1. الكرسي لا يدوم لأحد – ٣٥٢

       على ذكر الكرسي، أتذكر طرفة حدثت عندما كنت على رأس عملي؛ إذ عُيِّن لنا مديرٌ عام، وكان متغطرسًا بسبب السمعة التي يتمتع بها والده، الذي كان من المقربين إلى الحكومة في السبعينيات، ومن أوائل من عُيِّنوا في منصب وزير في الدولة. وكانت لعائلته سمعة طيبة بحكم خلفيتهم السياسية، لكنه استغل مكانة أهله ليتعالى على مرؤوسيه.

      وكنت في تلك الفترة أشغل منصب مدير تحت إمرته. وأول ما فعله عندما جلس على الكرسي أنه طرد السكرتيرة العُمانية، التي كانت من أفضل الكفاءات لدينا، وهي من مواليد زنجبار، لا لشيء إلا لأنها من مواليد زنجبار.

      وعندما علمت بتعسفه، جاءت إليه باكية، وصادف أنني كنت حاضرًا في مكتبه، فقالت له بالإنجليزية:

      "What’s the screw of your chair?"

      ثم أغلقت الباب.

      ومن غرابة الموقف أنه لم يفهم مغزى عبارتها؛ حتى سألني  إذ كانت تقصد معنى مجازيًا مفاده: "احذر من برغي كرسيك المنفلت لئلا يُسقطك." ؛

      وأنا شخصيًا استأت من عجرفته؛ إذ كان يرى نفسه "سيبويه" خبيرَ اللغة العربية في المديرية التي يترأسها.

      وعندما بدأت إدارة الشركة بتعريب المراسلات، اعتقد هذا المدير – بدافع من نظرة متحيزة – أن كل عُماني أتى من أفريقيا، أو وُلد فيها ودرس في أوروبا، لا يتقن الكتابة بالعربية حتى وإن كان يتحدثها بطلاقة. وكان يجهل أن بعض هؤلاء قد أكملوا تعليمهم الأساسي في دول الخليج قبل ابتعاثهم إلى أوروبا لاستكمال دراساتهم التخصصية العليا.

      وللأسف، فإن الشخص الذي أحضره ليحل محل السكرتيرة التي طردها، كان مستواه التعليمي دون المتوسط، ولم يكن لديه إلمام بفن المراسلات الإدارية. ويبدو أنه جاء به أساسًا لخدمته في أمور شخصية خارج نطاق العمل.

      فكلما كنت أكتب رسالة لتوقَّع باسم المدير العام، كانت تعود إليّ بعد أن يطرأ عليها تغيير في صياغتها بين سكرتير المدير العام وسكرتيرة مكتبي من دون علمي، مما يفقد الرسالة موضوعيتها وسلامة لغتها. وعندما تعود إليّ الرسالة كنت أندهش لوجود عبارات لم أكتبها أصلًا.

      وبعد أن علمت بوجود خلاف بين سكرتيرة مكتبي وسكرتير مكتب المدير العام، حيث كان كلٌّ منهما يدّعي المعرفة، تعلّمت أن أحتفظ بنسخة من كل رسالة أمليها على السكرتيرة. وعندما تعود الرسالة معدَّلة كنت أبرز النسخة الأصلية، وذلك لتفادي أي احتكاك مع هذا المدير، الذي كان يراني منافسًا قويًا قد يهدد منصبه. فالوظيفة زائلة، والكرسي لا يدوم لأحد. وقد صدقت الأيام قولها، فهذا ما حدث له بالفعل.

      ٥ فبراير ٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك