1. لا  بالمظاهر… فالقيمة في الجوهر - ٣٥٧

      يقول الشاعر؛

      ترى الرجلَ النحيفَ فتزدريهِ

      وفي أثوابه أسدٌ مزيرُ

      ويعجبُكَ الطريرُ فتبتليهِ

      فيُخلفُ ظنَّكَ الرجلُ الطريرُ

      فما عِظَمُ الرجالِ لهم بفخرٍ

      ولكن فخرُهم كرمٌ وخيرُ

      هذه الأبيات تختصر حكمة عميقة: ليس كل ما يُرى يُحكم عليه، ولا كل مظهر يعكس حقيقة صاحبه. فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في أخلاقه وعلمه، لا في هيئته أو ادعاءاته.

      قصة من الواقع

      تعود أحداث هذه القصة إلى عامي 2003 أو 2004، في السنوات الأولى من تقاعدي، حين حصلت على وكالة للنقل الوطني في ولاية إبراء، أعمل من خلالها على بيع التذاكر واستلام الطرود البريدية.

      في أحد الأيام، استقللت حافلة متجهة إلى محافظة مسقط. كان سائق الحافلة مواطنًا عمانيًا يعمل في مجال التدريس، ويحمل درجة الماجستير في العلوم التطبيقية، لكنه كان يقود الحافلة خلال الإجازة الصيفية لزيادة دخله.

      عند وصولنا إلى منطقة العلاية بولاية إبراء، صعد إلى الحافلة شاب مصري في الثلاثينات من عمره، حسن المظهر، لكنه ما إن دخل حتى بدأ يجادل السائق حول سعر التذكرة. أوضح له السائق بهدوء أن السعر محدد ولا يملك صلاحية تغييره، خاصة وأنه مبلغ بسيط لا يتجاوز ريالين.

      استمر الجدال وقتًا طويلاً دون مبرر، مما تسبب في تأخير الركاب، وكانت الحافلة مكتظة بمسافرين من جنسيات مختلفة، من بينهم أطباء ومهندسون.

      تدخلت حينها وعرضت على الشاب أن أتحمل قيمة التذكرة إن كان لا يملك المبلغ، وطلبت منه الجلوس حتى لا يعطل الآخرين. لكنه رد قائلاً:

      "ليست المسألة مسألة مبلغ، بل مسألة سعر."

      أوضحت له أن السائق لا يملك تغيير النظام، وخيّرته بين الجلوس أو النزول، فاضطر في النهاية إلى دفع الأجرة وجلس.

      درس في التواضع

      استدعيت الشاب ليجلس بجانبي، وقلت له بهدوء:

      ليس من اللائق أن تفرض شخصيتك على الآخرين أو تتباهى بعلمك وألقابك. في هذه الحافلة، يوجد أطباء ومهندسون، وقد لا يظهر ذلك في مظهرهم.

      وأضفت؛

      في سلطنة عمان، لا تُستخدم الألقاب المتعالية مثل "باشا" و"أفندي"، فالناس هنا يُقدَّرون بأخلاقهم، لا بمسمياتهم.

      ثم بينت له حقيقة قد لا يتوقعها:

      ذلك السائق الذي جادلته هو معلم يحمل درجة الماجستير، ويعمل سائقًا خلال الإجازة لتحسين دخله، دون أن يرى في ذلك ما ينتقص من قدره.

      تأثر الشاب بكلامي، خاصة بعد أن أكد له بعض أبناء بلده من الركاب أن المجتمع في عمان يقوم على التواضع والمساواة، ولا يعترف بالفوارق الطبقية المصطنعة.

      نهاية الموقف

      عند وصولنا إلى محطة برج الصحوة في مسقط، استأذن الشاب للنزول، وقد بدا عليه الهدوء والتفكر. فودعته، وأهديته مصحفًا صغيرًا كنت أحتفظ به لقراءتي أثناء السفر.

      الخلاصة

      هذه القصة ليست مجرد موقف عابر، بل رسالة واضحة:

      لا تحكم على الناس من مظاهرهم، ولا تجعل العلم وسيلة للتعالي، بل اجعله طريقًا للتواضع.

      فكم من إنسان بسيط المظهر عظيم القيمة، وكم من متأنق الهيئة فارغ الجوهر.

      التواضع يرفع الإنسان، أما الغرور فلا يضيف إليه شيئًا.

      ٢٧ مارس ٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك