-
-
ذكريات الطفولة في موينغا بجمهورية بوروندي -٤٢١
في أواخر الخمسينيات، بدأ الوضع يتردّى في جمهورية بوروندي، على إثر استقلال البلاد عن الاستعمار البلجيكي. وكنا نحن الذين نعيش في مدينة موينغا نرى التجار يغلقون محالّهم التجارية ويغادرون المدينة. وكنت أرى، عندما أخرج إلى البرندا (البرزة) أمام دكاننا، الجنود البلجيكيين يتجوّلون بسياراتهم، حاملين بنادقهم، ويطاردون المشاغبين من الأفارقة.
وبما أنني كنت صغيرًا، لم أكن أعلم كثيرًا عمّن كان يعيش معنا في مدينة موينغا، باستثناء الوالد سعيد بن مسعود السعودي، ابن خالة جدي صالح، وعبد الله بن محمد بن منصور الطوقي، الملقب بـ«الريح»، الذي كان والده أيضًا ابن خالة جدي صالح، وكان طليق شقيقته شمسة. وعلمتُ أيضًا أن صديقًا لوالدي يُدعى محمد بن عامر المسروري كان يعيش معنا في موينغا. وكان هناك دكان على يمين دكاننا يملكه هندي يُدعى عبد الرحمن.
كان لدينا نشاط تجاري مزدهر في موينغا، وكانت البضائع تُجلب إلى دكاننا من العاصمة بوجمبورا. وكان تجار الجملة في بوجمبورا من الأجانب، ومنهم إسرائيليون ويونانيون وهنود، إلى جانب جنسيات أخرى غير عربية. وقد برز من بينهم عدد من التجار الذين كانوا يبيعون بضائعهم للعرب بالدَّين.
وكانت لدينا سيارتان من نوع فورد؛ إحداهما شاحنة يستخدمها والدي في نقل البضائع من بوجمبورا إلى دكاننا في موينغا، والأخرى سيارة كان جدي يستخدمها في أغلب الأحيان في تنقلاته.
أما أسرتنا في ذلك الوقت، فكانت تتكوّن من جدي وجدتي ووالدي ووالدتي، ونحن الأبناء الخمسة: عبد الله، وعلي، وعامر، ورَيّا، وحسينة.
انتقال جدي صالح من تنغانيقا إلى موينغا
كان جدي صالح يمارس نشاطًا تجاريًا في مدينة مهويزه بتنغانيقا، قبل أن تصبح تنزانيا، وذلك بمشاركة أحد السناويين من بلدة الدريز في عُمان، وربما كان سالم بن سعود أو عامر بن راشد. وتزوّج جدي امرأةً منهم، ربما تدعى عزيزة بنت حامد، ثم انتقل إلى موينجا التي كانت تُعرف أيضًا باسم «مهينجا»، وسكن في بيت استأجره من ابني خالته، سالم وسعيد ابني مسعود، قبل أن يبني بيته الخاص.
وبعد أن سكن جدي في بيته؛ تزوج الوالدة فاطمة بنت عمار كانت مقيمة مع اخوتها في اوغندا، وعندما أتت زوجة جدي الثانية الوالدة صفية أم والدي طلق الوالدة فاطمة.
قبل ذلك الوقت، كان أبي لا يزال في عُمان، ثم قدم إلى موينغا وتزوّج والدتي، بنت عمه، في البيت نفسه الذي كان جدي يستأجره.
بيت جدي والسوق المحيط به
بنى جدي بيته مقابل البيت الذي استأجره سابقًا، وكانت تفصل بينهما ساحة كبيرة بيضاوية الشكل، يقع فيها سوق مكشوف يرتاده القرويون لبيع منتجاتهم الزراعية، كما كان يُباع فيه اللحم والخضراوات.
وأتذكّر أن بيت جدي كان يقع أمام هذه الساحة الواسعة. وعلى يمين بيتنا، كان هناك شارع ترابي لا أدري إلى أين كان يؤدي، ثم يأتي بعده بيت عبد الرحمن الهندي الذي سبق ذكره، يليه بيت آخر، ثم شارع ترابي عند الزاوية، حيث يقع بيت سعيد وسالم ابني مسعود.
وأتذكّر كذلك أن البيت المقابل للسوق، وعلى يمين بيت سالم وسعيد ابني مسعود، ربما كان بيت محمد بن عبد الله، الملقب بـ«الريح». وكانت هناك بيوت أخرى في المنطقة، قد يكون من بينها بيت محمد بن عامر المسروري، أو ربما بيت سعيد بن سعود العيسري، الملقب بـ«الكانجابانا».
وهكذا، كانت هذه البيوت والمحلات التجارية تحيط بالساحة البيضاوية. أما في الناحية اليسرى من بيتنا، فكان يقع بيت رجل هندي يُدعى «ناتو»، وقد أقام والدي فيه دكانًا أغلقه عند مغادرتنا إلى عُمان.
ومن العادات الاجتماعية الجميلة التي أتذكرها أن العرب، وحتى الهنود الذين كانوا يسكنون مدينة موينغا، كانوا يأتون يوميًا بعد صلاة العصر لتناول الشاي والقهوة في البرزة أو «البرندا» التي تقع أمام دكاننا.
وأتذكر الزاوية اليسرى من البرزة، عند المكان الذي كان يجلس فيه الخياطون. وكان دكاننا يشتمل على كل شيء؛ إذ كنا نبيع الأقمشة والمواد الغذائية الجافة، وكذلك بنزين السيارات بواسطة مضخة يدوية، والكيروسين الذي كان يُستخدم في الطهي.
وعند الغروب، كان هؤلاء الزوار يغادرون، كلٌّ إلى بيته أو محل تجارته.
كان بيتنا بسيطًا في مخططه؛ إذ كان يتكون من الدكان وغرفة خارجية ربما كانت تُستخدم مخزنًا. وخلف الدكان، من جهة اليمين، كانت توجد غرفة جدي صالح، وبعدها غرفة الطعام، ثم غرفة الضيوف، وفي نهاية هذا الجانب غرفتنا، وهي غرفة والدي.
وكان للبيت أيضًا برزة خلفية تجلس فيها والدتي وجدتي، ونلعب فيها نحن الصغار. وفي الجهة اليمنى من حوش البيت، كان يوجد مخزن لحطب الطبخ، ثم المطبخ ودورة المياه في نهاية الحوش من الجهة نفسها.
وأثناء إقامتنا في موينغا، لم تكن هناك كهرباء ولا شبكة للمياه. وكان عمالنا الأفارقة يتولون توفير حطب الطبخ وجلب المياه، وغسل الملابس وكيّها، وتنظيف البيت.
وكانت سياراتنا تقف في الجانب الأيمن من البيت، كما كان هؤلاء العمال يتولون شحن البضائع وتفريغها من الشاحنة.
بعض المدن في جمهورية بوروندي التي كان العمانيون يلفظون أسماءها:
كابانغا (Kabanga).
موينغا (Muyinga).
تشانكوزو (Cankuzo).
نيانزا (Nyanza).
رومونغي (Rumonge).
نغوزي (Ngozi).
رهيجي Ruyigi
الترابط الاجتماعي للعمانيين في شرق إفريقيا
يُلاحظ أن الترابط الاجتماعي بين العمانيين الذين سكنوا شرق إفريقيا كان أقوى مما هو عليه في وطنهم الأم عُمان. ويعود ذلك إلى مجموعة من الظروف البيئية والاجتماعية التي أسهمت في تعزيز العلاقات بينهم، وجعلت التواصل وتبادل الزيارات جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية.
أول هذه الأسباب صعوبة السفر بين عُمان وشرق إفريقيا في الماضي؛ إذ كانت الرحلات تستغرق وقتًا طويلًا بسبب عدم توافر وسائل النقل الحديثة، مثل الطائرات والسفن السريعة. وكان السفر يعتمد على السفن الخشبية التي تتأثر سرعتها باتجاه الرياح وقوتها، وقد تستغرق الرحلة بين عُمان وشرق إفريقيا، ذهابًا أو إيابًا، أكثر من شهرين. وقد أسهمت هذه الصعوبة في تشجيع الزواج بين العمانيين المقيمين هناك، سواء فيما بينهم أو من النساء الإفريقيات السواحليات، وهن من أبناء الساحل الإفريقي، ولا سيما المجتمعات المسلمة الناطقة باللغة السواحلية.
أما السبب الثاني، فيتمثل في طبيعة البيئة التي عاشوا فيها؛ إذ كانت معظم المناطق التي سكنوها تضم غابات كثيفة الأشجار، تعيش فيها حيوانات مفترسة، مما حدّ من فرص التنزه والخروج للترفيه، بخلاف ما هو متاح في الوقت الحاضر في عُمان ودول الخليج. ولذلك، كانت وسيلتهم المفضلة للترويح عن النفس هي تبادل الزيارات، سواء بزيارة الأقارب والأصدقاء في المناطق البعيدة أو باستقبالهم في منازلهم
وكان هذا النمط من الحياة شبه روتيني؛ فبمجرد حلول العطلات الرسمية، كانوا يغلقون محلاتهم التجارية، ويستقلون سياراتهم، وينطلقون لزيارة أقاربهم وأصدقائهم. ولم تكن المسافات البعيدة عائقًا أمام هذه الزيارات، بل كانت جزءًا من عاداتهم الاجتماعية التي حرصوا على المحافظة عليها.
وقد تكون هذه المناسبات فرصة للراحة والاستمتاع بالنسبة إلى الرجال، لكنها كانت تمثل عبئًا إضافيًا على النساء، بسبب ما يتطلبه استقبال الضيوف من إعداد الطعام والقيام بأعمال الضيافة. ومع ذلك، كانت بعض النساء يجدن متعة في إعداد المأكولات، ويتفنّن في تحضيرها لإظهار مهارتهن أمام الأخريات. فقد كان إتقان الطبخ وحسن العناية بالزوج وضيوفه من الأمور التي يُنظر إليها بوصفها من مقومات الزوجة الناجحة.
ولم تقتصر واجبات الضيافة على إعداد الطعام فحسب، بل شملت أيضًا غسل ملابس الضيوف يدويًا على أيدي أهل المنزل؛ إذ لم تكن الغسالات متوافرة، كما لم تكن هناك محلات متخصصة في غسل الملابس، على النحو المعروف في الوقت الحاضر.
وبسبب هذا التداخل الاجتماعي، وما أسهمت به تلك الظروف من تقارب بين الناس، نلاحظ أن العمانيين الذين سكنوا شرق إفريقيا كانوا في معظمهم أصهارًا وأقارب، على الرغم من اختلاف قبائلهم وأصولهم. وربما نلحظ نمطًا مشابهًا من الترابط الاجتماعي بين القبائل في شمال الشرقية بسلطنة عُمان، حيث أسهمت المصاهرة والعلاقات الأسرية والزيارات المتبادلة في توثيق الروابط بين أفراد المجتمع.
١٠ أكتوبر ٢٠٢٦
-
عبد الله السناوي
- شارك

-
عبد الله السناوي
- شارك
-








