1. ذكريات -27 د

      الرحلة إلى أبو ظبي -2

      رحلة العمل -1

      بعض الطلبة الدارسين في الخليج لا يذهبون في عطلة الصيف إلى بلدانهم ومنهم من يسافر ومنهم من يبقى للعمل في القطاع العام.كانت بعض الحكومات هناك في السابق تقبل تشغيل الطلبة في بعض دوائرها كتوظيف مؤقت خلال فترة إجازة الصيف، حتى في عمان كان المجال مفتوحاً، وفي الحقيقة كانت تلك خطوة إيجابية مشجعة للطلبة لكسب مهارات العمل، وكنت عندما أعود إلى عمان في إجازة الصيف أستغل الفرصة كغيري من الطلبة في البحث عن عمل مؤقت.

       

      عملت في عدة قطاعات ومن بينها في مكاتب أحد أصحاب السعادة الولاة بوظيفة "طباع" ضارباً على الآلة الكاتبة. كانت مكاتب الولاة في ذلك الوقت تقدم خدمات إسكانية وبلدية قبل إنشاء دوائر في المؤسسات المتخصصة، وللأسف كنت أرى بعض الناس تسيء إلى التسهيلات التي تقدمها هذه المكاتب واستغلال مطالبات جماعية في مصلحة شخصية، ومنهم من يلجأ إلى أسلوب التملق.كان يأتي أحدهم إلى مكتب الوالي كل صباح، ويتحجج بأي عذر لمقابلة سعادة الوالي ومنهم من يود فقط التحية والسلام وكأن الوالي ليس عنده ما يشغله عدا استقبال الزوار للتحية والسلام، وكان هذا الأسلوب في الحقيقة لا يعجبني لأنه في نظري مضيعة للوقت وتعطيل للعمل علاوة على أنه محرج للوالي نفسه لأنها يستطيع تجنب مثل هذه المقابلات الشخصية التي تعطله عن عمله ومضيعة لوقته في سوالف غير هادفة وغير مبرمجة، والسبب ألآخر وهو الأهم بالنسبة لي كان كل زائر لسعادة الوالي يلزم أن يضيف بالقهوة والتقدوم، سواء كان تمراً أم حلوي (لم تكن ضيافة الشاي في ذلك الوقت قد بدأت)، وعند تغيب العسكر عن البرزة، فإنه يطلب من أصغر موظف أن يحل محلهم في تقديم و تغنيم القهوة فكان ذلك يسبب ضيقاً لبعض الموظفين ولا يدري هل هو موظف أم فراش، إذ لا يوجد ما نسميه الآن بالوصف الوظيفي.

       

      وكنت أنا واحداً ممن لا يعجبهم أسلوب التملق ذلك، خاصة كان يفقدني التركيز في عملي، ويسبب لي ضغطاً في تخليص المعاملات في حينها.

      كنت طباعاً ماهراً في ذلك الوقت من حيث السرعة والدقة، وأيضاً في تنسيق الرسائل، وكان سعادته يعتمد علي كأنني نزلت عليه من السماء، حيث كان غزير الإنتاج في كتابة الرسائل حتى لأبسط الأمور. أما من جانبي فكنت أكتسب الخبرة. وفعلاً استفدت من هذا العمل.

       

      في الحقيقة كانت الطباعة أو الضرب على الآلة الكاتبة هوايتي، تعلمتها في الحصة المهنية في المدرسة، حيث كان علينا أن نختار مادة إضافية لندرسها مع المنهج العام (زراعة أو تجارة)، لست أتذكر في أي مرحلة ربما في الصف الأول الثانوي، عندما كان المنهج الدراسي أردنياً، ولكن لم يدم التدريس بهذا المنهج طويلاً، فقد تغير بعد بضعة أشهر من دراسته.

      بقيت فكرة تعلم الطباعة راسخة في ذهني، ومارستها في عمان على طابعة أبي في العطلات الصيفية، حيث وجدت عنده كتيب" كيف تتعلم الطباعة و تنسيق الرسائل"، وكنت أشغل نفسي معظم وقتي في تطبيق التمارين من هذا الكتاب، إلى أن أتقنت الطباعة بسرعة معقولة، ولم يكن وحدي من أتبع هذا الأسلوب بل كان أخي ومن ثم أختي من بعدي.

       

      كنا في مكتب الأرشيف مع الوالي ثلاثة موظفين نخدم مكتب الوالي ومكتب القاضي، وكانت مهمتي الطباعة وشخص آخر يكتب الصكوك ويحفظ الملفات، أما الثالث لا أعرف ماذا كان يعمل، كل ما كنت أراه يفعله كان يدخل ويخرج ويحثنا على تخليص معاملة فلان وفلان،،، ومن يريد مقابلة الوالي يرافقه ويبقى معه إلى أن ينتهي، كل يومه هكذا"ساندي راندي". عندما أعود إلى البيت تكون مفاصل أصابعي قد نتأت من تلك الطابعة الميكانيكية، حتى إني كرهت الشغل بسبب بيئة التملق تلك. كنت أنتظر بفارغ الصبر أن يذاع اسمي عن ترشحي للبعثة في الراديو.

       

      أذكر أول راتب استلمته في حياتي كان ستون ريالاً، وكان هذا الراتب ضعف ما كان يستلمه أبي من عمله قبل سنة سبعين.

      بالنسبة لي كان ذلك المبلغ ثروة، وأول ما فعلته ذهبت إلى محلات بيع الأثاث واشتريت طباخة تعمل بالغاز، ربما بثلثي الراتب وكانت تلك أعظم هدية تلقتها أمي مني حيث قصدت أن أريحها من ذلك الموقد موقد الذي يعمل بالكيروسين. تلك الطباخة كانت ثاني جهاز حديث يدخل بيتنا بعد الثلاجة التي تعمل بالكيروسين والتلفاز الأبيض والأسود الذي يعمل ببطارية السيارة.

       

      لم تدخل الكهرباء دارسيت إلا بعد وقت متأخر مما اضطر والدي إلى شراء مولد كهرباء، ودام هذا المولد يشتغل لفترة حتى بعد أن جاءت الكهرباء.

      كان متجر أبي الصغير بحاجة إلى كهرباء حتى يوسع تجارته، ويحسن من دخله، وكان الوالدـ يرحمه الله ـ يفرغ نفسه للدكان في المساء بعد الدوام أما في الصباح كانت تنوب عنه أختي ـ التي تليني في الميلادـ ومعها والدتي،وكنت أنا وأخي أيضاً نحل محله في العطلة الصيفية، و بمرور الوقت وتكاتف الأسرة نما هذا الدكان وكبر خاصة بعد استقالة والدي والتفرغ لتجارته، إلى أن تحول المتجر من متجر صغير إلى"مؤسسة تجارة ومقاولات".

       

      لا بد أن أذكر شيئاً (قبل أن اخرج عن هذا الموضوع) إذ يعود الفضل الأكبر بعد الله سبحانه وتعالى في إنشاء هذا المتجر الصغير لأخي الذي بدأه ببيع البسكويت لأولاد الحارة، فقد لاحظ أنهم يحبون أكل البسكويت المالح مع الشاي في الصباح، وعندما ترسله والدتي لشراء السمك في الصباح من مطرح يأتي معه بغلاف من علب البسكويت وببدأ يبيعها لأولاد الحارة، وبالتدريج ولعدم وجود دكان فقد أقبل الناس يشترون ما يأتي به أخي حتى أصبح يبيع أشياء أكثر من بسكويت،بل إلى ما يلزم ربات البيوت من أغراض في ذلك الوقت (علب صلصلة، ملح، حليب معلب، شاي، سكر، وهكذا..)، وعندما عدنا للدراسة اهتم والدي بتطوير المتجر بسبب الحاجة من قبل الأهالي عليه وهكذا إلى أن كبر المتجر، وعندما التحق أخي بالعمل شغله عمله عن المساعدة في المتجر خاصة بعد عودته من دورة دراسية في بريطانيا،وكان ذلك لسبب لا أدريه لعل منصبه العسكري لا يسمح له بذلك.

       

      وممن نالوا نصيبهم من التأهيل والتدريب كنت أنا وزملائي من ضمن من درسوا خارج عمان، في دول الجوار حيث نلنا نصيبنا الوافي من نفقة الدولة في تأهيلنا، لنحل محل الأجانب خاصة في الوظائف الفنية، التي كانت تتطلب وجود عدد أكبر من الأجانب عن غيرها من المجالات المختلفة في القطاعات الأخرى، أتذكر تلك اللحظة التي أذيع فيها اسمي بعد انتظار طويل أمام شاشة التلفاز،حدث ذلك عندما كانت العائلة مجتمعة لنتناول العشاء في بيتنا المبني من الخشب المضغوط الـ بدارسيت.

       

      ولما سمعت أمي اسمي في التلفاز، التفتت صوبي وسألتني بنبرة دافئة: (ما هذا اسمك عبدالله؟) نظرت إليها وابتسمت، ثم نظر إلي أبي بتأمل، وأحسست بالخجل أنها نظرة عتاب ربما لم أطلعه عن أي تملأ شيء، كأنه يقول لي:(أهذا ما كنت تنتظره؟)، نكست رأسي ولم انطق بكلمة، الكل صمت برهة في ذلك الوقت، ورأيت أن أكسر جدار الصمت الذي أحرجني فطلبت من أمي أن تملأ صحني بالمرق لأكمل أكلي ثم عادت المياه إلى مجاريها في تلك اللحظة التي سمعت فيها اسمي كانت مصيرية بالنسبة لي لقد انتظرتها طويلاً، رأيت فيها فرصة الخلاص التي ربما سأحقق فيها جزءاً من طموحاتي.

       

      على ضوء ذلك القنديل الخافت أمام التلفاز الصغير بالأبيض والأسود ببطارية السيارة كنت ماسكاً نفسي طول الوقت منتظراً أن يخرج اسمي من تلك القائمة الطويلة التي كان يتلوها مذيع التلفاز حتى كدت أن أيأس وخفت أن تحول بعثتي لدولة خليجية غير عن التي أريدها، لأن حلمي كان لمصر لا لغيرها، لطالما انتظرت تلك الفرصة السانحة، لقد سمعت عن مصر الكثير وعن رموزها الثقافية والفنية والسياسية حتى يكاد إني أحفظ مناطقها وأحيائها دون أن أراها، فقط من خلال متابعتي لصحفها.

       

      أود رؤية الأهرامات والنيل، خاصة وأن مصر كانت في الستينات تقود الأمة العربية وكان أهلي (جدي وأبي وأعمامي وأصدقاؤهم) من متابعي الأخبار والأحداث في الدول العربية وفي مصر بصفة خاصة عن حركة ضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر، كما كانوا يستمعون إلى الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ويجتمعون في كل مساء حول الراديو لمتابعة الأحداث والأخبار والبرامج الثقافية، وكنت أنا بينهم "كالأطرش في الزفة"لا أفقه شيئاً عن ما يتحدثون عنه ويتناقشون فيه، ربما إني كنت صغيراً لا أعي ما يدور حولي، وكان أحد أعمامي ـ الله يرحمه ويرحمهم جميعاً فقد رحلوا جميعهم عنا ـمن المثقفين، وكان مستمعاً جيداً لبرامج (بي بي سي) قول على قول" لحسن الكرمي فيما أظن، وبرنامج "بين السائل و المجيب"وبرنامج فاروق شوشة الأدبي، وخلافها من البرامج التي اشتهرت بها (بي بي سي) عن غيرها.عندما بدأت أعقل نمت عندي تلك الهواية حتى كاد الراديو لا يفارق أذني ولا أستطيع إلى اليوم أن أنام بدونه، وربما كان ذلك سر ثقافتي السياسية.

       

      للأسف مصر لم تعد ذلك البلد، الذي كنت أنظر إليه في الماضي كبلد الثقافة والفن الراقي، فقد تبعت مصر حداثة الغرب وجلبت لها الصراعات السياسية، (المذهبية)، الأيديولوجية إلى أن تقلص دورها في الأمة العربية، للأسف تغير رأيي عنها منذ أن زرتها آخر مرة قبل عشر سنوات عندما ذهبت إليها مع زوجتي لأريها الحياة الرمضانية في خان الخليلي،وحتى هي اندهشت وخاب ظنها من سلوك الناس هناك وذلك بخلاف الصورة التي رسمتها لها، غاب المظهر الراقي الذي كنا نراه في المحلات الكبرى في شارع عدلي وطلعت حرب والعتبة، والأتبكيت في المطاعم.

       

      أذكر مرة حدث كنت أنا وزميلاي وقد عزمنا للعشاء أحد المعارف الذين أرسلوا من عمان لدورة عسكرية في مصر، وكان أحدنا لم يضع ربطة العنق، وعند مدخل المطعم استوقفه البواب ورفض أن يدخله فاضطر أحدنا أن يدخل ومن ثم يخلع ربطته لزميله، حتى يدخل، وكانت المطاعم الراقية في السابق لا تدخل من يرتدي بنطلون "الجينز" أو (تي يشير) لأنهم كانوا يعتقدون الإهمال في الملبس والمظهر يفقد المناسبة رونقها ومقامها واحترامها كارتداء الملابس العادية إذ أن مثل ذلك المظهر في المطاعم الراقية ودور الأوبرا يسيء لروادها، مثلما نحرص نحن ونلتزم لبس المصر في المناسبات أو الخنجر عندما تكون المناسبة أكثر رسمية.

       

      أذكر عندما تقرر سفري إلى القاهرة اضطررنا أنا وأبي أن نسهر مع الخياط في مطرح إلى قرب أذان الفجر حتى يكمل خياطة البدلة التي سأرتديها عند ركوب الطائرة في الصباح، وكان المسافر في السابق على الطائرة لا بد أن يكون مهندماً حتى يحترم؛ لأن الناس في السابق كانوا يهتمون كثيراً بمظهر الشخص، يقول المثل الفرنسي "كل لك والبس لغيرك".

       

      في الحقيقة كدت أن أيأس من انتظار البعثة، وهناك ضغوط على أبي من أصدقائه الذين يأتون إليه للسهر عنده، وكان هؤلاء يريدونني أن أتوظف معهم في الشرطة وبالذات في التحقيقات لأنهم كانوا يبحثون على أناس مؤهلين، وكانت هناك أيضاً فرصة تنتظرني في وزارة الصحة حيث كانت إمكانياتي الانجليزية تؤهلني أن أدرس العلوم الطبية خاصة كانت هناك فرصة السفر إلى بريطانيا، كنت لا أحب رائحة الأدوية،وفضلت أن أنتظر بعثة وزارة البرق والهاتف لأنها كانت أقرب لميولي، تحديداً ميولي للالكترونيات، لست أدري ربما تأثرت بأفلام (جمز بوند) التي كنت أشاهدها مع العسكر في بيت الفلج في السينما المكشوفة.

       

      عندما كنت في بيت الفلج كنت أراقب الجنود كثيراً في المساء خارج المعسكر كيف كانوا يتعلمون على الإرسال اللاسلكي بشفرات "المورس"، وكنت اذهب بعد أن يتركوا المكان الذي يتدربون فيه تحت شجر السمر لكي أجمع قطع الأسلاك المتناثرة على الأرض هنا وهناك وبقايا البطاريات، وقطع الحديد الصغيرة أتفقدها، ثم أحاول جمعها على بعضها، وكنت أحب المذياع (الراديو) كثيراً وأفكر كيف يأتي صوت المذيع إلينا عبر الأثير وهو يبعد عنا آلاف الأميال، ومن حبي لسماع الإذاعة كنت لا أنام دون وجود مذياع بجانب أذني، وعندما توفيت أختي في إبراء كان المذياع تحت رأسي، عندما أيقظني أبي للصلاة، و هكذا إلى أن تحقق الحلم.

       

      لكل شخص هواية وميول، وربما حلم يراوده منذ الصغر. من عائلتي خالي شقيق والدتي امتهن الميكانيكا، وأبي أيضاً عنده ميول فنية حيث امتهن عدة مهن خلال عمله بالقوات المسلحة، ومن ضمنها الميكانيكا، حيث كان أميناً لقطع غيار السيارات وذلك بعد اجتيازه دورة في الميكانيكا قبل أن يستقر في الأمن وكان يقول لي دائماًـ رحمه الله ـ(لاشيء أحسن من شخص يتقن صنعة، الوظيفة المكتبية يمكن أن يقوم بها أي شخص لديه إلمام بالقراءة والكتابة).

       

      مضى وقت طويل بين ظهور أسمائنا في التلفاز ومغادرتنا، لقد أجلفي البداية سفرنا بسبب ظروف الحرب التي نشبت بين العرب وإسرائيل في سيناء والجولان، وبعد شهر من توقفها جاءت التعليمات أن نتوجه للفحص الطبي، أذكر كان في مستشفى مسقط الكائن في السابق مقابل مبنى السفارة البريطانية وأمام مكتب التلغراف ( سي تي أو) ، إذ لم تعد هذه المباني موجودة لقد ضمت للقصر.

      اجتاز الجميع الفحص عدا واحد منا فقد شك الدكتور في صحة قلبه،لما ظهرت النتيجة غير مشجعة لسفره، وأذكر من حماسنا لبعضنا أن ضغطنا على الدكتور حتى وافق على سفر زميلنا ولكن للأسف توفي هذا الزميل فيما بعد إثناء عودته من القاهرة لقضاء الإجازة ربما على أثر إرهاق أصابه إثناء تنقلاته بالسيارة.

      1. عبد الله السناوي - شارك