من الحلوى بين وقت وآخر، لأسد بها رمق جوعي. وأحيانًا كان والدي يعطيني مبلغًا صغيرًا من المال لأشتري به شيئًا آكله.
وفي بعض الأحيان، عندما نعود في المساء إلى دكان بائع الحلوى هذا، وهو من البطاشيين، كنا نصادف عددًا من العُمانيين الذين يأتون لتناول الحلوى، فيقدمها لهم هذا البطاشي مع القهوة العُمانية. وكان تناول الحلوى والقهوة في المساء من العادات التي يحرص العُمانيون في ممباسا وزنجبار على الالتزام بها عند الضيافة.
وهكذا، بعد أن أنهى والدي مشاويره في ممباسا، استقللنا حافلة متجهة إلى أوغندا، وأقمنا في بيت عمي سالم بن منصور، زوج عمتي. وكان ابنه عبد الله موجودًا هناك، مع زوجته وطفلتهما الرضيعة. أما عمي سالم وزوجته، فكانا قد غادرا أوغندا إلى عُمان، وكنا قد تركناهما هناك عند مجيئنا إلى أوغندا.
١٥ اكتوبر ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








