1. تعدد الزوجات بين الواقع المعاصر ومقاصد التكافل الاجتماعي – ٣٥٨

       لا أدري سرّ تعدد الزوجات في الماضي، أي قبل الحياة الحديثة، في عُمان، رغم أن المعيشة كانت صعبة جداً، وكان الناس يعتمدون في أعمالهم على المهن التقليدية كالتجارة والزراعة والترحال طلباً للرزق. وقد يصل التعدد إلى أربع زوجات، وكان من الطبيعي أن ترى للرجل زوجتين على الأقل؛ إحداهن ابنة عمه أو من قريباته، والأخرى من خارج العائلة. وعندما سافر العُمانيون إلى شرق أفريقيا، كان لبعضهم أكثر من زوجة، فتجد من لديه زوجة عُمانية وأخرى أفريقية. أذكر على سبيل المثال في قريتي سيح العافية بسفالة إبراء هناك عدد من الأهالي ممن لديه ما يقل عن زوجتين، ومنهم اجدادي وعمومتي؛ فجدي صالح والد والدي كان لديه زوجتين، وايضا جدي حمد والد والدتي،  وابن عم والدي ايضا لديه زوجتين، وهكذا، على الرغم من بساطة العيش، كانت الحياة تسير بسلاسة وانتظام.

      وقد أنجب العُمانيون رجالاً أسهموا في نهضة عُمان. أما اليوم، فنرى الأعذار كثيرة لعدم التعدد، كغلاء المعيشة وغيرها، رغم أن الحياة في السابق كانت أبسط بكثير مما هي عليه الآن.

      في عصرنا الحاضر، تعمل معظم الزوجات ويشاركن أزواجهن في أقساط قرض المنزل، كما أن إمكانياتهن تسمح لهن باستقدام عاملات منزليات للقيام ببعض شؤون البيت، كالطبخ والتنظيف، وأحياناً رعاية الأبناء. فتعيش الزوجة نمطاً قريباً من نمط الرجل، إذ تذهب إلى العمل ثم تعود لتجد كثيراً من أمور المنزل قد أُنجزت.

      ومن جهة أخرى، نجد بعض الأزواج ميسوري الحال، يمتلكون مباني أو عمارات أو أعمالاً متعددة، وعدداً من السيارات، ومع ذلك يكتفون بزوجة واحدة، في حين قد توجد في محيطهم القريب قريبات لم يتزوجن بعد. ويُطرح هنا جانب من البعد الاجتماعي في الإسلام، الذي يقوم على التكافل والتراحم، ومنه الإحسان إلى النساء، خاصة الأرامل، وتيسير أمور الزواج، حيث حثّ الإسلام على تخفيف المهور وتبسيط الإجراءات.

      فشروط الزواج في الإسلام ميسّرة في أصلها: عقد، وشاهدان، ومهر مناسب، مع التأكيد على المسؤولية والعدل. والإسلام دين يجمع بين الجوانب التعبدية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية، وليس مجرد ممارسات ظاهرية كالصلاة والصوم، بل منظومة متكاملة لمعالجة قضايا المجتمع.

      ويُنظر إلى تعدد الزوجات – في إطاره الشرعي – كأحد الحلول الممكنة لبعض المشكلات الاجتماعية، لكنه ليس حلاً عاماً، ولا يخلو من التحديات، إذ يتطلب قدرة وعدلاً ومسؤولية كبيرة، وإلا انعكس سلباً على الأسرة والمجتمع.

      وقد يكون عزوف البعض عن التعدد مرتبطاً بعوامل مادية أو اجتماعية، أو بتغير نمط الحياة الحديثة التي تميل إلى الفردية والاستقلالية. كما أن روح التكافل الاجتماعي قد تراجعت في بعض البيئات، رغم أن الإسلام أوصى بها، وجعل الجار مسؤولاً عن جاره، والمجتمع متعاوناً متراحمًا.

      ٥ ابريل ٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك